مزقوا المصحف.. ولم يعلموا أنهم يفتحون أبوابا إلى الإسلام

ما أشد قسوة المشهد حين تمتد يد إلى كتاب الله، فتعبث بالمصحف الشريف وتمزقه أمام الناس، في مشهد يستفز مشاعر ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويكشف في الوقت نفسه عن مستوى مؤلم من العداء والجهل والاستخفاف بمقدسات الآخرين.

وقد أثار ظهور الناشط الأمريكي اليميني المتطرف جيك لانغ وهو يمزق المصحف ويوجه عبارات عدائية للمسلمين موجة واسعة من الغضب والاستنكار. ومهما اختلفت المواقف السياسية أو الفكرية، فإن احترام مقدسات الشعوب وأديانها يظل من أبسط قواعد التعايش الإنساني، والإساءة إلى عقيدة أكثر من مليار مسلم ليست شجاعة ولا بطولة؛ بل هي في حقيقتها استفزاز رخيص لا يحتاج صاحبه إلى شجاعة بقدر ما يحتاج إلى جمهور.

نحن نكره هذا الفعل، ونستنكره، ونرفض إهانة القرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الإيمان لا يعلمنا أن نقف عند ظاهر المشهد فقط؛ بل يعلمنا أن ننظر أبعد منه، وأن ندرك أن الإنسان قد يريد أمرا، ويجري الله من وراء فعله أمرا آخر.

فكم من إنسان لم يكن يعرف عن الإسلام إلا اسمه، ثم دفعه مشهد مسيء إلى أن يسأل: لماذا يكره هؤلاء الإسلام إلى هذا الحد؟ وما هذا الكتاب الذي يمزقونه؟ ومن هو محمد الذي يهاجمونه؟ وماذا يقول القرآن فعلا؟

وهنا تبدأ الحكاية.

يبحث الفضولي عن الإسلام، فيقرأ القرآن بدلا من أن يكتفي بما قيل له عنه. ويقرأ سيرة محمد صلى الله عليه وسلم بدلا من الصورة التي حاول خصومه رسمها له. ويتعرف على المسلمين، فيكتشف أن الصورة التي صنعتها حملات الكراهية ليست هي الإسلام، وأن الكتاب الذي مزقوه في لحظة غضب لا تزال كلماته تدخل قلوب أناس لم يكن لهم بالإسلام عهد.

وهذه واحدة من المفارقات العجيبة في التاريخ: قد يتحول الفعل الذي أُريد به الصد عن سبيل الله إلى سبب من أسباب البحث عن سبيل الله.

وليس معنى ذلك أن الإساءة خير في ذاتها، أو أن المسلم يطلبها أو يهون من شأنها؛ كلا. إنما المعنى أن الله قادر على أن يستخرج من الحدث المؤلم نتائج لم يخطط لها أصحابه، وأن يجعل من محاولة الإطفاء سببا في انتشار النور.

وقد قال الله تعالى: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”.

والعبرة ليست ببداية القصة وحدها، وإنما بخاتمتها.

ولعل من أشهر الأمثلة المعاصرة على هذه المفارقة قصة الهولندي أرنود فان دورن، الذي ارتبط بفيلم فتنة المسيء للإسلام، ثم قاده بحثه ومراجعته إلى اعتناق الإسلام عام 2013، وأعلن شهادته، ثم أدى العمرة والحج. لقد انقلبت تجربته من المشاركة في عمل أراد الإساءة إلى الإسلام إلى رحلة بحث انتهت بأن أصبح هو نفسه مسلما.

وهكذا قد يحدث ما لا يخطر على بال أصحاب حملات الكراهية: يرفعون راية العداء للإسلام، فينتبه إليها من لم يكن منتبها، ويبحث عن الدين من لم يكن يبحث عنه، ويقرأ القرآن من لم يكن قد فتحه قط.

ومن هنا نفهم معنى قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ”.

ولذلك فإن المسلم لا ينبغي أن يسمح لمشهد كهذا أن يدفعه إلى اليأس أو الانفعال الأعمى، بل إلى الثبات، وحسن البيان، والدعوة بالحكمة، وإظهار حقيقة الإسلام لمن يبحث عنها.

إن أفضل رد على من يمزق القرآن ليس أن نمزق شيئا، ولا أن نرد الإساءة بإساءة، وإنما أن نجعل القرآن حاضرا في أخلاقنا، وفي كلامنا، وفي تعاملنا، وأن نعرف العالم بهذا الكتاب الذي أراد صاحبه أن يهينه، فإذا بالناس يقبلون عليه ليعرفوا ماذا يقول.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، فقال: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل…”.

فليمزقوا ما شاءوا من الأوراق، وليصرخوا بما شاءوا من الشعارات، وليحاولوا تشويه الصورة كما يريدون؛ أما الحقيقة فلا تمزقها يد، والقرآن لا يسقط من قلوب الناس لأن أحدا مزق مصحفا أمام كاميرا.

قد يمزق رجل مصحفا بيديه، لكنه لا يستطيع أن يمزق آية استقرت في قلب إنسان.

وقد يحاول أن يغلق بابا، فإذا به يفتح أبوابا لم يكن يعلم بوجودها.

ولذلك نقول له ولأمثاله: إن كنتم تظنون أن تمزيق المصحف سيمنع الناس من الإسلام، فقد لا تعرفون كيف تعمل الكلمات حين تصل إلى القلوب. وربما كان هذا المشهد الذي أردتم به إهانة القرآن سببا في أن يقرأه أمريكي لم يقرأه من قبل، أو أن تبحث امرأة غربية عن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أن يفتح شاب أوروبي المصحف لأول مرة بحثا عن إجابة عن سؤال أثاره أمامه مشهد الكراهية.

وهنا تكون المفارقة الكبرى: أرادوا أن يطفئوا النور، فلفتوا الأنظار إليه.

والقافلة تسير…

والقرآن يتلى…

والإسلام ينتشر…

والله متم نوره ولو كره الكافرون.

محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى