حين يجتمع الخير والحزم.. الملك سلمان بن عبدالعزيز نموذجا
في تاريخ الدول رجال تمر أسماؤهم في سجلات الحكم، ورجال تصنع أفعالهم صفحات من التاريخ. ومن بين هؤلاء يبرز خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بوصفه رجل دولة حمل مسؤولية وطنه بعزم لا يلين، وحزم لا يتردد، وخبرة طويلة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. ولذلك لم يكن لقب “سلمان العزم والحزم” مجرد عبارة عابرة، بل اختصارا لمسيرة رجل جمع بين قوة القرار وحكمة التجربة، وبين صرامة الدولة وسعة اليد في الخير.
لقد كان سلمان بن عبدالعزيز قريبا من تفاصيل الدولة قبل أن يتولى قيادتها، وكانت إمارته لمنطقة الرياض مدرسة مبكرة في الإدارة والحكم. ففي تلك المرحلة الطويلة، عرف كيف يتعامل مع مدينة تتسع يوما بعد يوم، وكيف يوازن بين متطلبات التنمية وحاجات الناس، وكيف يحافظ على هيبة الدولة من غير أن يغلق أبوابها أمام المواطنين. ومن هنا جاءت خبرته السياسية والإدارية متراكمة، لا وليدة لحظة، حتى أصبح الرجل الذي يعرف كيف تدار الملفات الثقيلة، وكيف تتخذ القرارات عندما تكون كلفة التردد أكبر من كلفة الحسم.
وحين تولى قيادة المملكة، كانت أمامه دولة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التحولات الكبرى، في عالم مضطرب تتسارع فيه المخاطر وتتغير فيه موازين القوى. فاختار أن يقود المملكة بعقل الدولة الواثقة بنفسها، وأن يدفع بها نحو مزيد من القوة والتنمية والحضور. ولم تكن قوته في كثرة الكلام، وإنما في القدرة على تحويل القرار إلى فعل، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى واقع. وهنا ظهر معنى العزم؛ إرادة لا تتعب أمام العقبات، ومعنى الحزم؛ قرار لا يتراجع حين يتعلق الأمر بأمن الوطن ومصالحه العليا.
وفي عهده دخلت المملكة مرحلة واسعة من التحولات الاقتصادية والتنموية والإدارية، وأصبحت الدولة أكثر حضورا في الملفات الإقليمية والدولية. ولم تعد المملكة تنظر إلى مستقبلها بوصفه امتدادا للماضي، بل باعتباره مشروعا جديدا يحتاج إلى طموح كبير، وإدارة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنوعا، ومؤسسات أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر. فالقوة الحقيقية ليست في امتلاك الموارد وحدها، وإنما في حسن إدارتها، وتحويلها إلى نفوذ اقتصادي وتنموي وسياسي يخدم الدولة ويصون استقلال قرارها.
غير أن سلمان الخير لا يختزل في صورة رجل القرار الصارم؛ فإلى جانب الحزم هناك وجه آخر لا يقل حضورا: يد ممدودة بالخير. فالمملكة العربية السعودية، في عهده كما في تاريخها، ظلت حاضرة في ميادين الإغاثة والمساعدات والعمل الإنساني، ومدت يد العون إلى المحتاجين والمتضررين في مناطق مختلفة من العالم. وهذه الثنائية هي التي تمنح شخصية سلمان بن عبدالعزيز خصوصيتها: حزم حين يكون أمن الوطن ومصالحه العليا في الميزان، ورحمة وخير حين يكون الإنسان هو المستهدف بالعون.
ولأن الدولة لا تحمى بالشعارات، فقد كان التعامل مع الفساد والخلل الإداري والمالي جزءا من معركة بناء الدولة الحديثة. فالدولة القوية هي التي لا تسمح للفساد أن يتحول إلى ثقافة، ولا تسمح لمن يستغل النفوذ أن يظن أن موقعه فوق القانون والمساءلة. ومن هذا المنطلق جاءت الإجراءات التي شهدتها المملكة في السنوات الماضية لتؤكد أن هيبة الدولة لا تعني القسوة، وإنما تعني أن يكون للقانون كلمته، وأن تكون المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية.
وفي ملفات الأمن والسياسة الخارجية، كان المشهد أكثر حساسية؛ فالمملكة تقع في قلب منطقة عرفت الحروب والأزمات والتدخلات والصراعات، ولذلك فإن حماية أمنها ليست ترفا سياسيا، بل مسؤولية تاريخية. وقد أظهرت قيادة سلمان بن عبدالعزيز أن أمن المملكة خط لا يمكن التعامل معه بمنطق الأمنيات، وأن حماية حدودها ومقدراتها واستقرارها تتطلب قرارا واضحا وقدرة على الردع. ومن هنا جاء مفهوم “الحزم” بوصفه سياسة تقوم على أن السلام الحقيقي لا يحميه الضعف، وأن الدولة التي تريد أن تحترم يجب أن تكون قادرة على حماية نفسها.
وليس معنى الحزم أن المملكة تبحث عن الخصومة، بل على العكس؛ فالدولة الواثقة لا تحتاج إلى افتعال المعارك، لكنها لا تسمح للآخرين بأن يختبروا حدود صبرها بلا نهاية. ومن يقرأ تاريخ المملكة يدرك أنها لطالما فضلت الاستقرار والحوار والتعاون، وأن أبوابها بقيت مفتوحة أمام من يريد الخير، لكنها في الوقت ذاته تملك من أدوات القوة ما يجعل الاعتداء عليها أو تهديد أمنها حسابا بالغ الكلفة.
وهنا تأتي الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى كل من يضمر العداء للمملكة، أيا كان موقعه أو شعاره أو عنوانه: لا تختبروا صبر الدولة التي تعرف متى تصبر، ومتى تتحدث، ومتى تتخذ القرار. فمن يراهن على الخلافات أو على الجماعات المسلحة أو على الشعارات العابرة للحدود، سواء أكانت ميليشيات الحشد الشعبي أو الحوثيين أو حزب الله اللبناني أو جماعة الإخوان المسلمين، فعليه أن يدرك أن المملكة العربية السعودية ليست ساحة سهلة للمغامرات، وأن أمنها وسيادتها ومقدرات شعبها ليست أوراقا قابلة للمساومة.
إن رجلا مثل سلمان بن عبدالعزيز يرجى خيره قبل أن يخشى حسمه؛ لأن الخير أصل في سياسته، والحزم أداة لحماية ذلك الخير. لكن للصبر حدودا، وللحلم نهاية حين يتحول حلم الدولة إلى فرصة يستغلها الخصوم. وعندما يصل الأمر إلى أمن الوطن، فإن العزم لا يبقى مجرد موقف في الخطاب، والحزم لا يبقى لقبا في الإعلام، وإنما يتحول إلى قرار يحمي الدولة ويعيد ترتيب حسابات من ظن أن الصبر ضعف.
إن سلمان الخير هو سلمان العزم والحزم؛ رجل خبر الدولة من داخلها، وعرف الرياض قبل أن يقود المملكة، ثم حمل مسؤولية دولة كبيرة في زمن بالغ التعقيد. وفي عهده أثبتت المملكة أن القوة لا تتناقض مع الخير، وأن الرحمة لا تعني الضعف، وأن الانفتاح لا يعني التنازل، وأن السلام لا يعني الاستسلام. وهذه هي معادلة الدولة القوية: يد تبني، ويد تعطي، وعقل يدير، وقرار يحمي.
وسيظل التاريخ وحده صاحب الكلمة الأخيرة في تقييم الرجال والدول، لكن بعض المراحل لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ يكفي أن تنظر إلى دولة تمضي بثبات في مشاريعها، وتحضر بثقل في محيطها، وتدافع عن أمنها، وتفتح يدها للخير، لتدرك أن وراء هذا الحضور قيادة تعرف أن الأوطان لا تصان بالتردد، ولا تبنى بالأمنيات، وإنما تصان بالعزم، وتحمى بالحزم، وترفع بالعمل.
سلمان الخير… حين يكون الخير سياسة، والعزم قيادة، والحزم حماية لوطن اسمه المملكة العربية السعودية.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




