الحوثي وغلطة العمر.. حين أخطأ في قراءة صبر السعودية

لم يعد الخطر الذي تمثله ميليشيات الحوثي شأنا يمنيا محضا، ولا قضية يمكن حصر تداعياتها في حدود الصراع الداخلي على السلطة والنفوذ. فقد تجاوزت الجماعة منذ سنوات حدود اليمن، وتحولت ممارساتها إلى تهديد مباشر لأمن المنطقة واستقرارها، وإلى مصدر قلق يتجاوز الجغرافيا العربية ليطال حركة التجارة العالمية وأمن الممرات البحرية الدولية. وحين تصبح جماعة مسلحة قادرة على تهديد الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، فإن القضية لا تعود مجرد مواجهة بين أطراف محلية، وإنما تصبح خطرا على الاقتصاد العالمي وعلى استقرار منظومة التجارة الدولية برمتها.
ولعل باب المندب هو أوضح شاهد على حجم هذا الخطر. فهذا الممر البحري ليس مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، بل شريان حيوي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتمر عبره حركة تجارية دولية ضخمة، وأي تهديد مستمر لأمنه يرفع كلفة النقل والتأمين، ويجبر السفن على تغيير مساراتها، ويؤثر في سلاسل الإمداد والأسواق العالمية. ولذلك فإن استهداف السفن والملاحة في هذه المنطقة لا يمكن النظر إليه باعتباره عملية عسكرية عابرة أو رسالة سياسية محدودة؛ إنه اعتداء على مصلحة دولية واسعة، وابتزاز للمجتمع الدولي، ومحاولة لفرض واقع جديد بالقوة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
والأخطر من ذلك أن الحوثي لم يكتف بتهديد الملاحة الدولية، بل واصل تحويل الأراضي اليمنية إلى منصة لإطلاق الهجمات باتجاه دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. واليوم، ومع الهجمات التي استهدفت مدن أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأدت، وفق ما أورده التحالف، إلى إصابة 73 مدنيا بينهم نساء وأطفال، فإن الجماعة تكون قد تجاوزت مرة أخرى خطا بالغ الخطورة. فاستهداف الأعيان المدنية والاقتصادية داخل دولة ذات سيادة ليس بطولة عسكرية، ولا إنجازا استراتيجيا، وإنما تصعيد خطير يكشف مقدار الاستهتار بأمن المدنيين وبعواقب القرارات التي تتخذها قيادة جماعة مسلحة.
وفي تقديري، فإن الحوثي ارتكب في هذه المرحلة ما يمكن وصفه بـ”غلطة العمر”. فقد أخطأ في قراءة صبر المملكة العربية السعودية، وأساء تفسير سنوات طويلة من ضبط النفس والحسابات الدقيقة، وكأن الصبر ضعف، وكأن تجنب التصعيد رغبة في العجز عن التصعيد. وهذه واحدة من أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الجماعات المسلحة حين تخلط بين الحلم السياسي وبين الضعف، وبين ضبط النفس وبين عدم القدرة على الرد. المملكة التي اختارت لسنوات التعامل مع الملف اليمني بمنطق الدولة ومسؤولية الجوار، ليست دولة تبحث عن الحرب، لكنها في الوقت نفسه ليست دولة يمكن أن تقبل إلى ما لا نهاية بأن يتحول أمنها ومدنها ومواطنيها إلى أهداف لصواريخ وطائرات مسيرة تطلقها جماعة مسلحة.
والحوثي، فيما يبدو، لم يدرك أن المملكة العربية السعودية اليوم تقاد بعقلية مختلفة، وبقيادة شابة تنظر إلى الأمن الوطني بمنظور أكثر حزما ووضوحا، وتدرك أن ترك مصدر التهديد قائما على الحدود يعني أن التهديد سيعود مهما طال الزمن. وعندما تصل دولة إلى قناعة بأن مصدر الخطر لا يستجيب للرسائل السياسية ولا لفرص التسوية، فإن قواعد اللعبة تتغير، وتصبح الأولوية لتحييد مصدر الخطر ومنع تكراره، لا الاكتفاء بإدارة آثاره بعد وقوعها. ولهذا فإن ما أقدم عليه الحوثي قد لا يكون مجرد تصعيد جديد، بل ربما يكون الخطوة التي دفعت المملكة إلى إعادة تقييم كامل لطريقة التعامل مع هذا الملف.
ومن هنا تبدو الأخبار المتداولة اليوم من اليمن بشأن احتمال اتخاذ قرار حاسم لإنهاء نفوذ الحوثيين وتحرير صنعاء جديرة بالتوقف عندها، وإن كان من السابق لأوانه التعامل معها باعتبارها واقعا مكتملا. لكن المؤكد أن التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تماما في الحرب اليمنية. وإذا كانت الجماعة قد راهنت على أن السنوات الطويلة من الحرب ستجعل خصومها أكثر تعبا وأقل قدرة على المبادرة، فقد تكون أخطأت الحساب؛ فالدول لا تقيس قوتها فقط بعدد المعارك التي تخوضها، وإنما بقدرتها على اختيار اللحظة التي ترى فيها أن استمرار التهديد أصبح أكثر كلفة من حسمه.
لقد منح الحوثي نفسه، بتصعيده المتكرر، مبررات إضافية لكل من يرى أن ترك هذه الجماعة تمتلك القدرة على تهديد المدن والمنشآت والممرات البحرية سيظل خطرا مفتوحا على المنطقة والعالم. فالجماعة التي تهدد الملاحة الدولية في باب المندب، وتستهدف دولة جارة، وتضع المدنيين في دائرة الخطر، لا يمكن أن تقدم نفسها باعتبارها طرفا سياسيا طبيعيا يسعى إلى السلام، ثم تستخدم السلاح في كل مرة لتغيير موازين التفاوض. السلام الحقيقي لا يبنى تحت تهديد الصواريخ، ولا يمكن أن يستقيم في ظل جماعة تريد أن تحتفظ بالسلاح كوسيلة دائمة لفرض شروطها على الداخل والخارج.
ومن المؤكد أن أي مواجهة مقبلة لن تكون شبيهة بما سبقها، إذا قررت المملكة وحلفاؤها الانتقال من سياسة احتواء التهديد إلى سياسة اقتلاع مصادره. فالقيادة السعودية تعرف أن المعركة لا تدار بالانفعال، وإنما بحسابات دقيقة، وأن الرد المؤثر ليس بالضرورة الأكثر صخبا، بل الأكثر قدرة على تغيير ميزان القوة وفرض واقع جديد. وإذا كان الحوثي قد ظن أن نقل المعركة إلى الأراضي السعودية سيمنحه ورقة قوة، فقد يكتشف أن أخطر ما فعله هو أنه منح خصمه الدافع والمبرر للبحث عن نقل المعركة إلى حيث توجد مصادر الخطر نفسها.
إن اليمن يستحق السلام، والشعب اليمني يستحق أن يعيش بعيدا عن الحرب والفقر والنزوح والدمار، لكن السلام لا يعني مكافأة من يستخدم السلاح لفرض إرادته، ولا يعني ترك المنطقة رهينة لجماعة مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم. والحل الحقيقي يبدأ باستعادة الدولة اليمنية لقرارها وسيادتها، وإنهاء منطق الميليشيا والسلاح المنفلت، وإغلاق الطريق أمام تحويل اليمن إلى منصة لتهديد الجيران والملاحة الدولية. وما لم يحدث ذلك، فإن المنطقة ستظل تدور في الحلقة نفسها، وسيبقى باب المندب وغيره من الممرات الحيوية معرضا للخطر، وستظل الأسواق العالمية تدفع ثمن صراع يفترض أن يجد طريقه إلى نهاية.
وفي هذه اللحظة، لا يمكن لموريتانيا، دولة وشعبا، أن تنظر إلى ما يجري في المملكة العربية السعودية بعيون المتفرج. فالمملكة ليست دولة بعيدة عن وجدان الموريتانيين، وأمنها واستقرارها جزء من أمن واستقرار المنطقة العربية والإسلامية. ونحن في موريتانيا نقف إلى جانب المملكة العربية السعودية في السراء والضراء، ونؤكد أن أمنها وسيادتها خط أحمر، وأن استهداف مدنها ومواطنيها لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة. وفي مواجهة جماعة اختارت أن تجعل من الصواريخ والمسيرات والممرات البحرية أدوات لفرض إرادتها، فإن الوقوف مع الدولة، ومع أمنها وسيادتها، ومع حقها المشروع في حماية مواطنيها وأراضيها، ليس موقفا عابرا، وإنما موقف مبدئي لا يتغير بتغير الظروف.
وقد يكون الحوثي قد ظن أنه بتصعيده الأخير يبعث برسالة قوة، لكنه ربما بعث، من حيث لا يريد، برسالة مختلفة تماما: رسالة تقول إن مرحلة الصبر المفتوح قد انتهت، وإن استمرار التهديد لم يعد مقبولا، وإن من يفتح أبواب التصعيد لا يستطيع أن يحدد وحده أين تنتهي الحرب وكيف تنتهي. والأيام المقبلة وحدها ستكشف إن كان الحوثي قد أدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه، أم أنه سيواصل السير في الطريق نفسه حتى يصل إلى اللحظة التي لا يعود فيها التراجع ممكنًا. وفي كل الأحوال، فإن التاريخ يعلمنا أن أخطر الأخطاء ليست تلك التي تقع في لحظة ضعف، بل تلك التي يرتكبها صاحب القوة المحدودة حين يسيء تقدير صبر خصمه، فيدفعه بنفسه إلى استخدام كامل قوته.
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا




