الوساطة المرفوضة.. حماس تحاول إنقاذ الحوثي واليمن يقول: فاتكم القطار

الحديث عن وساطة تقودها حركة حماس بين أطراف”النزاع” في اليمن يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات مشروعة حول التوقيت والهدف والجدوى. فاليمن اليوم ليس أمام أزمة عابرة يمكن تجاوزها بوساطة شكلية أو بمبادرة جديدة تضاف إلى قائمة المبادرات السابقة، وإنما أمام معركة مصيرية عنوانها استعادة الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وعودة الشرعية، وإحلال السلام والأمن والاستقرار في ربوع البلاد. وهذه هي، في جوهرها، محور الأحداث الجارية في اليمن، ولا يمكن لأي مبادرة أن تتجاهل هذه الحقائق أو تتجاوزها وكأن المشكلة اليمنية مجرد خلاف سياسي بين أطراف متساوية في المسؤولية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي وساطة لا تستهدف معالجة أصل الأزمة، وفي مقدمتها إنهاء سيطرة الحوثيين المسلحة وإعادة القرار اليمني إلى مؤسسات الدولة، ستظل عاجزة عن إنتاج سلام حقيقي ومستدام. فاليمنيون، وبعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والانقلاب، باتوا أكثر إدراكا لطبيعة الأزمة وجذورها، وأصبح واضحا بالنسبة لكثير منهم أن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة يعني استمرار أسباب الحرب، وأن أي تسوية لا تنهي هذا الواقع قد تتحول ببساطة إلى هدنة مؤقتة تتيح إعادة ترتيب الأوراق وإعادة إنتاج الأزمة من جديد.

أما الحديث عن وساطة حماس تحديدا، فإنه يطرح علامات استفهام إضافية، خصوصا في ظل ما هو معروف عن طبيعة العلاقة السياسية بين حماس وإيران، وكذلك علاقات الحوثيين بمحور طهران. ولذلك فإن منتقدي هذه الوساطة يرون فيها محاولة لتوفير مخرج سياسي للحوثيين في لحظة تتجه فيها المعادلة اليمنية نحو مرحلة مختلفة، بدلا من أن تكون مبادرة مستقلة هدفها الوصول إلى سلام شامل يحفظ للدولة اليمنية سيادتها ويضع حدا نهائيا للحرب والانقسام. وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد “وساطة”، لأنها تتعلق بالسؤال الأهم: هل المطلوب إنهاء الأزمة أم إعادة تدويرها؟

ونقول لحماس ومن على شاكلتها بكل وضوح: فاتكم القطار. فالقضية اليمنية تجاوزت مرحلة البحث عن مخارج تحفظ لمليشيا الحوثي مشروعها المسلح أو تمنحها فرصة جديدة لإعادة ترتيب صفوفها. ولم يعد من المقبول، في نظر قطاعات واسعة من اليمنيين، أن تتحول المبادرات والوساطات إلى أدوات لإطالة عمر الأزمة أو إلى جسور عبور تمنح الحوثي فرصة للعودة إلى المشهد بعد كل ما حدث. السلام الحقيقي لا يكون بتثبيت نتائج القوة المسلحة، وإنما بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها وقرارها الوطني.

وتحرير صنعاء وعودة الشرعية وإحلال السلام والأمن في اليمن هي اليوم محور الأحداث الجارية، وكل مسار سياسي جاد لا بد أن ينطلق من هذه الحقيقة. فالمطلوب ليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، ولا اتفاقا جديدا يرحل الأزمة إلى المستقبل، وإنما معالجة سياسية وأمنية شاملة تنهي أسباب الصراع وتضع السلاح تحت سلطة الدولة وتعيد مؤسسات الجمهورية إلى العاصمة صنعاء وسائر المحافظات. ومن دون ذلك، سيظل الحديث عن السلام مجرد إدارة للأزمة لا حلا لها.

لقد أدرك اليمنيون، بعد سنوات من التجربة المريرة، أن المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات بقدر ما تكمن في غياب الإرادة لإنهاء أسباب الحرب. ولذلك فإن أي مبادرة، سواء جاءت من حماس أو من الأمم المتحدة أو من أي طرف آخر، لن تستطيع إنقاذ المشروع الحوثي من نهايته إذا كان المسار العام يتجه نحو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب. فالوساطات لا تستطيع أن تلغي حقائق الواقع، ولا أن تمنح أي طرف حصانة دائمة من نتائج خياراته السياسية والعسكرية، ولا أن تفرض على اليمنيين تسوية تتعارض مع تطلعاتهم إلى دولة مستقرة ذات سيادة.

وفي المقابل، كان الأولى بحماس أن تولي اهتمامها أولا بالملف الذي يقع في صميم ساحتها، وبأوضاع أهل قطاع غزة الذين دفعوا، وما زالوا يدفعون، ثمنا باهظا للحرب. فقد شهد القطاع دمارا واسعا، وسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، ونزوحا واسعا، وأضرارا جسيمة في البنية التحتية والمرافق المدنية. ومن ثم فإن الانشغال بفتح مسارات وساطة في ساحات أخرى، بينما لا تزال القضية الفلسطينية تعيش واحدة من أعقد مراحلها، يطرح بدوره أسئلة حول الأولويات وجدوى التحرك خارج نطاق الأزمة الأصلية.

كما أن الحديث عن السلام يحتاج قبل كل شيء إلى الثقة، والثقة لا تبنى بالشعارات ولا بالوساطات المفاجئة، وإنما بالمواقف الواضحة والمتوازنة والابتعاد عن كل ما يمكن أن يفهم منه أنه محاولة لحماية طرف على حساب الدولة والمجتمع. ولهذا فإن أي مبادرة بشأن اليمن ينبغي أن تكون معلنة الأهداف، واضحة الضمانات، قائمة على احترام سيادة اليمن، ومرتبطة بإنهاء السلاح المنفلت وإعادة بناء مؤسسات الدولة، لا بإعادة تأهيل جماعة مسلحة وإبقائها لاعبا فوق الدولة.

لقد انتهى زمن الحلول التي تؤجل المشكلة ولا تنهيها. واليمن بحاجة إلى سلام حقيقي، لكن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على استمرار الانقلاب أو بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة. وإذا كان المجتمع الدولي يريد إنهاء الحرب فعلا، فعليه أن يتعامل مع جوهر الأزمة لا مع أعراضها، وأن يدعم مسارا يعيد لليمن دولته ومؤسساته وسيادته، ويضمن أمن اليمنيين ودول الجوار، ويفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة الإعمار.

ولذلك فإن الرسالة الأوضح اليوم هي أن اليمنيين يريدون نهاية حقيقية للأزمة، لا هدنة جديدة تستخدم لإعادة إنتاجها. يريدون صنعاء عاصمة آمنة تحت سلطة الدولة، وشرعية تستعيد مؤسساتها، وسلاما لا يكون على حساب سيادة اليمن، وأمنا لا يبقى رهينة للسلاح والجماعات المسلحة. أما محاولة إنقاذ الحوثي عبر وساطة هنا أو مبادرة هناك، فلن تغير جوهر المعادلة، ولن تمنع اليمن من التوجه نحو إنهاء المشروع المسلح واستعادة الدولة.

باختصار: لستم أهلا لقيادة وساطة في اليمن، ولا للمبادرات التي يخشى أن تتحول إلى طوق نجاة للحوثي. فاتكم القطار. واليمنيون اليوم أمام استحقاق أكبر من أي وساطة عابرة: استعادة الدولة، تحرير صنعاء، إنهاء السلاح خارج مؤسساتها، ثم بناء سلام حقيقي ومستدام. أما مشروع الحوثي المسلح، فلن تنقذه مبادرة حماس، ولن تنقذه مبادرة أممية، ولن تنقذه أي وساطة أخرى إذا اتجهت إرادة اليمنيين إلى إنهائه واستعادة وطنهم.

محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى