ختامها مسك.. الحدث ميديا ترصد آخر أيام ضيوف خادم الحرمين الشريفين في المدينة المنورة

في اليوم الأخير لنا في المدينة المنورة، ضمن تغطيتنا الإعلامية المستمرة لبرنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة، كان الختام مسكا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ يوما امتزجت فيه مشاعر الوداع بجلال المكان، واكتملت فيه رحلة المدينة بلحظة من أعظم اللحظات التي يمكن أن يعيشها إنسان مسلم: لحظة الوقوف في الروضة الشريفة، والسلام على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، والسلام على صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما.

لا أستطيع أن أصف تلك اللحظة كما ينبغي، فبعض اللحظات أكبر من اللغة، وأعمق من أن تحيط بها الكلمات. طالما حلمت بها، وطالما تخيلت كيف سيكون وقعها على القلب، لكنني حين عشتها أدركت أن الخيال مهما اتسع يبقى عاجزا أمام الحقيقة. هناك، في رحاب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، شعرت أن سنوات من الشوق اختزلت في لحظات، وأن القلب حين يبلغ المكان الذي طالما تمناه لا يجد ما يقوله سوى الصمت، والدمع، والصلاة على الحبيب المصطفى. كان شعورا يشبه الوصول بعد سفر طويل، لكنه ليس وصول الجسد إلى مكان، بل وصول الروح إلى أمنية طال انتظارها؛ لحظة تشعر فيها أن المسافة بينك وبين التاريخ قد اختفت، وأنك تقف في موضع مرت به أعظم سيرة عرفتها البشرية.

ومن جمال هذا اليوم أن البرنامج لم يكتف بما تمنحه الرحلة من مشاهد إيمانية وروحية، بل حرص كذلك على أن يكون ضيوف خادم الحرمين الشريفين على قدر المسؤولية في أداء المناسك، علما وفهما وطمأنينة. وفي قاعة الفندق، كنا اليوم على موعد مع لقاء مفتوح جمعنا بالمشرف على التأطير الديني، في محاضرة علمية وإرشادية تناولت مناسك العمرة خطوة خطوة، وشرحت للضيوف ما يحتاجون إليه قبل مغادرة المدينة المنورة والتوجه إلى مكة المكرمة.

وكان اللقاء عالميا بكل ما تحمله الكلمة من دلالة؛ إذ لم تكن اللغة حاجزا أمام المعرفة، فقد تولى المشرفون الشرح والتوضيح بأكثر من لغة، من بينها العربية والفرنسية والإنجليزية، حتى تصل المعلومة إلى الجميع واضحة وميسرة، ويخرج كل معتمر وهو أكثر معرفة بما سيقوم به، وأكثر قدرة على أداء نسكه في هدوء وطمأنينة. وهنا تتجلى قيمة البرنامج في صورته الأوسع: فهو لا يجمع الضيوف في رحلة إيمانية فحسب، وإنما يحيطهم بالتوجيه والرعاية والتأطير، لتكون التجربة متكاملة في بعدها الروحي والعلمي والإنساني.

ولم تتوقف عناية اللجنة المشرفة عند التأطير والتوجيه، بل انتقلت من المعرفة إلى الاستعداد العملي للمناسك؛ حيث قامت بتوزيع المستلزمات الشخصية الخاصة بالعمرة على الضيوف، في صورة أخرى من صور التنظيم والعناية التي رافقتنا منذ بداية هذه الرحلة. وشملت هذه المستلزمات الإحرامات، والأحزمة الخاصة بحفظ المتعلقات أثناء النسك، والمظلات التي تعين على مواجهة حرارة الشمس، والحقائب، وسجاد الصلاة، وغيرها من الاحتياجات التي تجعل المعتمر أكثر استعدادا واطمئنانا لأداء عبادته. تفاصيل قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها حين تجتمع ترسم صورة متكاملة لرحلة أُريد لها أن تكون ميسرة ومريحة، وأن يجد فيها الضيف كل ما يعينه على التفرغ للعبادة والعيش الكامل لروحانية المكان والمناسبة.

وقد بدأ التأطير بشرح الإحرام، وهو نية الدخول في نسك العمرة، ويكون لمن يتوجه من المدينة المنورة إلى مكة عند ميقات ذي الحليفة، المعروف اليوم بأبيار علي؛ حيث يستعد المعتمر للإحرام، فيغتسل ويتنظف، ويلبس الرجل إزاره ورداءه، بينما تلبس المرأة لباسها الساتر المعتاد، ثم ينوي الدخول في العمرة ويقول: “لبيك اللهم عمرة”، وبذلك يبدأ المعتمر رحلة النسك، مستحضرا عظمة المقصد، ومستشعرا أنه مقبل على عبادة عظيمة بين يدي الله سبحانه وتعالى.

ثم يأتي الطواف حول الكعبة المشرفة، وهو سبعة أشواط، يبدأ كل شوط من محاذاة الحجر الأسود وينتهي عنده، وتكون الكعبة عن يسار المعتمر أثناء الطواف. ويستقبل المعتمر الحجر الأسود عند بداية الشوط، ويكبر، ويمضي في طوافه ذاكرا الله وداعيا بما شاء من خيري الدنيا والآخرة. وبعد إتمام الأشواط السبعة، يصلي ركعتين إن تيسر له ذلك، فيكون قد أتم مرحلة عظيمة من مراحل هذا النسك، وسط ذلك المشهد المهيب الذي تتلاقى فيه القلوب من كل أقطار الأرض حول بيت واحد وقبلة واحدة ورب واحد.

أما السعي بين الصفا والمروة، فهو سبعة أشواط كذلك، يبدأ الشوط الأول من الصفا وينتهي بالمروة، ثم يعود المعتمر من المروة إلى الصفا، حتى يتم سبعة أشواط، ويشرع للرجال الإسراع بين العلمين الأخضرين في موضع الهرولة. وعلى الصفا والمروة يذكر المعتمر الله ويدعوه، مستحضرا قصة هاجر عليها السلام، وما تحمله هذه الشعيرة من معاني التوكل والسعي والأخذ بالأسباب؛ وكأن السعي يذكر الإنسان بأن الدعاء لا يلغي الحركة، وأن التوكل الحقيقي لا يعني انتظار الفرج دون بذل، بل أن تسعى وقلبك معلق بالله.

ويأتي بعد ذلك الحلق أو التقصير، ليكون ختام مناسك العمرة؛ فيحلق الرجل شعر رأسه أو يقصره، والحلق أفضل، بينما تقصر المرأة من شعرها قدرا يسيرا. وهنا تنتهي أعمال العمرة، ويخرج المعتمر من إحرامه بعد أن أتم نسكه، وكأن الرحلة كلها كانت تدريبا للقلب قبل الجسد: تجرد، وطواف، وسعي، ثم تحلل وبداية جديدة.

كما تناول اللقاء محظورات الإحرام، حتى يكون المعتمر على بينة من الأمور التي ينبغي عليه اجتنابها منذ دخوله في النسك وحتى تحلله. ومن أبرزها إزالة الشعر، وتقليم الأظافر، والتطيب بعد الإحرام، وعقد النكاح، والجماع ومقدماته، وقتل صيد البر. كما أوضح التأطير ما يختص بالرجال، ومنه عدم تغطية الرأس بما يلاصقه وعدم لبس الملابس المفصلة على قدر البدن، وما يختص بالنساء، ومنه عدم لبس النقاب والقفازين أثناء الإحرام، مع مراعاة ما يجوز عند الحاجة، وبما يوافق أحكام النسك.

وفي جانب الدعاء، كانت الرسالة واضحة ومهمة: ليس هناك دعاء مخصوص لكل شوط من أشواط الطواف أو السعي، وإنما للمعتمر أن يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وأن يكثر من الذكر والاستغفار وقراءة القرآن. ومن الأذكار الثابتة عند محاذاة الحجر الأسود التكبير، ومن الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود: “رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ”، أما عند الصفا والمروة فيذكر الله ويكبر ويدعو بما شاء، مستحضرا عظمة الشعيرة، وصدق التوجه إلى الله.

وهكذا لم تكن المحاضرة مجرد درس عابر في أحكام العمرة، بل كانت تهيئة حقيقية للقلوب قبل الأجساد، وللوعي قبل الحركة. فالمعتمر الذي يعرف ماذا يفعل، ولماذا يفعل، يدخل إلى المناسك بقلب أكثر حضورا، ونفس أكثر سكينة، ويكون أقدر على أن يحول كل خطوة من خطوات الرحلة إلى معنى إيماني يبقى معه بعد انتهاء الرحلة.

اليوم نطوي صفحة المدينة المنورة، هذه المدينة التي لا تشبه سواها، والتي مهما حاول المرء أن يصفها تبقى في القلب أكبر من الوصف. نغادرها غدا، لكننا لا نغادرها حقا؛ فبعض الأمكنة لا تتركها حين ترحل عنها، بل تحملها معك في الذاكرة والدعاء والحنين. سنغادر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قلوبنا سلام من عند روضته، وذكريات من رحاب مسجده، وشعور بأننا كنا ضيوفا على مكان لا تكفي الكلمات لشكره ولا تستطيع الأيام محو أثره.

وفي صباح الغد، بإذن الله، تبدأ مرحلة جديدة من هذه الرحلة المباركة؛ سنغادر المدينة المنورة متوجهين إلى مكة المكرمة، مرورا بميقات ذي الحليفة “أبيار علي”، حيث سيدخل المعتمرون في نسكهم، ثم نمضي نحو البيت العتيق لأداء مناسك العمرة، في رحلة تتغير فيها الجغرافيا، لكن يبقى المقصد واحدا: وجه الله سبحانه وتعالى، والرجاء في القبول والمغفرة والرحمة.

ومع اقترابنا من مكة، تتسع مشاعر الشوق، ويصبح لكل خطوة معنى مختلف؛ فبعد المدينة التي احتضنت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، نتجه إلى مكة التي تحتضن البيت الحرام، ذلك البيت الذي تهوي إليه أفئدة المؤمنين من كل مكان. إنها رحلة لا تقاس بعدد الكيلومترات التي نقطعها، وإنما بما تتركه في الإنسان من أثر؛ رحلة قد تبدأ من مطار أو فندق أو حافلة، لكنها في حقيقتها رحلة من القلب إلى القلب، ومن الشوق إلى اللقاء، ومن الدعاء إلى الرجاء.

ومن المدينة المنورة، وفي هذا اليوم الأخير الذي سيبقى محفورا في الذاكرة، نختتم فصلا ونفتح فصلا جديدا. سلام على مدينة رسول الله، سلام على مسجدها وروضتها، وسلام على كل لحظة عشناها فيها. وغدا، بإذن الله، نواصل المسير نحو مكة المكرمة، نحمل معنا ما تعلمناه، وما عشناه، وما علق بالروح من نور هذه الأيام المباركة.

وتبقى تغطية الحدث مستمرة، بحول الله وقوته، لننقل لكم تفاصيل هذه الرحلة المباركة، لحظة بلحظة، من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، ومن أجواء الزيارة إلى رحاب العمرة، في متابعة إعلامية تليق ببرنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة.

مراد أحمد /المدينة المنورة

مراد أحمد 🇲🇷🇲🇷🇲🇷

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى