الاعتداء على الطفولة.. جريمة تستوجب أقصى العقوبات ولا تحتمل التساهل

ثمة جرائم لا يجوز أن تمر في المجتمع باعتبارها حوادث عابرة، ولا أن تختزل في أخبار جنائية تتصدر العناوين لبضع ساعات ثم تطويها الذاكرة؛ لأنها جرائم تمس جوهر الإنسانية، وتضرب أبسط معاني الأمن والكرامة. وفي مقدمة هذه الجرائم الاعتداءات الجنسية على الأطفال، تلك الوحشية التي لا تستهدف أجسادا صغيرة فحسب، بل تغتال البراءة، وتدمر الطمأنينة، وتترك في النفوس ندوبا قد لا يمحوها الزمن، ولا تنجح سنوات العمر في ترميمها.

إن المأساة الحقيقية لهذه الجرائم لا تنتهي بانتهاء الاعتداء؛ فبعض الضحايا يفقدون حياتهم، وبعضهم ينجون من الموت ليعيشوا بقية أعمارهم أسرى لصدمة لم يختاروها، وذكرى لم يستدعوها، وجرح نفسي قد يظل مفتوحا حتى آخر يوم في حياتهم. وقد يكبر الطفل، وتتغير ملامحه، ويغادر مرحلة الطفولة، لكن المعتدي يكون قد سرق منه شيئا لا يمكن تعويضه: إحساسه بالأمان، وثقته بالآخرين، وحقه في طفولة طبيعية لا تشوبها الفظائع.

سياسيا، لا يمكن لأي دولة تحترم نفسها أن تتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها شأنا جنائيا محدودا؛ إنها قضية أمن مجتمعي، ومسؤولية سيادية، واختبار حقيقي لشرعية المؤسسات وفاعلية القانون. فالدولة التي تنفق على الأمن، وتضع الخطط التنموية، وتتحدث عن حماية المجتمع، مطالبة قبل كل شيء بأن تحمي أطفالها من الافتراس والاستغلال. ولا قيمة لهيبة الدولة إذا كان المعتدي يطمئن إلى الإفلات من العقاب، بينما يعيش الطفل وأسرته تحت وطأة الخوف والعار المصطنع والتهديد.

وقانونيا، لم يعد مقبولا أن تظل العقوبات دون مستوى الفظاعة التي تنطوي عليها هذه الجرائم، أو أن يجد الجناة في الثغرات التشريعية، وبطء التقاضي، والوساطات والنفوذ، منافذ للنجاة من المحاسبة. المطلوب تشريعات صارمة، وإجراءات تحقيق سريعة ومتخصصة، ومحاكمات لا تتهاون مع الأدلة الثابتة، وعقوبات تتناسب مع خطورة الجريمة ونتائجها. وأذهب إلى أبعد من ذلك بالمطالبة بأن تكون عقوبة الإعدام مطروحة في التشريع للحالات الأشد جسامة، ولا سيما الاعتداءات التي تقترن بالقتل أو التعذيب أو التكرار أو غيرها من الظروف المشددة، مع ضمان المحاكمة العادلة وثبوت الجريمة بأدلة قاطعة.

وليست هذه المطالبة استثناء من تجارب العالم؛ فالصين، على سبيل المثال، تقرر عقوبة الإعدام في بعض صور الاغتصاب المشددة، ومنها جرائم خطيرة تستهدف الأطفال، وفق المادة 236 من قانون العقوبات. كما تتبنى بعض الدول الأخرى عقوبات بالغة الشدة في الجرائم الجنسية المرتكبة ضد القاصرين. والمقصود هنا ليس استنساخ قوانين الآخرين، وإنما التأكيد أن حماية الطفولة تستحق أن تكون في صدارة أولويات السياسة الجنائية، وأن الردع الحقيقي لا يتحقق بعقوبات شكلية لا تتناسب مع حجم الجريمة.

أما أخلاقيا، فإن المعتدي على طفل لا يرتكب مجرد مخالفة للقيم الاجتماعية، بل يرتكب خيانة إنسانية مكتملة الأركان؛ فهو يستغل ضعفا لا يستطيع صاحبه دفعه، ويستبيح براءة لا تملك الدفاع عن نفسها، ويحول الثقة التي منحها إياه الطفل أو أسرته إلى وسيلة للإيذاء. والأسوأ أن بعض هؤلاء يتوارون خلف المكانة الاجتماعية أو الوظيفة أو الوجاهة أو التدين الظاهري، وكأن الألقاب قادرة على غسل الجرائم، أو أن النفوذ يستطيع شراء البراءة. والحقيقة أن الجريمة لا تصغر بمكانة مرتكبها، والحق لا يسقط لأن المعتدي صاحب جاه أو مال أو سلطة.

ومن المنظور الشرعي، فإن الاعتداء على الأطفال جريمة تتصادم مع مقاصد الإسلام في حفظ النفس والعرض والكرامة، وتناقض صريح نصوص الوحي في تحريم الفواحش والظلم والعدوان. قال الله تعالى: “وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ” [الأنعام: 151]، وقال سبحانه: “وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا” [الإسراء: 32]. فإذا كان النهي قد جاء عن الاقتراب من الفاحشة، فكيف بمن يتجاوز حدود الله، ويعتدي على طفل لا يملك حماية نفسه، ولا يعي أبعاد ما يرتكب في حقه؟

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، وقال صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” متفق عليه. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: “فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد»)”. فأين العدل والرحمة والمصلحة في التساهل مع من يفسد طفولة إنسان، ويهدد أمن مجتمع، ويترك وراءه ضحية قد تحمل آثار الجريمة طوال حياتها؟

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتشديد العقوبة وحدها، مهما بلغت شدتها؛ بل تبدأ ببناء منظومة حماية متكاملة، تشمل التوعية الأسرية والمدرسية، وتوفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ، وتدريب جهات التحقيق على التعامل مع الأطفال، وحماية الضحايا من الترهيب والابتزاز والتشهير، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية لهم. ويجب أن يفهم كل طفل أن جسده له حرمة، وأن من يعتدي عليه هو المجرم، وأنه ليس مسؤولا عن الجريمة مهما كانت الظروف أو الملابسات.

وأقترح، إلى جانب تغليظ العقوبات، أن تعتمد السلطات سياسة صارمة للتشهير القانوني بالمعتدين الذين تثبت إدانتهم بأحكام قضائية نهائية، من خلال نشر أسمائهم وصورهم وأحكام إدانتهم عبر التلفزيون الرسمي والمنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، وفق ضوابط قانونية تمنع المساس بحقوق الأبرياء، وتحفظ هوية الضحايا وخصوصيتهم. فليس من المعقول أن يترك المجتمع جاهلا بهوية من ثبت قضائيا خطره على الأطفال، بينما تحمى سمعة الجاني أحيانا أكثر مما تحمى سلامة الضحية. إن الردع لا ينبغي أن ينتهي عند باب السجن، بل يجب أن تمتد رسالته إلى المجتمع كله، ليعلم كل من يفكر في ارتكاب هذه الجريمة أن وراءه قانونا لا يرحم الجريمة، ومجتمعا لا يتستر على المجرمين.

وفي الختام، فإنني أقولها بوضوح: لا حصانة لمعتد على طفل، ولا اعتبار لمكانة اجتماعية أو نفوذ سياسي أو مالي أمام جريمة تمس براءة الإنسان وكرامته. إن التساهل مع هذه الجرائم ليس تسامحا، بل تفريط في الأمانة، والصمت عنها ليس حكمة، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار المأساة. فالأطفال أمانة في أعناقنا جميعا، وحمايتهم واجب ديني وأخلاقي ووطني لا يقبل المساومة.

فلنرفع كلفة الاعتداء على الطفولة إلى أقصى ما يسمح به العدل والقانون، ولنحم الضحايا قبل أن يتحولوا إلى أرقام في سجلات المآسي. فالذي يعتدي على طفل لا يسرق لحظة من عمره فحسب، بل قد يسرق منه العمر كله؛ ومجتمع لا ينتصر لأطفاله، لا يحق له أن يتباهى بقيمه ولا أن يتحدث عن عدالته.

محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى