السعودية.. من ملحمة التوحيد إلى صناعة المستقبل

ليس كل وطن يختصر في حدود الجغرافيا، ولا كل يوم وطني يقاس بعدد الأعلام التي ترفرف في الشوارع؛ فهناك أوطان تتحول مع الزمن إلى ذاكرة، وأوطان تتحول إلى رسالة، وأوطان تسكن في وجدان أمم بأكملها. ومن بين هذه الأوطان تقف المملكة العربية السعودية، بما لها من خصوصية تاريخية ودينية وسياسية، لتحتفل أمس، الأربعاء الثالث والعشرين من سبتمبر، بيومها الوطني السادس والتسعين، مستحضرة ذكرى توحيد هذه البلاد على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، وهي الذكرى التي أصبحت عنوانا لمسيرة دولة استطاعت أن تنتقل من مرحلة التأسيس إلى بناء دولة حديثة ذات حضور واسع في الإقليم والعالم.
إن الحديث عن المملكة العربية السعودية لا يمكن أن يكون حديثا عن دولة عادية؛ فهذه الأرض تحمل في جغرافيتها أثقل الرموز الدينية في وجدان المسلمين، ففيها مكة المكرمة، قبلة المسلمين، وفيها المدينة المنورة ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليها تشد الرحال من كل فج عميق. ولذلك فإن السعودية تحتل مكانة لا تشبهها فيها دولة أخرى في الوعي الإسلامي؛ إذ ارتبط اسمها بالحرمين الشريفين، وبالحج والعمرة، وبمواسم تتجدد فيها وحدة المسلمين بصورة لا تعرف لونا ولا عرقا ولا لغة. ومن هنا فإن مسؤولية المملكة ليست سياسية واقتصادية فحسب، بل تحمل في بعدها الديني والإنساني خصوصية كبرى تجعل أمنها واستقرارها محل اهتمام الملايين من المسلمين في أنحاء العالم.
وتزداد قيمة هذه المناسبة حين نستحضر المسافة التاريخية التي قطعتها المملكة منذ إعلان توحيدها؛ فقد كان مشروع الملك عبدالعزيز مشروع بناء دولة وتوحيد أرض وجمع شتات، حتى توجت المسيرة سنة 1351هـ بإعلان اسم المملكة العربية السعودية. واليوم، بعد عقود طويلة، تقف الدولة التي تأسست في ظروف شديدة الصعوبة أمام عالم مختلف تماما، وقد تحولت إلى قوة إقليمية مؤثرة، واقتصاد كبير، ومركز مهم في السياسة الدولية، فيما تتواصل مسيرة التحول والتنمية في ظل رؤية المملكة 2030 ومشروعاتها الكبرى. وهذه ليست رواية تكتب بالعاطفة وحدها، وإنما مسيرة دولة يمكن قراءة تحولاتها في الاقتصاد والعمران والتقنية والسياحة والثقافة والخدمات ومشروعات المستقبل.
ويأتي اليوم الوطني السادس والتسعون والمملكة في مرحلة من أكثر مراحل تاريخها كثافة بالحركة والطموح؛ مرحلة تريد فيها أن تجمع بين أصالة الهوية وسرعة التحول، وبين المحافظة على مكانتها الدينية وبناء اقتصاد متنوع ومجتمع أكثر انفتاحا على مجالات المعرفة والاستثمار والتقنية. وقد شهدت احتفالات هذا العام عروضا جوية وبحرية وبرية وفعاليات واسعة في عدد من مدن المملكة، إلى جانب عروض الألعاب النارية في تسع مدن، في مشهد يعكس حجم المناسبة وحضورها في الحياة العامة السعودية.
وللمملكة، في المقابل، خصومها وحساباتها وتحدياتها؛ فالدول الكبيرة لا تعيش خارج دائرة الصراع والمنافسة، ولا تتحرك في فراغ سياسي وأمني. وقد واجهت السعودية خلال السنوات الماضية تهديدات أمنية وهجمات ومحاولات استهداف مرتبطة بالصراع الإقليمي، ولا سيما من جماعة الحوثي في اليمن، فضلا عن صراعات إقليمية أوسع ارتبطت بجماعات مسلحة وقوى متنافسة. وفي الأيام الأخيرة نفسها، تناولت تقارير دولية تصاعد المواجهة مع الحوثيين، بما في ذلك استهداف الأراضي والبنية التحتية السعودية.
لكن المملكة التي يعرفها تاريخها لا تقف عند مواجهة خصومها، ولا تكتفي بالرد على حملات التشويه والاستهداف، بل تواجه ذلك كله بقوة الدولة، وصلابة مؤسساتها، وقدرتها على حماية أمنها ومصالحها، وفي الوقت ذاته تمضي بثبات في البناء والتنمية وصناعة المستقبل. فالدولة التي تصون أمنها، وتحمي حدودها، وتدافع عن مصالحها، وتحافظ على مؤسساتها، وتطور اقتصادها، وتستثمر في إنسانها، وتواصل بناء مشاريعها الكبرى وسط منطقة تعصف بها الأزمات، إنما تقدم أقوى رد عملي على كل من يستهدفها أو يسعى إلى النيل من مكانتها. وهنا يصبح الإنجاز ذاته رسالة، والاستقرار ذاته برهانا، والاستمرار في البناء أقوى من كل حملات التشويه؛ فالتاريخ لا تحفظ صفحاته ضجيج الخصوم، وإنما تحفظ الدول التي ثبتت أمام العواصف، وشعوبها التي بنت، ومشروعاتها التي تحولت من الطموح إلى واقع.
ومن هنا تأتي العبارة التي يرددها محبو المملكة بثقة: هيهات أن تختزل السعودية في صورة يرسمها خصومها؛ فالسعودية تاريخ وجغرافيا ومقدسات وشعب ودولة ومؤسسات. ومن أراد أن يقرأها فليقرأها في مكة والمدينة، وفي مسيرة توحيدها، وفي حاضرها الاقتصادي والسياسي، وفي ما تبنيه لأجيالها القادمة، لا في الحملات التي تتغير بتغير المصالح والخصومات. أما الذين يتمنون لها الانكسار، فإن أفضل جواب عليهم هو استمرارها في البناء، وثباتها في حماية أمنها، ومضيها في طريقها، فالأوطان لا تنتصر بالصخب، وإنما تنتصر حين يكون مستقبلها أقوى من محاولات خصومها.
ولعل أجمل ما في العلاقة مع المملكة أنها لا تقف عند حدود السياسة؛ ففي وجدان المسلمين، تظل بلاد الحرمين قبل أي عنوان آخر. ولذلك فإن محبتها في موريتانيا تحمل معنى خاصا، وتجد جذورها في صلة الموريتانيين بالعلم الشرعي والقرآن والحديث والسيرة، وفي ذلك الحضور العميق لمكة والمدينة في الثقافة الدينية الموريتانية. والموريتاني حين يذكر السعودية لا يستحضر دولة شقيقة فحسب، وإنما يستحضر أرضا تتجه إليها القلوب في الصلاة، ويقصدها الناس للحج والعمرة، وتحتضن أطهر البقاع وأقدس المشاعر.
ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن فهم مشاعر كثير من الموريتانيين تجاه اليوم الوطني السعودي؛ فهي مشاعر أخوة ومحبة واحترام، تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتستند إلى وشائج عربية وإسلامية وتاريخية عميقة. وما أجمل أن يلتقي قلبان عربيان ومسلمان على محبة الحرمين، وأن يرى شعب شقيق في فرحة شعب شقيق مناسبة لتجديد أواصر المودة، خصوصا بين شعبين جمعتهما روابط العلم والثقافة والدين والتواصل الإنساني.
وفي يوم المملكة الوطني، لا يسعنا إلا أن نستحضر أيضا مكانة القيادة السعودية في مسيرة الدولة الحديثة؛ من عهد المؤسس الملك عبدالعزيز، رحمه الله، إلى العهود المتعاقبة التي واصلت بناء مؤسسات المملكة وتطويرها، وصولا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حيث دخلت المملكة مرحلة واسعة من التحولات والمشروعات والطموحات، وأصبحت رؤية 2030 عنوانا لتحول اقتصادي واجتماعي وتنموي كبير. وقد أثارت هذه التحولات اهتماما دوليا واسعا، بالتوازي مع استمرار المملكة في أداء أدوارها الإقليمية والدولية. كما توالت في مناسبة اليوم الوطني السادس والتسعين برقيات التهنئة من قادة دول ومسؤولين حول العالم، بما يعكس اتساع العلاقات الدولية للمملكة وحضورها في المشهد العالمي.
وبهذه المناسبة، أجدد من موريتانيا التهنئة الخالصة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، وللشعب السعودي الشقيق، سائلا الله أن يجعل أعوام المملكة القادمة أعوام أمن واستقرار ونماء، وأن يوفق قيادتها لكل ما فيه خير البلاد والعباد، وأن يبارك في شعبها وأرضها ومقدراتها، وأن يديم عليها نعمة الوحدة والأمن والرخاء، وأن يجعلها دائما عند حسن الظن في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما وخدمة قضايا العرب والمسلمين.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، قيادة وشعبا وأرضا، واحفظ الحرمين الشريفين، وأدم عليهما الأمن والأمان. اللهم احفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ووفقه لكل خير، واحفظ ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ووفقه لما فيه صلاح البلاد والعباد. اللهم اجعل السعودية آمنة مطمئنة، وارزق أهلها دوام النعمة والعافية والاستقرار، واصرف عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن، ورد عنها كيد المعتدين والحاقدين، واجعل تدبير من أراد بها سوءا في نحره، واحفظها من كل مكروه، وأدم عليها عزها ووحدتها ومكانتها.
وكل عام والمملكة العربية السعودية بخير، وكل عام ورايتها مرفوعة، وكل عام وشعبها في أمن وعز ورخاء، وكل عام وبلاد الحرمين في قلوب المسلمين؛ ومن موريتانيا، أرض المحظرة والعلم والوفاء، سلام إلى المملكة، قيادة وشعبا، ومحبة لا تحدها المسافات، ودعاء صادق بأن تبقى بلاد الحرمين شامخة آمنةً عزيزة، وأن يكتب الله لها في مستقبلها من الخير والرفعة أضعاف ما كتب لها في ماضيها.
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا




