في مواجهة الاعتداءات على الأطفال.. الدكتور التقي شيخنا يطالب بإجراءات أكثر صرامة

في مواجهة تنامي مظاهر العنف الجنسي ضد الأطفال، لم يعد يكفي أن ننتظر وقوع الجريمة حتى نستنكرها، ثم نعود إلى الصمت إلى أن تقع مأساة أخرى. القضية أكبر من حادثة عابرة، وأخطر من أن تترك لموجة غضب مؤقتة؛ إنها قضية أمن مجتمعي ومسؤولية جماعية، تستوجب التفكير الجاد في سبل الوقاية والردع وحماية أطفالنا من أن تتحول شوارعهم ومدارسهم ومحاظرهم إلى فضاءات للخوف.

ومن هذا المنطلق، يأتي مقال الدكتور التقي شيخنا ليطرح مقاربة جديرة بالتوقف والقراءة، إذ لا يكتفي بتشخيص الظاهرة أو التعبير عن الألم تجاه ضحاياها، وإنما يدعو إلى الانتقال من الاستنكار إلى الوقاية، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ويفتح نقاشا مهما حول وسائل الرقابة والمتابعة القانونية للمعتدين الخطرين، بما في ذلك المراقبة الإلكترونية.

إنه طرح يستحق أن يقرأ بهدوء، وأن يناقش بعيدا عن الانفعال، وأن تستفيد منه الأسرة والمجتمع والجهات المعنية، لأن حماية الطفل ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية مجتمع بأكمله.

وفيما يلي نص مقال الدكتور التقي شيخنا، كما كتبه، لما يتضمنه من أفكار ومقترحات تستحق القراءة والتأمل والنقاش:

عندما يصبح الشارع غير آمن: حماية أطفالنا في مواجهة تنامي العنف الجنسي

«نعم لإقرار السوار الإلكتروني في أيدي أو أقدام المعتدين الجنسيين الخطرين!»

إن المأساة الأخيرة التي تعرضت لها طفلة في السابعة من عمرها، خرجت من منزلها متوجهة إلى المحظرة، ثم تعرضت لاعتداء جنسي بالغ الخطورة كاد أن يودي بحياتها، ليست مجرد حادثة معزولة، بل جرس إنذار يستوجب وقفة مجتمعية جادة، ويطرح سؤالاً جوهرياً: أي مجتمع نريد أن ينشأ فيه أطفالنا؟

ظاهرة تستدعي القلق

تكشف بيانات اليونيسف عن خطورة ظاهرة العنف الجنسي ضد الأطفال عالمياً؛ فقد تعرض أكثر من 370 مليون فتاة وامرأة للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي قبل سن الثامنة عشرة، من بينهن أكثر من 79 مليوناً في إفريقيا جنوب الصحراء. وفي موريتانيا، تم تسجيل 174 طفلاً ناجياً من الاغتصاب خلال النصف الأول من 2022، بينما استفاد 269 طفلاً ضحية للعنف الجنسي من خدمات الحماية سنة 2023. وهي أرقام لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة، بالنظر إلى ضعف التبليغ بسبب الخوف والوصمة والضغوط الاجتماعية.

من مجتمع الخيمة إلى المدينة الحديثة

تشهد موريتانيا تحولات اجتماعية وعمرانية عميقة. فقد كان نموذج «الخيمة» التقليدي يقوم على الترابط الأسري والمجتمعي، ويوفر للأطفال قدراً كبيراً من الحماية والمراقبة الجماعية.

أما نواكشوط، فقد تحولت إلى مدينة كبرى تجمع سكاناً من بيئات اجتماعية وثقافية وتعليمية واقتصادية متعددة، وهو ما أدى إلى اتساع دائرة المجهولية وتراجع بعض آليات الرقابة المجتمعية التقليدية.

ولا ينبغي أن نفهم هذا التحول باعتباره صراعاً بين التقليد والحداثة، أو تحميل فئة معينة مسؤولية الظاهرة؛ وإنما المطلوب هو تكييف منظومة الحماية والأمن مع واقع المدينة الحديثة.

