من قارات العالم إلى رحاب المدينة.. الحدث ميديا توثق لقاء ضيوف خادم الحرمين بإمام المسجد النبوي

في مساء هذا الجمعة، الخامس من سبتمبر، وفي رحاب المدينة المنورة، كان للقاء الذي نظمته الأمانة العامة لبرنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة، احتفاء بالمجموعة السادسة من ضيوف البرنامج لهذا العام، مذاق خاص؛ لقاء اجتمعت فيه القلوب قبل الوجوه، وتآلفت فيه الأرواح على محبة القرآن وخدمة ضيوف الرحمن، في مشهد تجاوزت فيه الجغرافيا حدودها، فلم يبق في المكان إلا جامع واحد اسمه الإسلام.
وكانت الحدث ميديا حاضرة في هذا اللقاء، ممثلة بإدارتها وفريق عملها، لتشارك ضيوف خادم الحرمين الشريفين هذه المحطة الإيمانية، ولتوثق جانبا من رحلتهم المباركة في رحاب المدينة المنورة. ولم يكن اللقاء مناسبة بروتوكولية عابرة، بقدر ما كان مجلسا عفويا، امتزجت فيه مشاعر الضيوف بمهابة المكان، ودفء اللقاء، وخصوصية المدينة التي تستقبل زائريها بشيء من السكينة التي يصعب وصفها بالكلمات. وكان أجمل ما في المشهد أن الحضور لم يكونوا من بلد واحد ولا من بيئة واحدة، بل من قارات متعددة، جمعتهم عقيدة واحدة، وقبلة واحدة، وكتاب واحد، ومحبة واحدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في صورة حية من صور عالمية الإسلام واتساع رسالته للناس جميعا.
وكان من كريم ما أكرمنا الله به في هذا المساء أن تشرفنا بلقاء فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن القرافي، إمام المسجد النبوي الشريف، الذي أضفى على المجلس حضورا خاصا بما عرف به من عناية بالقرآن الكريم وحسن التلاوة ووقار الحضور. وقد لبى الشيخ رغبة الحاضرين بأن يستهل اللقاء بآيات بينات من كتاب الله، فقرأ بصوته العذب من سورة آل عمران، بدءا من قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ”، ثم مضى في تلاوته حتى قوله سبحانه: “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ”.
ولم تكن الآيات التي اختارها الشيخ مجرد افتتاح جميل للقاء؛ بل بدت وكأنها تختصر فلسفة هذا الاجتماع كله. فبعد الأمر بتقوى الله والثبات على الإسلام، يأتي النداء القرآني العظيم: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”؛ وكأن المشهد الذي أمامنا كان ترجمة عملية لهذه الآية: أناس تباعدت بينهم البلدان والقارات، لكن القرآن قرب بينهم، والإيمان جمعهم، والقبلة وحدت اتجاههم. ثم تأتي الآية لتستحضر نعمة التأليف بين القلوب: “فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا”، وهي معان لم تكن تتلى على مسامعنا فحسب، بل كانت ماثلة أمام أعيننا في وجوه ضيوف جاؤوا من جهات الأرض المختلفة، فوجدوا في المدينة المنورة وطنا روحيا مشتركا، وفي الإسلام رابطة لا تحدها الحدود.
ثم تأتي الآيات لتضع مسؤولية واضحة على الأمة: “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”؛ وهي دعوة إلى أن يتحول الإيمان من شعور فردي إلى أثر في الحياة، وأن يكون الاجتماع على الخير وسيلة للإصلاح، وأن تبقى الأمة متماسكة حول قيمها الكبرى، لا تفرقها الاختلافات ولا تضعف وحدتها النزاعات. وفي المقابل يأتي التحذير من طريق التفرق والاختلاف بعد قيام البينات، ليكتمل بذلك المعنى: إن قوة الأمة ليست في كثرة أفرادها فحسب، وإنما في قدرتها على الاجتماع على الحق، وصيانة روابط الأخوة، وتحويل التنوع إلى ثراء، لا إلى سبب للانقسام.
وكان اللقاء، في مجمله، شيقا وعفويا ومفيدا؛ استمتعنا فيه بتلاوة الشيخ القرافي، وبكلماته وتوجيهاته، وبطلته الهادئة التي جمعت بين الوقار والبساطة، فكان قريبا من الحاضرين، متفاعلا معهم، وأضفى حضوره على المجلس قدرا من الأنس والطمأنينة. ولعل أجمل ما في مثل هذه اللقاءات أنها لا تقدم للإنسان معلومة فحسب، وإنما تمنحه إحساسا عميقا بالانتماء إلى أمة واسعة، لا يعرف أبناؤها بعضهم بعضا بالضرورة، لكنهم يلتقون في أعمق ما يمكن أن يجمع البشر: الإيمان بالله، ومحبة القرآن، وتعظيم شعائر الله.
والشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن القرافي، إلى جانب كونه إماما للمسجد النبوي، هو من أهل القرآن والتلاوة، وقد ارتبط اسمه بخدمة كتاب الله ومجالات العناية به، كما سبق له الإمامة في جامع الميقات بالمدينة المنورة، وارتبط بالجامعة الإسلامية فيها. وقد جاء تعيينه إماما للمسجد النبوي بموافقة كريمة عام 1446هـ/2024م، ليواصل في رحاب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة الإمامة والتعليم وخدمة المصلين والزائرين، وليكون حضوره في مثل هذه المناسبات امتدادا طبيعيا لعناية المملكة بالقرآن الكريم وبضيوف الرحمن.
ولأن الصورة في المدينة المنورة لا تكتمل بالكلمات وحدها، فقد كان هذا اللقاء واحدا من تلك المشاهد التي تقول الكثير دون حاجة إلى كثير من الشرح: وجوه جاءت من أنحاء العالم، ولغات وثقافات متعددة، ومشاعر متشابهة، ثم صوت القرآن يتردد في المكان، فيصمت الجميع ويصغي الجميع؛ لحظة تختصر عالمية الإسلام في مشهد واحد، وتؤكد أن هذا الدين الذي خرج من مكة والمدينة لم يكن يوما حبيس جغرافيا أو قومية، وإنما حمل رسالة إنسانية واسعة، وجمع تحت رايتها شعوبا وأمما لا يجمع بينها وطن واحد، لكنها تجتمع على رب واحد وكتاب واحد ونبي واحد وقبلة واحدة.
ومن هذه المحطة الإيمانية في المدينة المنورة، تواصل الحدث ميديا تغطيتها لهذه الرحلة المباركة، مواكبة لضيوف خادم الحرمين الشريفين، ومشاركة إياهم تفاصيل هذه الأيام التي ستبقى، بلا شك، من أجمل ما تحمله الذاكرة. ومن المقرر أن ينطلق ضيوف البرنامج يوم الاثنين المقبل إلى مكة المكرمة، حيث ستكون البداية بأداء مناسك العمرة، قبل أن تتواصل الرحلة بجولات في أبرز المواقع والمعالم في مكة المكرمة، في برنامج يجمع بين العبادة والتعريف بالمكان واستحضار صفحات مضيئة من تاريخ الإسلام.
وهكذا تمضي الرحلة من مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أم القرى، ومن مجلس تردد فيه القرآن في رحاب المدينة، إلى مناسك العمرة في رحاب البيت العتيق؛ رحلة لا تقاس بمسافة الطريق، وإنما بما تتركه في القلب من أثر. أما الحدث ميديا، فستظل حاضرة في تفاصيل هذه الرحلة، تنقل بالصورة والكلمة ما يعيشه الضيوف، وتوثق محطاتها، وترافق هذه الكوكبة القادمة من قارات العالم، في رحلة عنوانها الأجمل: الإيمان يجمعنا، والقرآن يوحدنا، والحرمين يجمعان القلوب على الخير.
مراد أحمد /المدينة المنورة




