سفير خادم الحرمين الشريفين يتحدث عن موريتانيا: تاريخ عريق وفرص استثمارية وعلاقات راسخة

هناك دعوات تصل إلى الإنسان فتسعده، ودعوات أخرى تصل إليه فتترك في نفسه شيئا أعمق من الفرح؛ لأنها تحمل في طياتها تقديرا، وتأتي من جهة ذات مكانة، وفي توقيت يكتسب فيه اللقاء نفسه معنى يتجاوز المناسبة. وحين وصلتني دعوة كريمة من سعادة سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجمهورية الإسلامية الموريتانية، الدكتور عبد العزيز عبد الله الرقابي، للقاء أخوي في مقر السفارة السعودية بنواكشوط، لم أجد في قاموس المشاعر كلمة أكثر صدقا من “الفرح”. لم تكن المسألة بالنسبة إلي مجرد دعوة إلى لقاء عابر، ولم أتعامل معها بوصفها موعدا بروتوكوليا يضاف إلى جدول الأيام، وإنما شعرت منذ اللحظة الأولى أن في الأمر معنى يستحق التوقف عنده؛ فالدعوة جاءت مباشرة من سفير المملكة العربية السعودية، ممثل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حفظه الله، في موريتانيا، وجاءت إلى كاتب وإعلامي يحمل في وجدانه كثيرا من التقدير للمملكة وشعبها، ولما تمثله بلاد الحرمين في الذاكرة الموريتانية من مكانة خاصة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.

ولذلك، لم أعرف كيف أفسر شعوري في تلك اللحظة إلا بكلمة واحدة: الفرح. فرح فيه شيء من الاعتزاز، وشيء من الامتنان، وشيء من رهبة اللقاء أيضا؛ فالمرء حين يدعى إلى بيت دولة شقيقة، من رجل يمثل قيادتها في بلده، لا يستطيع أن يتعامل مع الأمر كأنه موعد عادي. ثمة معنى رمزي كبير في أن يكون اللقاء داخل السفارة السعودية، وثمة إحساس بأن المكان نفسه يحمل تاريخا من العلاقات والرسائل والمواقف، وأن الجالس فيه لا يلتقي شخصا فقط، وإنما يقترب، ولو للحظات، من صورة بلد كامل، ومن تجربة دبلوماسية وثقافية وإنسانية تمتد جذورها بعيدا في الذاكرة. ومن هنا كان الفرح ممزوجا بالامتنان، وكانت الدعوة بالنسبة إلي واحدة من تلك اللحظات التي يتوقف عندها الإنسان قليلا، لا ليحتفل بها فقط، وإنما ليتأمل قيمتها.

أيام من الانتظار والأسئلة

بعد أن وصلت الدعوة، بدأت مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن اللقاء نفسه؛ مرحلة الانتظار. أمضيت الأيام التي سبقت الموعد وأنا أفكر في اللقاء كما لو أنني أعيشه قبل أن يحدث. ماذا سأقول؟ وعن ماذا أسأل؟ وما الموضوعات التي يمكن أن تفتح حديثا مفيدا؟ وما الذي ينبغي أن أتركه جانبا؟ وهل أذهب بعقل الصحفي الذي يبحث عن السؤال، أم بعفوية الكاتب الذي يريد أن يستمع ويتأمل؟ كانت الأسئلة كثيرة، وربما كان بعضها بلا جواب، لأن اللقاء في النهاية ليس مقابلة صحفية معدة سلفا، وإنما لقاء أخوي مع شخصية دبلوماسية كبيرة، صاحب حضور وتجربة وثقافة، ورجل دولة يملك من المعرفة بالشأن السياسي والدبلوماسي ما يجعل الجلسة معه فرصة للاستماع بقدر ما هي فرصة للحديث.

وكانت شخصية سعادة السفير نفسها تزيد من فضول الانتظار؛ فهو دبلوماسي كبير، لكن حضوره لا يتوقف عند حدود الدبلوماسية، وثقافته تبدو أوسع من الملفات الرسمية، واهتمامه بموريتانيا لا يبدو محصورا في الجوانب السياسية للعلاقات الثنائية. كان واضحا منذ اللحظات الأولى أن أمامنا شخصية تحمل اهتماما حقيقيا بالبلد الذي جاءت لتمثيل المملكة فيه، وبشعبه وتاريخه وثقافته ومدنه القديمة، وأن هذا النوع من الاهتمام هو الذي يجعل العمل الدبلوماسي أكثر إنسانية، ويمنح العلاقات بين الدول روحا تتجاوز المذكرات والاتفاقيات واللقاءات الرسمية.

إلى السفارة السعودية

جاء الموعد، واستعددت للقاء، وكان برفقتي المدير الإداري لـ”الحدث ميديا” السيد عبدو ولد أميه. انطلقنا نحو مقر السفارة السعودية، ووصلنا في حدود الساعة الثانية عشرة زوالا إلى مبنى السفارة الكائن في تفرغ زينه بالقرب من الملعب الأولمبي. كان الوصول في حد ذاته جزءا من المشهد؛ فالأماكن الدبلوماسية لها هيبتها، والسفارة ليست مجرد مبنى إداري، وإنما مساحة تحمل دلالات سياسية ورمزية، خصوصا حين تكون سفارة المملكة العربية السعودية في موريتانيا، بما تحمله العلاقات بين البلدين من خصوصية تاريخية وشعبية.

دخلنا من البوابة المخصصة لكبار الشخصيات، وكان الحراس في انتظارنا، وحين عرفتهم بأنفسنا فتحوا لنا البوابة، ومضينا باتجاه المبنى الذي يضم قاعة الاستقبال. وفي تلك اللحظات، كانت تفاصيل صغيرة تبدو أكبر من حجمها؛ البوابة التي فتحت، الطريق المؤدي إلى المبنى، قاعة الاستقبال، انتظار اللحظة التي يدخل فيها السفير، وكلها تفاصيل تخلق لدى الزائر شعورا خاصا بالمكان. وربما كانت رهبة اللقاء لا تأتي من المنصب وحده، وإنما من إحساس الإنسان بأنه يدخل إلى مساحة تختصر في رمزيتها علاقة دولتين وشعبين، وتحتضن يوميا ملفات تتصل بمصالح مشتركة وذكريات مشتركة ومستقبل مشترك.

حين دخل السفير… سقطت هيبة البروتوكول

دخلنا قاعة الاستقبال، ولم تمض دقائق حتى دخل علينا سعادته. وهنا، كان أول ما يلفت الانتباه أن الرجل الذي يحمل كل تلك الصفة الرسمية يستطيع، في اللحظة نفسها، أن يكون شديد القرب والبساطة. كانت التحية دافئة، والاستقبال كريما، والحضور مشبعا بالتواضع والأدب، ثم بدأ الحديث يأخذ طريقه بصورة طبيعية، وكأننا لم نكن في لقاء رسمي داخل سفارة، وإنما في مجلس أخوي يعرف فيه كل طرف للآخر مكانته ويحفظ له قدره.

في شخصية سعادة السفير اجتماع لافت بين أكثر من صفة؛ دبلوماسي يعرف كيف يقرأ المشهد السياسي، ومثقف يملك قدرة على الانتقال من السياسة إلى التاريخ والثقافة دون افتعال، وإنسان يترك في الجلسة مساحة واسعة للحديث والاستماع. وكان ذلك واضحا في طبيعة المواضيع التي تناولناها، فلم يكن الحوار محصورا في سؤال وجواب، وإنما كان حديثا ممتدا عن موريتانيا، وعن صورتها في عيون الأشقاء، وعن تاريخها، وعن فرصها الاقتصادية، وعن العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وعن الإنسان الموريتاني ومكانته في الوجدان السعودي.

موريتانيا في عيون السفير

كان السؤال الأول، وربما الأكثر طبيعية، هو: كيف وجد سعادة السفير موريتانيا؟

جاءت الإجابة محملة بكثير من التقدير. قال إنه وجد بلدا جميلا، وشعبا كريما، وقيادة على قدر المسؤولية. وقد لا تبدو هذه الكلمات في ظاهرها كثيرة، لكنها حين تصدر عن دبلوماسي يعيش تفاصيل البلد ويتابع شؤونه ويعرف طبيعة علاقاته، فإنها تصبح شهادة ذات قيمة، خصوصا حين تتصل بالصورة التي يريد بلد أن يقدمها عن نفسه أمام ممثل دولة شقيقة.

وأشاد سعادته بالقيادة الموريتانية ممثلة في فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وتحدث عن ما لمسه من اهتمام بالعلاقات الموريتانية السعودية، وعن اللقاءات التي جمعته بفخامته، وعن التوجيهات التي تلقاها لتذليل الصعوبات أمام مهمته. وفي حديثه عن القيادة، بدا واضحا أنه ينظر إلى العلاقات بين البلدين باعتبارها مشروعا يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، وإلى عمل متواصل حتى تتحول المحبة المتبادلة بين الشعبين إلى تعاون عملي ومشاريع وشراكات تعود بالنفع على البلدين.

شنقيط… الاسم الذي يسبق المدينة

لكن الحديث عن موريتانيا لم يلبث أن أخذنا إلى منطقة أكثر دفئا في الذاكرة: شنقيط.

كان واضحا أن للشنقيط والشناقطة مكانة خاصة في وجدان سعادة السفير، كما هي في الوجدان المشرقي عموما، وفي وجدان أهل المملكة العربية السعودية بصورة خاصة. تحدث عن المكانة العلمية التي اكتسبها الشناقطة عبر التاريخ، وعن ارتباط اسمهم بالعلم والصلاح والتدريس ونشر المعرفة، وهي مكانة لم تأت من فراغ، وإنما صنعتها أجيال من العلماء الذين حملوا العلم من هذه الأرض إلى آفاق بعيدة، وجعلوا من اسم شنقيط عنوانا على مدرسة علمية وروحية امتد أثرها خارج الحدود.

ثم تحدث عن زيارته لمدينة شنقيط، وقال إنه وقف أمام مدينة أدهشته بعظمتها وتاريخها، وأن الزائر إليها لا يستطيع أن يتعامل معها باعتبارها مجرد مدينة تاريخية، لأنها في حقيقتها ذاكرة كاملة، تختزن طبقات من التاريخ والثقافة والعلم والعمران، وتروي من خلال حجارتها وأزقتها ومساجدها ومكتباتها شيئا من قصة الصحراء حين كانت طرقا للعلم والتجارة والحضارة، لا فراغا جغرافيا كما قد يتخيل من لا يعرف تاريخها.

ولم يتوقف إعجابه عند حدود الزيارة؛ فقد ذكر أن محبته لشنقيط ورغبته في أن يتعرف الجيل الجديد على تاريخها دفعته إلى إرسال نجله في هذه الأيام إلى المدينة، حتى يرى بنفسه المكان الذي طالما ارتبط اسمه في الذاكرة العربية والإسلامية بالعلم والعلماء. وفي هذه التفصيلة الصغيرة معنى كبير؛ إذ إن أفضل طريقة لحماية التاريخ ليست أن نتحدث عنه فقط، وإنما أن نجعل الأجيال تراه وتلمسه وتسمع قصته من مصادره وأمكنته.

وادان… حين تتحول المدينة القديمة إلى سفير

ومن شنقيط انتقل الحديث إلى وادان، المدينة التاريخية التي سبق لسعادة السفير أن زارها، وأبدى إعجابه بتاريخها وأهلها وما تختزنه من موروث ثقافي وحضاري. لكنه تحدث أيضا عن جانب آخر لفت انتباهه، يتعلق ببرامج استقبال السفراء خلال المهرجانات والفعاليات الثقافية؛ إذ تمنى لو تتاح لأعضاء السلك الدبلوماسي فرصة القيام بجولة داخل المدينة القديمة، تشمل أبرز معالمها ومواقعها التاريخية التي سمع عنها ولم يتمكن من زيارتها، لأنها ليست ضمن برنامج الدعوة الموجهة إلى السفراء.

وكانت الفكرة التي طرحها تستحق التوقف؛ لأن السفير حين يرى المدينة القديمة بعينيه، ويدخل معالمها، ويستمع إلى تاريخها من أهلها، فإنه يحصل على معرفة لا يمكن لملف رسمي أو منشور سياحي أن يمنحها كاملة. الجولة الميدانية تمنح الدبلوماسي صورة حية عن البلد الذي يعمل فيه، وتتيح له أن يفهم التراث من داخله، وأن ينقل إلى بلاده ومجتمعه الدبلوماسي قصة المكان بطريقة أكثر حيوية وصدقا.

والأجمل أن سعادة السفير لم ينظر إلى الجولة من زاوية ثقافية فقط، وإنما رأى فيها فرصة اقتصادية أيضا. فالسفراء حين يمرون على أماكن عرض المنتجات التقليدية والصناعات المحلية يمكن أن يشتروا من تلك المنتجات، وأن يتعرفوا على الحرف والصناعات التي تمثل جزءا من الاقتصاد الثقافي للمدن القديمة. وبذلك تتحول الزيارة من مجرد نشاط بروتوكولي إلى منفعة مزدوجة: معرفة أعمق للضيف، وفائدة مادية مباشرة لأصحاب المنتجات المحلية.

ومن وادان امتدت الفكرة طبيعيا إلى بقية المدن التاريخية، وخاصة تشيت وولاته، باعتبار أن كل واحدة منها تحمل قصة مختلفة، وأن التعريف بها لا ينبغي أن يبقى محصورا في المهرجانات والكتب، وإنما يجب أن يتحول إلى تجربة حية يعيشها الزائر، خصوصا إذا كان الزائر سفيرا يمثل بلدا آخر، ويمكن أن يصبح لاحقا أحد أهم رواة صورة موريتانيا في الخارج.

من التاريخ إلى الاستثمار

بعد ذلك اتسع الحديث ليشمل ملفا لا يقل أهمية: الاستثمار السعودي في موريتانيا.

تحدث سعادة السفير عن مجالات واسعة للتعاون، وفي مقدمتها المعادن والصحة والزراعة، وهي قطاعات تمثل في الواقع جزءا أساسيا من مستقبل الاقتصاد الموريتاني. فموريتانيا لا تملك ثروات معدنية هائلة فحسب، وإنما تملك كذلك أراضي وإمكانات زراعية وموارد وفرصا يمكن أن تستقطب استثمارات كبيرة إذا توافرت لها البيئة المناسبة والشراكات الجادة والقدرة على تحويل الإمكانات إلى مشاريع منتجة.

وأوضح أن العمل منذ وصوله إلى موريتانيا كان موجها بدرجة كبيرة نحو تعزيز العلاقات بين البلدين، وخاصة في المجالات التي يمكن أن تنتقل فيها العلاقة من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاقتصادية. وأشار إلى اتفاقيات ومشاريع بمليارات الأوقية، وإلى اهتمام متزايد بالمعادن والزراعة، وإلى أن المملكة تنظر إلى موريتانيا باعتبارها بلدا يمتلك فرصا استثمارية حقيقية يمكن البناء عليها.

مستشفى الملك سلمان… مشروع يتجاوز الحجر

وعندما وصل الحديث إلى الصحة، برز اسم مستشفى الملك سلمان بن عبد العزيز في نواكشوط بوصفه واحدا من أبرز المشاريع التي تحظى باهتمام خاص.

تحدث سعادة السفير عن المبالغ التي خصصت للمشروع، والتي تصل إلى ملايين الدولارات، وعن الرؤية التي تقف وراء إنشاء هذا الصرح الصحي، مؤكداً أنه ينتظر أن يكون من أهم المعالم الصحية في موريتانيا، وأن يمتد أثره إلى محيطها الإقليمي. ولم يكن حديثه عن المستشفى حديثا عن مبنى وتجهيزات وأسرة فقط؛ وإنما عن مشروع صحي يمكن أن يضيف قدرة نوعية إلى القطاع الصحي، ويمنح موريتانيا مؤسسة طبية كبيرة قادرة على تقديم خدمات متقدمة.

وكان لافتا حديثه عن التحديات التي تواجه المشروع؛ إذ لم يحاول أن يقدم الطريق على أنه خال من العقبات، بل تحدث عنها بوضوح، لكنه في الوقت نفسه أكد أن التحديات، مهما كثرت، ليست مستحيلة. وقال إنه يبذل ما يستطيع من أجل تسهيل مهمة المشرف السعودي على المشروع، وتذليل ما يمكن تذليله من صعوبات، حتى يصل المشروع إلى غايته المنشودة.

وفي نهاية الأمر، يبقى الرهان على أن تتحول كل هذه الجهود إلى واقع يراه المواطن الموريتاني ويستفيد منه، وأن يأتي اليوم الذي تفتح فيه أبواب المستشفى أمام المرضى، ليصبح المشروع اسما حاضرا في الحياة اليومية، لا مجرد عنوان في قائمة المشاريع والاتفاقيات.

“الموريتانيون في قلب ولي العهد”

لكن بين كل الملفات التي تحدثنا عنها، كان هناك حديث آخر أكثر قربا إلى القلب، وربما كان أكثر الأحاديث تأثيرا في نفسي: حديث سعادة السفير عن الموريتانيين ومكانتهم لدى القيادة السعودية.

تحدث عن وصية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان له بالموريتانيين خيرا، وعن مكانتهم في قلبه، وقال إن هذا المعنى حاضر لديه باستمرار، وإنه يشعر أن الموريتانيين يقدرون تلك المحبة ويبادلونها تقديرا ومحبة، ويرون في المملكة العربية السعودية دولة شقيقة، وهو إحساس لا يحتاج إلى كثير من البرهان؛ لأن العلاقات الشعبية بين البلدين تمتلك من العمق ما يجعلها أكبر من السياسة، وأوسع من المصالح الاقتصادية، وأقدم من كثير من الملفات التي تتداولها المؤسسات الرسمية.

ولعل هذه واحدة من أجمل نقاط القوة في العلاقة بين موريتانيا والمملكة: أن جذورها لم تزرع في غرف السياسة، وإنما في المساجد ومجالس العلم، وفي كتب العلماء، وفي رحلات طلب المعرفة، وفي علاقات اجتماعية وثقافية امتدت عبر أجيال. ولذلك فإن الحديث عن المملكة في موريتانيا لا يبدأ من سفارة، ولا ينتهي عند اتفاقية؛ وإنما يمر عبر ذاكرة طويلة يرى فيها الموريتانيون بلاد الحرمين أرضا لها مكانتها الخاصة، ويرى فيها الأشقاء في المملكة بلاد شنقيط وشعبها امتدادا لتاريخ من العلم والتواصل والمودة.

موريتانيا… ثروة تنتظر الاستثمار

وفي ختام الحديث، عاد سعادة السفير إلى موريتانيا نفسها، إلى هذا البلد الذي يرى فيه ثروات هائلة وإمكانات واسعة، وإلى ضرورة العمل من أجل تعزيز العلاقات بين البلدين بكل الوسائل الممكنة. وكان واضحا أن رؤيته لا تتوقف عند مشروع بعينه، وإنما تنظر إلى العلاقة الموريتانية السعودية باعتبارها مساحة واسعة يمكن أن تتحرك فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والصحة والزراعة والسياحة والتعليم والاستثمار.

وأشاد مجددا بالحكومة الموريتانية ممثلة في فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مشيرا إلى اللقاءات التي جمعته بفخامته، وإلى ما لمسه من اهتمام بالعلاقات مع المملكة، وإلى التوجيهات التي صدرت من أجل تذليل الصعوبات أمام مهمته. وفي ذلك ما يعكس أن تعزيز العلاقات لا يمكن أن يكون مسؤولية طرف واحد؛ فالدبلوماسية الناجحة تحتاج إلى إرادة سياسية من الطرفين، وإلى بيئة تساعد على الاستثمار، وإلى مؤسسات تعمل بروح الشراكة، وإلى سفراء يحملون العلاقات من مستوى التمثيل الرسمي إلى مستوى الفعل الحقيقي.

حين انتهى اللقاء… وبقي أثره

انتهى اللقاء، لكن الحديث لم ينته في داخلي. خرجت من السفارة وأنا أشعر أنني لم أخرج فقط من مبنى دبلوماسي، وإنما من جلسة تركت وراءها الكثير من الأفكار والأسئلة والانطباعات. كان لقاء أخويا في روحه، دبلوماسيا في مقامه، ثقافيا في كثير من تفاصيله، واقتصاديا في الملفات التي ناقشها، وإنسانيا في الطريقة التي جرى بها الحديث عن الموريتانيين ومكانتهم لدى القيادة والشعب في المملكة العربية السعودية.

وقد يكون أجمل ما في اللقاء أن البروتوكول لم يطغ على الإنسان، وأن المنصب لم يحجب الشخصية، وأن الحديث عن السياسة لم يبتلع الثقافة، وأن الحديث عن الاستثمار لم ينس الإنسان، وأن الحديث عن المدن التاريخية لم يبق في حدود الحنين إلى الماضي، بل تحول إلى أفكار عملية يمكن أن تجعل من التراث موردا ثقافيا وسياحيا واقتصاديا.

وهذا، في تقديري، هو المعنى الحقيقي للدبلوماسية حين تكون في أفضل صورها؛ أن تعرف كيف تجمع بين الدولة والإنسان، وبين المصالح والمشاعر، وبين التاريخ والمستقبل. فالدبلوماسي الناجح لا يكتفي بأن يعرف البلد الذي يعمل فيه من خلال تقارير السفارة، وإنما يعرفه من خلال أهله، ومدنه، وثقافته، وذاكرته، وأسئلته، وأحلامه أيضا.

شكرا سعادة السفير

ومن هنا، وباسمي وباسم جميع الزملاء في “الحدث ميديا”، أتقدم بخالص الشكر وعميق الامتنان إلى سعادة سفير خادم الحرمين الشريفين لدى موريتانيا الدكتور عبد العزيز عبد الله الرقابي، على هذه الدعوة الكريمة، وعلى ما أحاطنا به من حفاوة وكرم، وعلى الوقت الذي خصصه لهذا اللقاء، وعلى ما فتحه من حديث غني عن موريتانيا والمملكة والعلاقات التي تجمع البلدين.

إننا نثمن هذه الدعوة ونقدرها، لا لأنها أتاحت لنا فرصة اللقاء فحسب، وإنما لأنها جاءت في لحظة تحمل بالنسبة إلينا معنى خاصا. فقد جاءت الدعوة في الوقت الذي يستعد فيه “الحدث ميديا” للعودة إلى النشر بعد أشهر من التوقف، فرضتها الظروف الصحية التي مر بها مدير الموقع وناشره، وكأن هذه العودة كان مقدرا لها أن تبدأ من مكان يحمل معنى الأخوة، وأن تستهل بخبر عن لقاء مع سفير دولة شقيقة.

وهكذا، بدأت عودة “الحدث ميديا” من السفارة السعودية في نواكشوط؛ من بيت الأشقاء، ومن لقاء ترك في النفس أثرا طيبا، ومن حديث أعاد إلى الذاكرة أن العلاقات بين موريتانيا والمملكة العربية السعودية ليست مجرد علاقة بين دولتين، وإنما هي علاقة بين شعبين تجمعهما وشائج أقدم من السياسة، وأعمق من المصالح، وأبقى من الظروف.

لقد دخلنا السفارة ونحن نحمل أسئلة عن اللقاء، وخرجنا منها ونحن نحمل أسئلة أكبر عن المستقبل: كيف يمكن أن نجعل من التاريخ جسرا إلى المستقبل؟ وكيف تتحول المحبة بين الشعوب إلى شراكات ومشاريع؟ وكيف تصبح مدننا التاريخية أكثر حضورا في وجدان العالم؟ وكيف تستفيد موريتانيا من ثرواتها وإمكاناتها؟ وكيف ننتقل بالعلاقة السعودية الموريتانية من رصيد المحبة الكبير إلى واقع اقتصادي وثقافي وتنموي يوازي هذا الرصيد؟

أسئلة كثيرة، لكنها في جوهرها سؤال واحد: كيف نحول ما يجمعنا إلى ما يبنينا؟

ولعل هذا هو أجمل ما يمكن أن يخرج به المرء من لقاء كهذا؛ أن لا ينتهي اللقاء عند باب السفارة، وأن لا تنتهي الكلمات بانتهاء الجلسة، وإنما تتحول إلى أفكار، والأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى واقع.

أما الدعوة نفسها، فستظل بالنسبة إلي واحدة من تلك الدعوات التي لا تقاس بقيمتها البروتوكولية، وإنما بما تركته من أثر في النفس.

دعوة جاءت من سفير خادم الحرمين الشريفين.

دعوة جاءت من بيت الأشقاء.

وكان عنوانها الأول: الفرح.

أما عنوانها الأخير، فكان: الأخوة حين تتحول إلى عمل، والمحبة حين تجد طريقها إلى المستقبل.

المدير الناشر/محمد سالم المختار الشيخ

الدكتور عبد العزيز عبد الله الرقابي 🇸🇦

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى