إلى جلالة الملك محمد السادس.. من يحمي العلاقات المغربية الموريتانية من عبث المسيئين؟

ليست كل الأصوات التي تتحدث باسم الوطنية تعبر عن وعي حقيقي بمصالح الأوطان، وليست كل الأقلام التي ترفع شعارات السيادة والكرامة تدرك معنى التاريخ والجغرافيا وروابط الشعوب. وما نشهده اليوم من حملة مسيئة لموريتانيا أطلقتها شرذمة من الأصوات المغربية التي لا تفقه من العلاقات الدولية إلا لغة الاستفزاز، ولا من الأخوة إلا ما يخدم نزواتها، على خلفية قضية “لكويرة”، يمثل إساءة لا تليق بتاريخ العلاقات الموريتانية المغربية، ولا تعكس حقيقة الشعب المغربي الشقيق الذي نحترمه ونقدره. إنها أصوات تسيء إلى موريتانيا، لكنها في الوقت نفسه تسيء إلى المغرب وصورته ومكانته، وكأنها لا تدرك أن الأوطان لا تكبر بالحط من قدر جيرانها، وأن الكرامة الوطنية لا تبنى على الإهانة والتطاول.
رسالتي الأولى إلى جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، أنني لا أشك لحظة في حرص جلالتكم على متانة العلاقات التي تجمع المملكة المغربية بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، ولا في إدراككم العميق لما بين البلدين من روابط سياسية واقتصادية وإنسانية وتاريخية، وما يجمع الشعبين من دين ودم وجغرافيا ومصالح مشتركة. لكن هذه الثقة في حكمة جلالتكم تدفعني إلى مناشدة مقامكم السامي التدخل لوضع حد لهذه الحملة المسيئة لموريتانيا، والتي تقف وراءها شرذمة لا تمثل المغرب ولا قيمه، ولا تعرف من الأخوة إلا اسمها، ولا تدرك أن الإساءة إلى دولة شقيقة ليست بطولة وطنية، بل دليل على ضيق الأفق وسوء تقدير العواقب.
يا جلالة الملك، إن موريتانيا دولة مستقلة ذات سيادة، وعضو في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي واتحاد المغرب العربي، وليست دولة تنتظر من أحد أن يمنحها شرعية وجودها أو يحدد لها مكانتها. وهي دولة تملك من الثروات والإمكانات والمقدرات ما يؤهلها لبناء اقتصادها وتعزيز استقلال قرارها. وإذا استوردت منتجات مغربية أو استفادت من خدمات تقدمها مؤسسات مغربية، فإنها تدفع مقابل ذلك من مالها، في إطار تجارة ومصالح متبادلة، لا في إطار الإحسان أو الصدقة كما يتوهم بعض الجهلة. فالموريتاني الذي يشتري سلعة مغربية ليس متسولا، والمغرب الذي يبيع منتجاته لموريتانيا ليس جمعية خيرية؛ إنها مصالح اقتصادية متبادلة، يفترض أن تكون مصدر اعتزاز للطرفين، لا مادة للتعالي والسخرية.
ثم إن هؤلاء الذين يتحدثون عن موريتانيا بهذه اللغة المتعالية يتجاهلون ما يمثله الموريتانيون من حضور اقتصادي في المغرب، عبر السياحة والتجارة والعلاج والتعليم وغيرها من المجالات. فالموريتانيون الذين يقصدون المغرب ينفقون أموالهم، ويساهمون في تنشيط قطاعات اقتصادية وخدمية، ويمنحون مؤسسات مغربية فرصا حقيقية للعمل والربح. أما رسوم التأشيرات وما يرتبط بها من إيرادات، فلا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للمن أو الاستعلاء، بل إلى جزء من المعاملات النظامية بين الدول. وليت تلك الشرذمة تدرك أن العلاقات الاقتصادية لا تقاس بالصراخ، وأن السوق الموريتانية ليست هامشا بلا قيمة، وأن احترام الشريك التجاري من أبجديات الاقتصاد قبل أن يكون من أخلاق الأخوة والجوار.
وما يزيد الأمر حساسية أن الروابط بين الشعبين لا تقف عند حدود التجارة والسياسة، بل تمتد إلى الدم والعائلات والعادات والتقاليد، ولا سيما في المناطق الجنوبية حيث تتداخل الأواصر الاجتماعية والإنسانية والتاريخية. وهذه حقيقة يعرفها العقلاء، لكن يبدو أن بعض الأقلام التي تتطاول على موريتانيا غائبة عنها، أو تتعمد تجاهلها خدمة لحسابات ضيقة. ومن هنا، فإنني أدعو جلالتكم إلى توجيه الجهات المعنية لإطلاق حملة توعوية جادة تضع الأمور في نصابها، وتوضح أن موريتانيا ليست خصما للمغرب، وأن أي نقاش بشأن “لكويرة” أو غيرها من الملفات الحساسة هو شأن تتعامل معه القيادتان والمؤسسات المختصة وفق ما تقتضيه مصالح البلدين. أما ترك الأمر لأصحاب الحسابات المنفلتة والأقلام المسمومة، فسيمنحهم مساحة للإساءة إلى علاقات أكبر منهم بكثير.
رسالتي الثانية إلى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حفظه الله، أن صون كرامة موريتانيا يقتضي كذلك موقفا واضحا من الأقلام التي تسيء إلى المغرب والمغاربة. فلا نريد أن نرد على الإساءة بإساءة، ولا أن ننزلق إلى مستنقع التراشق الذي لا يربح فيه أحد. وأدعو فخامتكم إلى توجيه الحكومة، عبر القطاعات المعنية بالإعلام والثقافة والاتصال والخارجية، لإطلاق حملة تعريفية بأهمية العلاقات الموريتانية المغربية، وبما تحققه من مصالح في مجالات التجارة والسياحة والصحة والتعليم والأمن والاستثمار. فالعلاقات بين الدول لا تصان بالصمت وحده، وإنما بالتواصل الواعي، وتوضيح الحقائق، ومواجهة الخطاب العدائي بالحجة والمعلومة، وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل.
أما رسالتي الثالثة، فهي إلى الأقلام المغربية والموريتانية التي اختارت أن تجعل من الإساءة مهنة، ومن التحريض وسيلة للشهرة، ومن القضايا الحساسة فرصة لتصفية الحسابات. اتقوا الله في شعبين تجمعهما روابط لا تستطيع منشوراتكم تمزيقها، واعلموا أن الكاتب الحقيقي لا يزرع الكراهية بين الشعوب، ولا يحول الاختلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية. وأقول لتلك الشرذمة المغربية التي تجاوزت كل حدود الأدب واللياقة في حديثها عن موريتانيا: إنكم لا تمثلون المغرب الذي نحترمه، ولا تتحدثون باسم المغاربة الذين نعتز بأخوتهم، ولا تمنحون أنفسكم حق الوصاية على دولة مستقلة وشعب كريم. كما أقول للأقلام الموريتانية التي ترد بالإساءة إلى المغرب: إن أخلاقنا ومصالحنا تقتضي أن نكون أكبر من الاستفزاز، وأن نعرف كيف ندافع عن وطننا دون أن نطعن في وطن الآخرين.
إن العلاقات الموريتانية المغربية لا تحتمل هذه الحملات القذرة من أي طرف، لكن ما صدر عن بعض الأصوات المغربية تجاوز، في حدته ومضمونه، حدود الاختلاف المقبول، وصار يستدعي وقفة مسؤولة تضع حدا لهذا الانحدار. فالمغرب الذي نعرفه ونحترمه أكبر من هذه الشرذمة، وموريتانيا التي نعتز بها أكبر من أن تهزها إساءات عابرة. ولا يجوز أن تتحول قضية “لكويرة” إلى سكين يغرس في جسد العلاقة بين البلدين، أو إلى ذريعة للطعن في سيادة موريتانيا وكرامة شعبها. إن الملفات السياسية الحساسة مكانها المؤسسات والقيادات، لا منصات المزايدة، ولا أفواه الذين يخلطون بين الوطنية والعدوان اللفظي.
إن الخاسر الأكبر من استمرار هذه الحملات لن يكون حكومة بعينها أو كاتبا بعينه، بل المواطن البسيط في البلدين؛ التاجر الذي يحتاج إلى سوق مستقرة، والمريض الذي يبحث عن العلاج، والطالب الذي يطمح إلى التعليم، والأسرة التي تربطها صلات دم ومصاهرة عبر الحدود. أما الشباب، فهم أولى بفرص العمل والاستثمار والتكوين من معارك لا تنتج إلا الكراهية. وبدل أن ننفق طاقاتنا في إهانة بعضنا بعضا، ينبغي أن نعمل على توسيع التجارة، وتشجيع الاستثمار، وتسهيل حركة الأفراد، وتعزيز التعاون الأمني والتعليمي والصحي. فهذه هي القضايا التي تصنع مستقبل الشعوب، لا مسابقات الشتائم ولا حملات التشكيك.
وأختم بالتأكيد أن ثقتي في حكمة جلالة الملك محمد السادس وفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تدفعني إلى الأمل في موقف يعيد الأمور إلى نصابها، ويحمي العلاقات التاريخية بين البلدين من عبث الأصوات التي لا ترى أبعد من أنوفها. إننا لا نطلب من المغرب إلا احترام موريتانيا وسيادتها وكرامة شعبها، ولا نطلب من موريتانيا إلا أن تحافظ على احترامها للمغرب وشعبه، وأن ترد على الإساءة بموقف مسؤول لا يفرط في الحقوق ولا يبدد المصالح. فالأخوة ليست ضعفا، والحكمة ليست تنازلا، واحترام الآخر ليس انتقاصا من الذات.
موريتانيا ليست خصما للمغرب، والمغرب ليس عدوا لموريتانيا؛ إنهما بلدان شقيقان يجمعهما التاريخ والجغرافيا والدين والدم والمصالح. ومن يظن أن رفع صوته بالإساءة إلى موريتانيا يجعله أكثر وطنية، أو أن النيل من المغرب يخدم موريتانيا، فهو لا يفهم معنى الدولة ولا قيمة العلاقات بين الشعوب. فالأوطان لا تكبر بإهانة جيرانها، والكرامة لا تصان بالشتائم، والمستقبل لا يبنى بالكراهية. أما “لكويرة” وما يرتبط بها من ملفات، فلتترك للقيادتين والمؤسسات المختصة، ولنكف جميعا عن منح الشرذمة التي تعيش على الفتنة فرصة العبث بعلاقة تستحق منا الحماية لا التخريب، والتعزيز لا التشويه، والوفاء لا الخيانة.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




