الحدث ميديا في قلب الرحلة.. من الإحرام إلى الوقوف أمام الكعبة المشرفة
كان صباح اليوم مختلفا عن كل صباح؛ صباحا لا تقاس ساعاته بالوقت، ولا تختصر تفاصيله في كلمات عابرة، لأنه كان موعدا مع واحدة من أعمق محطات هذه الرحلة الإيمانية ضمن برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة. كان موعدنا اليوم مع مكة المكرمة، ومع البيت العتيق، ومع حلم ظل يسكن القلب طويلا، حتى جاءت اللحظة التي لم يعد فيها ذلك الحلم مجرد أمنية مؤجلة، بل صار طريقا نمشيه بأقدامنا، ونعيش تفاصيله لحظة بلحظة، ونحمد الله أن بلغنا إياه بعد شوق وانتظار.
من أمام الفندق، كانت الحافلات الفخمة والمجهزة بكل سبل الراحة تنتظرنا، فصعدنا إليها وقلوبنا مملوءة بالشوق والامتنان، فيما كان يواكب حافلاتنا موكب أمني يعمل على تسهيل الطريق أمامنا، لتسير الرحلة في هدوء وانسيابية، وسط تنظيم دقيق ومتابعة مستمرة. وبينما كانت المدينة تبتعد خلفنا، كانت مكة تقترب شيئا فشيئا، وكأن الطريق نفسه كان يحملنا نحو موعد طال انتظاره، موعد لا يشبه سائر المواعيد، لأن الوصول إليه ليس وصولا إلى مكان فحسب، وإنما وصول إلى معنى ظل حاضرا في الوجدان منذ الطفولة.
وصلنا إلى ميقات ذي الحليفة “أبيار علي”، وهناك تبدلت مشاعر الرحلة، إذ توقفنا لنحرم ونستحضر النية، ونتهيأ للدخول في مناسك العمرة. في تلك اللحظة شعرنا أننا نغادر شيئا من أثقال الدنيا خلفنا، ونمضي إلى رحلة عنوانها التلبية والدعاء والرجاء. ثم انطلقنا من الميقات باتجاه مكة المكرمة، وكانت كلمات التلبية تتردد في الحافلات، فيما كان كل واحد منا يعيش مع نفسه لحظة خاصة، يستعيد فيها دعوات قديمة، وأمنيات طال انتظارها، وأحلاما كان يظن أنها بعيدة، قبل أن يكتشف أن الله إذا أراد للشيء أن يكون، هيأ له الطريق من حيث لا يحتسب.
وحين وصلنا إلى الفندق المخصص لنا في مكة المكرمة، أخذنا قسطا يسيرا من الراحة، ثم توجهنا إلى المسجد الحرام لأداء الصلاة. وهناك، عند أول اقتراب من المكان الذي تتجه إليه قلوب المسلمين في كل أنحاء العالم، كانت المشاعر تتجاوز القدرة على الوصف. وحين وقع بصري على البيت العتيق للمرة الأولى، لم أجد الكلمات التي يمكن أن تفي تلك اللحظة حقها؛ كأن اللغة كلها توقفت فجأة، وبقي القلب وحده يتحدث. كيف يمكن أن تصف شعور إنسان يقف أمام الكعبة بعد أن ظل يراها طويلا في الصور والخيال والدعاء؟ كل ما أستطيع قوله إنني شعرت في تلك اللحظة بأن حلما عشته طويلا قد تحقق، وأن أمنية ظللت أحملها في القلب أصبحت أمام عيني حقيقة لا تحتاج إلى برهان.
كانت لحظة العمر بكل ما تعنيه الكلمة؛ لحظة امتزجت فيها الدهشة بالسكينة، والفرح بالخشوع، والدمعة بالابتسامة، ولم يكن أمامي سوى أن أحمد الله على نعمة الوصول. شعرت أنني لا أنظر إلى الكعبة بعيني وحدهما، بل أنظر إليها بكل ما في القلب من شوق وامتنان، وأن المكان الذي طالما تمنيت أن أقف فيه قد احتضن أخيرا دعواتي القديمة. في تلك اللحظات لا يعود الإنسان بحاجة إلى كثير من الكلام؛ تكفيه نظرة، ودمعة، ودعاء صادق يخرج من أعماق الروح. ولعل أجمل ما في بعض اللحظات أنها أكبر من أن توصف، وأعمق من أن تختصرها العبارات.
بعد الصلاة عدنا إلى الفندق لنستعد للعودة إلى الحرم وأداء مناسك العمرة، ثم عدنا من جديد، ولكن هذه المرة كانت خطواتنا تحمل معنى آخر؛ فقد حان موعد الطواف حول الكعبة المشرفة. بدأنا الأشواط السبعة، وكل شوط منها كان رحلة داخل الرحلة، تتعانق فيها الدعوات مع الذكريات، ويشعر الإنسان وهو يطوف حول البيت أنه يضع بين يدي الله كل ما يحمله في قلبه من رجاء وأمل وحاجة. كانت مشاهد الحرم من حولنا آسرة؛ جموع من المسلمين جاءت من بلدان مختلفة، وألسنة تتحدث بلغات شتى، لكن القلوب في ذلك المكان كانت تجتمع على معنى واحد، وتردد التلبية والدعاء في مشهد يجعل الإنسان يستشعر عظمة هذا الدين ووحدة أهله.
وبعد إتمام الطواف، انتقلنا إلى السعي بين الصفا والمروة، نستحضر قصة هاجر عليها السلام، وما تختزنه من معاني الصبر واليقين والتوكل على الله. مضت الأشواط السبعة، وكان لكل خطوة وقعها الخاص في النفس، حتى اكتمل السعي واقتربت لحظة تمام النسك. ثم جاءت لحظة التحلل، لتكتمل العمرة، وينتهي أداء المناسك، لكن الشعور الذي تركته تلك الساعات في القلب لم ينته، لأن بعض الرحلات تنتهي بانتهاء الطريق، بينما تبقى رحلات أخرى مفتوحة في الذاكرة مهما مضى عليها الزمن، وهذه واحدة منها بلا شك؛ رحلة سيظل الإنسان يستعيد تفاصيلها كلما اشتاق إلى تلك اللحظة التي وقف فيها أمام البيت العتيق.
وإذا كانت هذه الرحلة قد منحتنا شرف أداء العمرة والوقوف في أطهر البقاع، فإنها منحتنا كذلك فرصة لمس مستوى عال من التنظيم والرعاية التي يحظى بها ضيوف خادم الحرمين الشريفين. فمنذ لحظة وصولنا إلى الفندق، مرورا بالإقامة والنقل المريح، والأكل والشرب، والتوجيه والإرشاد، والرعاية الصحية، وتوفير مختلف المستلزمات الضرورية، ظل كل شيء يسير ضمن منظومة متكاملة هدفها أن يجد الضيف كل ما يحتاج إليه، وأن يتفرغ للعبادة والزيارة بعيدا عن عناء التفاصيل والترتيبات.
واللافت أن هذه الرعاية لم تكن مجرد خدمات منظمة، وإنما كانت حاضرة في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، من خلال المتابعة المستمرة، وحسن التعامل، والاستعداد الدائم لتقديم المساعدة والتوجيه. وقد كان لي أن ألتقي بعدد من ضيوف البرنامج، من الموريتانيين ومن جنسيات أخرى، وكانت كلماتهم تحمل إشادة واضحة بمستوى الخدمات والرعاية التي تلقوها، وبالاهتمام الذي لمسوه منذ وصولهم. وهي شهادة أعتقد أنها تكتسب قيمتها من كونها صادرة عن ضيوف يعيشون التجربة بأنفسهم، ويرون تفاصيلها ميدانيا، بعيدا عن أي وصف أو انطباع منقول.
كما أسجل تقديري للقائمين على البرنامج، الذين كانوا على قدر المسؤولية، بحضورهم الدائم، وحرصهم على متابعة الضيوف، وتسهيل شؤونهم، والتعامل معهم بروح طيبة تعكس إدراكا عميقا لطبيعة المهمة التي يقومون بها. فخدمة ضيوف الرحمن ليست مجرد تنظيم رحلة أو توفير إقامة ونقل، وإنما مسؤولية كبيرة تتطلب يقظة دائمة، وحسن تدبير، ورفقا بالناس، وحرصا على أن تظل كل تفاصيل الرحلة في مستوى المكانة التي يمثلها ضيوف خادم الحرمين الشريفين، وهو ما لمسناه بوضوح خلال هذه الرحلة.
أما حكايتنا الإعلامية مع هذه الرحلة، فهي مستمرة، ولن تتوقف عند تفاصيل اليوم؛ سنواصل نقل ما نعيشه ونراه ونلمسه من مشاهد وانطباعات، حتى نضع القارئ والمشاهد في قلب التجربة قدر المستطاع، بالكلمة والصورة والمشهد. ووفق برنامج الرحلة، ستكون لنا ابتداء من غد جولة في عدد من أهم المواقع والمعالم في مكة المكرمة، لنواصل التعرف على هذه الأرض المقدسة، ونقترب أكثر من تاريخها ومكانتها، وننقل لكم جانبا من تفاصيل تلك الزيارة وما تحمله من معان وذكريات.
لكن مهما تعددت مشاهد الرحلة، ومهما حملت الأيام المقبلة من زيارات وتجارب، ستظل هناك صورة واحدة تحتفظ لنفسها بمكان خاص في الذاكرة؛ صورة البيت العتيق حين وقع عليه البصر للمرة الأولى. ففي تلك اللحظة تحديدا، لم أشعر أنني وصلت إلى مكة فحسب، وإنما شعرت أن دعاء قديما وصل أخيرا إلى موعده، وأن حلما ظل طويلا في القلب قد صار حقيقة أمام العين. وربما لهذا يصعب الحديث عن تلك اللحظة مهما حاولنا، لأنها ببساطة أكبر من الكلمات؛ لحظة لا تروى كاملة، وإنما تعاش مرة، ثم تبقى في القلب عمرا كاملا.
مراد أحمد /مكة المكرمة




