السودان بين نار الميليشيا وصمت القوى الكبرى

لم يعد ما يجري في السودان مجرد فصل آخر من فصول الحرب، ولا مجرد صراع على النفوذ والسلطة يمكن اختزاله في بيانات سياسية باردة أو مواقف دبلوماسية محسوبة. ما يحدث أمام أعين العالم هو مأساة إنسانية مكتملة الأركان، تتساقط فيها القيم قبل أن تتساقط الأرواح، ويدفع المدنيون العزل ثمن حرب لم يختاروها ولم يكونوا طرفا فيها. وقد بلغت الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، من قتل واغتصاب وتهجير ونهب وترويع للمدنيين، مستوى يجعل الصمت الدولي، مهما كانت مبرراته، موقفا يصعب فهمه أو تبريره.

والأكثر إيلاما أن المأساة السودانية لم تعد مجرد أخبار تصل من خلف الحدود، بل أصبح العالم يشاهد بالصوت والصورة مشاهد لمدنيين يعتدى عليهم وينكل بهم، ومشاهد مروعة يصل بعضها إلى إحراق البشر. هناك لحظات يتوقف فيها العقل عاجزا عن استيعاب ما يرى، لأن الإنسان حين يقتل أو يهان أو يحرق لمجرد أنه مدني، فإن الأمر يتجاوز حدود الخلاف السياسي والعسكري إلى سقوط مدو في أبسط قواعد الإنسانية. لا يمكن لقضية سياسية، مهما كانت، أن تمنح قوات الدعم السريع أو غيرها أي مبرر لارتكاب مثل هذه الفظائع.

لقد أوغلت قوات الدعم السريع في الدم السوداني، وأصبح استمرار الانتهاكات بحق المدنيين خطرا لا يهدد حاضر السودان فحسب، بل يهدد مستقبله ووحدته ونسيجه الاجتماعي. فالمدن والقرى التي كان يفترض أن تكون ملاذا للناس تحولت في مناطق عديدة إلى ساحات للخوف والنزوح، وأصبح المدني السوداني يعيش بين رعب القتل ورعب فقدان المنزل والأهل والممتلكات. وما أقسى أن يتحول الوطن في عين المواطن إلى مكان يبحث فيه عن طريق للنجاة بدل أن يبحث فيه عن مستقبل لأبنائه.

والمشكلة أن قوات الدعم السريع لا تواجه السودانيين باعتبارهم مجتمعا له حقوق وكرامة، بل تتحرك بعقلية القوة والميليشيا، حيث يصبح السلاح وسيلة لفرض الإرادة، ويصبح المدني هدفا حين يرفض الخضوع. وهذه هي المعضلة الأساسية: الميليشيا قد تستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع أن تصنع دولة؛ وقد تستطيع فرض الخوف، لكنها لا تستطيع أن تنتج شرعية؛ وقد تستطيع إسكات الناس برهة، لكنها لا تستطيع إسكات حقهم في الحياة والكرامة إلى الأبد.

ومن العبث السياسي والأخلاقي أن يطرح على السودانيين أن يقبلوا بحكم قوات الدعم السريع تحت ضغط السلاح. من يريد حكم السودان عليه أن يقنع السودانيين، لا أن يرهبهم؛ ومن يريد بناء دولة عليه أن يحترم القانون والمؤسسات، لا أن يستبدلها بقوة السلاح؛ ومن يطلب الشرعية عليه أن يقبل بإرادة الشعب، لا أن يحاول انتزاعها من فوهة البندقية. فالسودان ليس غنيمة حرب، وليس أرضا بلا أهل، وليس شعبا يمكن إخضاعه بالقوة ثم مطالبته بالتصفيق لمن أخضعه.

والأشد إثارة للأسى أن المجتمع الدولي، وخاصة القوى الكبرى التي تملك من أدوات الضغط والتأثير ما يكفي لتغيير المعادلة، لا يزال أسير سياسة الشجب والاستنكار. بيانات الإدانة تتوالى، والقلق يعبر عنه، والتحذيرات تطلق، ثم تعود الأمور إلى سيرتها الأولى بينما تستمر معاناة السودانيين. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يفيد المدني الذي قتل أن يسمع العالم بعد موته بيانا يدين مقتله؟ وماذا يفيد النازح الذي فقد منزله أن يسمع أن المجتمع الدولي “يشعر بقلق عميق”؟ الكلمات مهمة، لكنها تصبح بلا قيمة حين لا تتحول إلى ضغط وفعل ومحاسبة وحماية حقيقية للمدنيين.

لقد حان الوقت لوقف قوات الدعم السريع عن جرائمها بحق المدنيين العزل، ولانتقال المجتمع الدولي من مرحلة البيانات إلى مرحلة المسؤولية. حماية المدنيين ليست تفصيلا هامشيا في الأزمة السودانية، وليست ورقة تفاوضية يمكن تأجيلها إلى نهاية الحرب، بل هي جوهر أي موقف جاد تجاه السودان. ومن ارتكب جريمة بحق المدنيين يجب أن يعلم أن الزمن لن يكون حليفا له، وأن الإفلات من العقاب ليس قدرا أبديا، وأن الجرائم مهما حاول أصحابها طمس آثارها تبقى شاهدة على أصحابها.

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تقال في قاعات المؤتمرات ثم تنسى، بل يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية تضع حدًا لاستباحة المدنيين، وتدعم قيام دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتمنع تحويل السلاح غير المنضبط إلى طريق للحكم. فالدول لا تبنى بالميليشيات، والأوطان لا تحكم بمنطق الغلبة، والشرعية لا تستخرج من صناديق الذخيرة.

وفي النهاية، ستبقى الحقيقة أبسط من كل الحسابات السياسية: لا يمكن لقوات الدعم السريع أن تصنع مستقبل السودان من خلال الخوف والدم، ولا يمكن لأي قوة مسلحة أن تمنح نفسها حق تقرير مصير شعب كامل. قد تفرض الميليشيات واقعا مؤقتا بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تصنع قبولا دائما في وجدان شعب يريد أن يعيش حرا آمنا كريما. وسيأتي اليوم الذي يدرك فيه الجميع أن السودان أكبر من الميليشيات، وأبقى من الحرب، وأحق من كل الطامحين إلى السلطة بالسلاح. وحين تطوى صفحة هذه المأساة، سيبقى السؤال الأخلاقي الأكبر ماثلا أمام العالم: كم كان يمكن إنقاذه لو أن الشجب تحول في الوقت المناسب إلى فعل؟

محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى