المدينة المنورة تحت الاستهداف.. الحوثي يتجاوز كل الخطوط الحمراء

لم تعد المسألة مجرد هجوم عسكري عابر، ولا مجرد رسالة في صراع يطول على الأرض اليمنية. عندما تمتد يد ميليشيا الحوثي إلى المدينة المنورة، فإن الأمر يتجاوز حدود السياسة والحرب، ويدخل منطقة تمس وجدان مئات الملايين من المسلمين، وتستهدف مكانا لا يشبهه مكان، مدينة احتضنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رحابها المسجد النبوي الشريف، والروضة الشريفة، والبقيع، حيث يرقد آلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى مقربة منها شهداء أُحد الذين سطروا بدمائهم واحدة من أعظم صفحات الإسلام.
في فجر الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، استهدفت ميليشيا الحوثي محطة طيبة لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة، وهي محطة تخدم منشآت مدنية وتقدم خدمات كهربائية للمسجد النبوي الشريف. ووفق ما أعلنه المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، فقد أثبتت نتائج التحقيق والاستدلال تورط الميليشيا الحوثية في التخطيط والتنفيذ، من خلال المراجعة العملياتية وبقايا حطام المسيرة المستخدمة في الهجوم. وقد تسبب الاعتداء في خروج أحد المحولات عن الخدمة، دون أن تتأثر الشبكة الكهربائية بصورة عامة.
قد يقول قائل إن الهدف كان محطة كهرباء، وليس المسجد النبوي مباشرة، لكن هذا التوصيف التقني لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأوسع: إنها محطة لتقديم خدمة كهربائية لمنطقة تضم المسجد النبوي الشريف، وفي مدينة يعرف الحوثي قبل غيره مكانتها وقدسيتها في وجدان المسلمين. ومن هنا فإن خطورة الفعل لا تقاس فقط بحجم الأضرار المادية التي وقعت، وإنما بما يحمله من استخفاف بالمكان ورمزيته، وبمشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
المدينة المنورة ليست مجرد مدينة في خارطة جغرافية، وليست هدفا عسكريا عاديا يمكن التعامل معه بمنطق الأرقام الباردة. إنها المدينة التي هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها انطلقت رسالة الإسلام إلى الآفاق، وفي مسجدها النبوي تهفو قلوب المسلمين، وفي بقيعها يرقد رجال حملوا الرسالة وضحوا من أجلها، وعلى أرض أُحد سالت دماء الشهداء دفاعا عن الدين. كل حجر في هذه المدينة يحمل ذاكرة أمة، وكل اعتداء يطال أمنها يوقظ في نفوس المسلمين جرحا لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلا عسكريا عابرا.
ومع ذلك، مضت ميليشيا الحوثي في طريقها، وكأن شيئا من هذه المكانة لا يعنيها. لم تتوقف أمام قدسية المدينة، ولم تحسب حسابا لمشاعر المسلمين، ولم تتردد أمام حقيقة أن استهداف محيط المسجد النبوي أو منشآته الخدمية يعني اللعب بالنار في أكثر المناطق حساسية وقداسة في العالم الإسلامي. وهنا لا يعود السؤال: ماذا أراد الحوثي أن يصيب؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحا: إلى أين يريد أن يصل بهذا العبث؟
لقد بات واضحا أن الحوثي لا يتعامل مع هذه الهجمات بوصفها أخطاء منفصلة أو ردود أفعال مؤقتة، وإنما ضمن نهج مستمر في استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة واستهداف الأعيان المدنية وتهديد أمن المملكة. وهذه الحقيقة تفرض على الجميع إعادة قراءة سلوك هذه الميليشيا بعيدا عن لغة التبرير والمساومة التي أثبتت الوقائع أنها لا توقف مشروعا مسلحا يرى في التصعيد وسيلة دائمة لفرض شروطه.
والأخطر من ذلك أن استمرار الاعتداءات يطرح سؤالا أكبر بشأن حقيقة ارتباط القرار الحوثي بالأجندة التي تحركه. فاليمن الذي أنهكته الحرب، والشعب اليمني الذي دفع أثمانا هائلة، لا يبدو هو المستفيد من استمرار المغامرات العسكرية، ولا المواطن اليمني هو الذي يحتاج إلى تحويل بلاده إلى منصة لإطلاق المسيرات والصواريخ نحو دول الجوار. من يجر اليمن إلى مزيد من العزلة والدمار لا يمكن أن يكون حريصا على اليمن بقدر حرصه على تنفيذ أجندة تتجاوز حدود اليمن ومصالح اليمنيين.
لقد آن الأوان لأن يفهم هذا السلوك كما هو، لا كما يرغب الحوثي أو داعموه في تقديمه. نحن أمام ميليشيا مسلحة اختارت التصعيد طريقا، وأصرت على اختبار صبر المملكة، ووسعت دائرة أهدافها لتصل إلى مدينة ذات مكانة استثنائية في قلوب المسلمين. ولذلك فإن استمرار سياسة الفعل وردة الفعل المحدودة، إذا تحولت إلى نمط دائم، لن يؤدي إلا إلى تشجيع المزيد من المغامرة والمقامرة.
ومن حق المملكة العربية السعودية، وهي الدولة التي تحتضن الحرمين الشريفين وتتحمل مسؤولية أمنهما وسلامة زوارهما، أن تتعامل مع هذا التهديد بكل الحزم الذي تقتضيه خطورته. فالردع لا يكون بالبيانات وحدها، ولا بالانتظار حتى تتكرر المحاولات، ولا بمنح المعتدي فرصة بعد أخرى ليختبر حدود الممكن. والردع الحقيقي يعني أن يدرك من يهدد أمن المملكة أن لكل اعتداء كلفة، وأن حماية المدينة المنورة والمسجد النبوي ليست مجالا للمساومات ولا للاختبارات.
لقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد مقبولا أن تتحول الاعتداءات على المملكة إلى حلقات متكررة من الهجوم ثم الإدانة ثم انتظار الهجوم التالي. وإذا كانت ميليشيا الحوثي لا تفهم إلا لغة القوة، فإن حماية الأمن السعودي والحرمين الشريفين تقتضي أن تكون الرسالة واضحة وحاسمة، وأن تكون قدرة الردع أكبر من قدرة الميليشيا على المغامرة.
لكن الحزم لا يعني استهداف الأبرياء، ولا يعني معاقبة الشعب اليمني الذي عانى طويلا من الحرب، وإنما يعني استهداف مصادر التهديد ومنظومته العسكرية وقدرته على شن الاعتداءات، مع دعم الدولة اليمنية الشرعية ومؤسساتها حتى تستعيد قدرتها على بسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية. فالمعركة الحقيقية ليست مع اليمن، وإنما مع مشروع الميليشيا الذي صادر قرار اليمن وأبقى شعبه رهينة لصراع مفتوح.
وفي هذه اللحظة، لا ينبغي للمجتمع الدولي أن يكتفي بالنظر إلى المشهد من بعيد. فحين تصبح مدينة بحجم المدينة المنورة عرضة للاستهداف، فإن القضية لم تعد شأنا سعوديا منفردا، ولا مجرد فصل جديد من فصول الحرب اليمنية. إنها قضية أمن إقليمي، واحترام للأماكن المقدسة، ورفض لتحويل المدنيين والمنشآت الخدمية إلى أهداف في صراعات لا تنتهي.
إن كشف الوجه الحقيقي لهذا المشروع يبدأ برفض ازدواجية المعايير، وبوضع الأفعال أمام العالم كما هي: استهداف لمنشآت مدنية، وتهديد لأمن المملكة، واستهانة بمكانة المدينة المنورة، وإصرار على إبقاء اليمن والمنطقة تحت رحمة التصعيد. ولا يجوز أن يسمح للخطاب السياسي أن يطمس حقيقة ما تفعله الصواريخ والمسيّرات على الأرض.
وفي هذه المواجهة، نقف إلى جانب المملكة العربية السعودية في حقها المشروع في حماية أراضيها ومدنها ومقدساتها، ونقف إلى جانب اليمنيين في حقهم في دولة تستعيد قرارها ومؤسساتها وسيادتها، بعيدا عن سطوة الميليشيات والسلاح خارج إطار الدولة.
أما المدينة المنورة، فتبقى أكبر من كل حسابات الميليشيات وأصغر من أن تكون ساحة لمغامراتهم. ستظل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيظل المسجد النبوي مقصدا لقلوب المسلمين، وسيظل البقيع شاهدا على تاريخ أمة، وستظل أُحد ذاكرة للشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن الحق.
ومن يظن أن استهداف المدينة المنورة يمكن أن يمر كحادث عسكري عابر، فقد أخطأ قراءة التاريخ، وأخطأ قراءة وجدان المسلمين، وأخطأ قبل ذلك قراءة معنى أن تمس مدينة تسكن في قلب أمة بأكملها.
محمد سالم المختار الشيخ / موريتانيا