جريمة تدمر الطفل والأسرة والمجتمع

العنف الجنسي ضد الأطفال لا يقتصر على الأذى الجسدي، بل قد يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة وطويلة الأمد على الضحية والأسرة. كما يؤدي انتشار هذه الجرائم إلى زعزعة الثقة والشعور بالأمان، خصوصاً عندما يصبح الآباء يخشون السماح لأطفالهم باللعب أو التنقل داخل أحيائهم.

كما أن هذه الجرائم تأتي ضمن تحولات أوسع في أنماط الجريمة الحضرية، من سرقة واعتداء وعنف في الشارع وجنوح للأحداث.

لكن من المهم التأكيد أن الفقر والتحضر والتنوع الثقافي ليست أسباباً مباشرة للاغتصاب؛ فالعوامل متعددة، من بينها ضعف التربية، والعنف الأسري، وبعض الاضطرابات السلوكية، والشعور بالإفلات من العقاب، وضعف الوقاية والتبليغ، فضلاً عن المسؤولية الفردية الكاملة للجاني.

من الاستنكار إلى الوقاية

لم يعد الاستنكار وحده كافياً، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى سياسة وطنية متكاملة لحماية الطفل تقوم على:

تعزيز التربية الوقائية للأطفال وتعليمهم كيفية التعرف على المخاطر والتبليغ عنها.

إعادة بناء اليقظة المجتمعية من خلال الأسرة والمدرسة والمحظرة والمسجد والمجتمع المدني والأجهزة الأمنية.

تسريع الإجراءات القضائية وتشديد الردع، مع احترام القانون وضمانات العدالة.

إنشاء أو تعزيز سجل وطني لمرتكبي الجرائم الجنسية وفق ضوابط قانونية تضمن حماية المعطيات الشخصية.

توفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا وأسرهم.

وقد اعتمدت دول، من بينها جنوب إفريقيا، سجلات وطنية لمرتكبي الجرائم الجنسية، بينما تستخدم فرنسا أنظمة للمراقبة الإلكترونية، بما فيها السوار الإلكتروني المضاد للاقتراب.

نعم للمراقبة الإلكترونية للمعتدين الخطرين

في هذا السياق، يستحق موضوع المراقبة الإلكترونية للمعتدين الجنسيين ذوي الخطورة المرتفعة نقاشاً وطنياً جاداً، في إطار قانوني واضح وتحت رقابة القضاء.

فالسوار الإلكتروني ليس حلاً سحرياً، وإنما أداة وقائية إضافية يمكن أن تندرج ضمن منظومة تشمل العقوبة، والمتابعة النفسية، ومنع الاتصال أو الاقتراب من الضحايا، والرقابة القضائية.

ومن المفيد أن تدرس موريتانيا إمكانية اعتماد منظومة وطنية للمراقبة الإلكترونية للأشخاص الذين يشكلون خطراً مرتفعاً على المجتمع، مع تحقيق التوازن بين حماية الأطفال واحترام الحقوق والحريات الأساسية.

لا تجعلوا أطفالنا أسرى داخل بيوتهم

لا يمكن أن يكون الحل في حبس الأطفال داخل المنازل خوفاً من المجرمين.

بل يجب أن يكون هدفنا حصول الطفل على الحرية في الشارع .

فالطفل يجب أن يستطيع الذهاب إلى المدرسة أو المحظرة، واللعب، وزيارة أقاربه والتنقل في حيه، دون أن يعيش والداه في خوف دائم.

لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الاستباق والوقاية؛ فحماية الطفل بعد وقوع الجريمة واجب، لكن منع وقوع الجريمة في المقام الأول هو المسؤولية الأسمى.

وفي مواجهة المعتدين الجنسيين المتكررين أو ذوي الخطورة العالية، ينبغي أن نمتلك الشجاعة لفتح النقاش واتخاذ التدابير القانونية المناسبة:

«نعم لإقرار السوار الإلكتروني في أيدي أو أقدام المعتدين الجنسيين الخطرين!»

حتى يستعيد أطفالنا حقهم الطبيعي في اللعب في الشارع و الذهاب بكل امان الى المدرسة و المحظرة ، دون أن يعيش آباؤهم الخوف من تركهم هناك.

بقلم: الدكتور التقي شيخنا

الدكتور التقي شيخنا 🇲🇷

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى