محمد بن سلمان.. أربعون عاما من العمر ومشروع وطن بحجم المستقبل

في الحادي والثلاثين من أغسطس 2026، يبلغ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، عامه الحادي والأربعين؛ وهي مناسبة لا تستوقفنا عند رقم في سجل العمر بقدر ما تدعونا إلى التأمل في مسيرة رجل ارتبط اسمه بمرحلة استثنائية من تاريخ المملكة العربية السعودية، وبمشروع وطني كبير تجاوز حدود اللحظة إلى صناعة المستقبل. وفي هذه المناسبة العزيزة، نتقدم إلى سموه بأصدق التهاني وأطيب التمنيات، سائلين الله أن يمده بالصحة والعافية والتوفيق، وأن يكتب له مزيدا من النجاح في خدمة المملكة وشعبها.
لقد جاء الأمير محمد بن سلمان في لحظة كان العالم فيها يتغير بسرعة، فاختار أن تكون المملكة شريكا في صناعة هذا التغيير لا متفرجا عليه. ومن هنا جاءت رؤية السعودية 2030، التي لم تكن مجرد برنامج اقتصادي أو خطة إدارية، وإنما مشروعا لإعادة تعريف علاقة الدولة بمواردها، واقتصادها، وشبابها، وموقعها في العالم. فمنذ إطلاق الرؤية في عام 2016، دخلت المملكة في مسار تحولي واسع شمل الاقتصاد والاستثمار والصناعة والسياحة والثقافة والتقنية والخدمات الحكومية وجودة الحياة، حتى أصبحت كثير من مستهدفاتها تتحقق بوتيرة سبقت التوقعات.
والحديث عن السعودية الجديدة لا يكتمل دون التوقف عند حضورها الدولي المتصاعد. فالمملكة لم تعد تقرأ فقط باعتبارها دولة ذات ثقل نفطي أو ديني، وإنما باعتبارها قوة اقتصادية وسياسية فاعلة، تمتلك رؤية واضحة ومصالح واسعة وقدرة متزايدة على التأثير في الملفات الإقليمية والدولية. ويكفي أن ننظر إلى حضورها في مجموعة العشرين، ورئاستها للمجموعة عام 2020، لندرك حجم التحول في موقعها الدولي؛ فوجود المملكة الدائم في هذا المحفل الذي يجمع أكبر الاقتصادات العالمية يعكس ثقلها الاقتصادي ودورها المؤثر في صياغة النقاشات المتعلقة بالنمو والاستثمار والطاقة والتنمية والاقتصاد العالمي. وقد أكدت المملكة خلال رئاستها للمجموعة قدرتها على قيادة أجندة دولية تتجاوز حدودها الوطنية.
ولأن قوة الدول لا تقاس بالاقتصاد والسياسة وحدهما، فقد أولت المملكة عناية استثنائية بخدمة ضيوف الرحمن، فأصبحت رحلة الحج والعمرة أكثر تنظيما وسلاسة واعتمادا على التقنية والخدمات الذكية والبنية التحتية الحديثة. وهذه ليست قضية خدمات فحسب؛ إنها رسالة حضارية تؤكد أن المملكة، التي شرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين، تنظر إلى خدمة الحاج والمعتمر باعتبارها مسؤولية تاريخية وشرفا يتجدد كل عام. وفي هذا المجال أيضا، جاءت مشاريع التطوير والتحول الرقمي وتحسين تجربة المستفيد لتجعل رحلة ملايين المسلمين أكثر يسرا وأمانا وطمأنينة.
أما نحن في موريتانيا، فلنا في هذه المناسبة زاوية أخرى من الفرح والامتنان. فالمملكة العربية السعودية ليست بالنسبة للموريتانيين دولة شقيقة فحسب، بل هي بلد له في الوجدان الموريتاني مكانة خاصة، تجمعها روابط الدين واللغة والتاريخ والمودة. ومن موقع الموريتاني المحب للمملكة والمقدر لقيادتها، لا يسعني إلا أن أعبر عن الاعتزاز بما تشهده العلاقات الموريتانية السعودية من تعاون متنام، وما توليه القيادة السعودية من اهتمام بموريتانيا وشعبها، وهو اهتمام نأمل أن يتسع ويتحول، عاما بعد عام، إلى مزيد من المشاريع والشراكات التي تخدم البلدين والشعبين الشقيقين.
وقد كان للدعم السعودي في المجال التنموي والصحي أثر ملموس في موريتانيا، ومن أبرز شواهده مشروع مستشفى الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في نواكشوط، الذي يمثل إضافة نوعية إلى المنظومة الصحية الوطنية؛ فالمشروع، الذي وضع صندوق التنمية السعودي حجر أساسه في سبتمبر 2025، يمول بمنحة سعودية تبلغ 70 مليون دولار، وبطاقة تصل إلى 300 سرير، ليكون مركزا مرجعيا يخدم العاصمة ويمتد أثره إلى عدد من المؤسسات الصحية الأخرى. وليس أجمل من أن تتحول المحبة بين الشعوب إلى مبان تعالج المرضى، ومشاريع تخفف عن الناس، وفرص تفتح أبواب المستقبل.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الجهود الدبلوماسية والتنموية التي بذلها السفير السعودي الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الرقابي خلال عمله في نواكشوط، وما أظهره من حرص على دفع علاقات البلدين نحو مزيد من التعاون في مجالات متعددة، وهو ما لمسناه في ملفات الصحة والتنمية وغيرها. وقد كان حضوره في تدشين مشروع مستشفى الملك سلمان شاهدا على متابعة المملكة لمشروعاتها التنموية في موريتانيا وحرصها على أن ترى الدعم السعودي يتحول إلى إنجازات محسوسة على الأرض.
إن أربعة عقود ونيف من العمر قد تبدو في حساب السنوات مدة محدودة، لكنها حين تقاس بحجم الطموح والمشروعات والتحولات، تصبح حافلة بالدلالات. وفي تجربة محمد بن سلمان، يبدو العمر أقل أهمية من الزمن الذي اختار أن يعيش فيه الرجل، ومن المشروع الذي اختار أن يحمله؛ مشروع وطن يريد أن يكون في مقدمة الصفوف، وأن يحول ثرواته وإمكاناته إلى قوة اقتصادية ومعرفية وحضارية، وأن يمنح شبابه ثقة بأن المستقبل ليس وعدا بعيدا، بل صناعة تبدأ اليوم.
وفي يوم ميلاد الأمير محمد بن سلمان، نقول من موريتانيا، بصدق المحبة وعمق التقدير: كل عام وأنتم بخير، يا سمو ولي العهد، وكل عام والمملكة العربية السعودية أكثر قوة وازدهارا وتأثيرا. نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وأن يحفظ سموكم، وأن يوفقكم لما فيه خير المملكة والأمتين العربية والإسلامية، وأن يديم بين المملكة وموريتانيا وشعبيهما الشقيقين جسور المحبة والتعاون.
كل عام وأنتم بخير، يا قائد الطموح وصانع المستقبل؛ وكل عام والمملكة تمضي بثقة نحو المكانة التي تستحقها.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




