رؤية 2030 السعودية.. من إدارة الثروة إلى صناعة المستقبل “فيديو”

اليوم نتطرق إلى تجربة تنموية استثنائية تستحق التأمل والدراسة؛ رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي أُعلنت في 25 أبريل 2016، بوصفها مشروعا وطنيا واسعا لإعادة بناء الاقتصاد وتطوير مؤسسات الدولة وتنويع مصادر الدخل، بعيدا عن الارتهان لمورد واحد. ولم تكن الرؤية مجرد خطة اقتصادية لمرحلة زمنية محددة، بل تصورا متكاملا لإعادة صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والاستثمار والمجتمع والعالم، عبر ثلاثة محاور مترابطة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.

واللافت في التجربة السعودية أن التنويع الاقتصادي لم يطرح باعتباره شعارا للاستهلاك الإعلامي، وإنما باعتباره مسارا مؤسسيا له برامج ومؤشرات وأهداف قابلة للقياس. فالرؤية فتحت المجال أمام قطاعات السياحة والصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية والتقنية والترفيه والرياضة، بالتوازي مع تعزيز دور القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي وتطوير سوق المال وتوسيع قاعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة. وفي تقرير الرؤية لعام 2025، بلغت قيمة الصادرات غير النفطية 166 مليار دولار، مقابل 64.6 مليار دولار في 2016، فيما وصل عدد العاملين في المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 8.88 ملايين موظف.

وهنا تكمن إحدى أهم الدروس الاقتصادية في التجربة: الثروة النفطية لم تعد نهاية القصة، وإنما أصبحت جزءا من تمويل تحول اقتصادي أوسع. فالرؤية تعمل على تعظيم القيمة المتحققة من الطاقة، وفي الوقت نفسه تطوير التعدين والصناعات التحويلية والاقتصاد الرقمي والسياحة والخدمات اللوجستية، وتوطين الصناعات الواعدة، وتحويل المملكة إلى مركز يربط الأسواق الإقليمية والعالمية. وهذه فلسفة اقتصادية تقوم على الانتقال من تصدير الموارد إلى بناء منظومة إنتاج واستثمار ومعرفة وقيمة مضافة.

وفي الجانب السياسي والإداري، تقدم الرؤية درسا آخر لا يقل أهمية؛ فنجاح المشاريع الكبرى لا يقوم على حجم التمويل وحده، بل يحتاج إلى حوكمة ومؤشرات أداء ومساءلة ومتابعة مستمرة. وقد جعلت الرؤية من كفاءة الحكومة والشفافية وتحسين الخدمات العامة والتحول الرقمي أهدافا أساسية، بينما يعمل برنامج التحول الوطني على تطوير الحكومة الإلكترونية وتعزيز الشفافية ورفع كفاءة القطاع العام وتمكين القطاع الخاص. ووفق تقرير 2025، فإن 93% من المؤشرات التي لديها قراءات مفعلة ومقاسة حققت مستهدفاتها المرحلية أو اقتربت منها، بينما بلغت نسبة المبادرات المكتملة أو التي تسير على المسار المحدد 90%.

أما البعد الاجتماعي، فقد جاء بوصفه ركيزة للاقتصاد وليس ملفا منفصلا عنه؛ إذ إن التنمية المستدامة تحتاج إلى مجتمع قادر على المشاركة والإنتاج والاستفادة من الفرص الجديدة. ولهذا ارتبطت الرؤية بتحسين جودة الحياة، وتطوير التعليم والصحة، ورفع مشاركة المرأة في سوق العمل، وتعزيز تملك الأسر للمساكن، وتوسيع فرص الترفيه والسياحة والثقافة. وتشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن من 47% في 2016 إلى أكثر من 60% في 2023، كما ارتفعت التغطية الصحية إلى 96.41% في العام نفسه.

ولم تتوقف التجربة عند الاقتصاد التقليدي؛ فالرياضة والسياحة والثقافة والترفيه أصبحت أدوات اقتصادية ودبلوماسية جديدة، تستقطب الاستثمارات والزوار وتخلق فرص العمل وتعيد تقديم المملكة للعالم من خلال صورة أكثر انفتاحا على القطاعات العالمية. وفي 2025 تجاوز عدد المعتمرين القادمين من خارج المملكة 18 مليونا، مقابل مستهدف يبلغ 15 مليونا، فيما سجلت المملكة أكثر من 100 مليون زيارة سياحية في 2023 وفق بيانات الرؤية الرسمية. وهكذا تحولت قطاعات كانت تصنف سابقا في خانة الخدمات أو الترفيه إلى مكونات حقيقية في الاقتصاد الجديد.

والتحول الرقمي بدوره لم يكن مجرد تحديث تقني للخدمات، بل أصبح جزءا من إعادة بناء الدولة والاقتصاد معا؛ من رقمنة الخدمات الحكومية إلى تطوير الاقتصاد الرقمي وتسهيل ممارسة الأعمال وتعزيز الأمن السيبراني والابتكار. وتضع برامج الرؤية أهدافا واضحة لرفع مساهمة الاقتصاد الرقمي، وتحسين نضج الخدمات الحكومية الرقمية، وتعزيز الاستثمار والتنافسية، بما يعكس إدراكا بأن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بحجم مشاريعها الإسمنتية، وإنما أيضا بسرعة خدماتها، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على إدارة البيانات والتكنولوجيا.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة بالنسبة للدول الأخرى ليست في محاولة نسخ النموذج السعودي حرفيا؛ فلكل دولة مواردها وتركيبتها السكانية وموقعها الجغرافي وتحدياتها الخاصة، وإنما في دراسة منهج التفكير الذي قامت عليه الرؤية: تحديد الأولويات، تحويلها إلى برامج، ربطها بمؤشرات أداء، متابعة التنفيذ، مراجعة المسار، وإشراك القطاع الخاص في صناعة النمو. وهذه نقطة شديدة الأهمية للدول التي تبحث عن الانتقال من اقتصاد يعتمد على قطاع أو مورد واحد إلى اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة الأزمات والتحولات العالمية.

ومن الناحية السياسية والاقتصادية، تعكس التجربة كذلك أهمية وضوح الرؤية طويلة المدى واستمرارية القرار العام؛ فالاستثمار في الصناعة والسياحة والطاقة المتجددة والتقنية والبنية التحتية لا يؤتي ثماره في موسم سياسي قصير، وإنما يحتاج إلى رؤية ممتدة وإدارة قادرة على تحويل الأهداف الكبرى إلى مشاريع وبرامج ومؤسسات. ولهذا تبدو تجربة 2030، في جوهرها، محاولة لبناء اقتصاد أكثر تنوعا ودولة أكثر كفاءة ومجتمع أكثر مشاركة، لا مجرد قائمة من المشاريع العملاقة.

والأرقام التي أعلنتها المملكة في تقرير 2025 تعطي صورة عن حجم التحول؛ فقد تجاوزت الصادرات غير النفطية ضعف مستويات 2016 بأكثر من مرة ونصف، وبلغت مؤشرات الأداء الإجمالية نسبة 93% من المؤشرات المقاسة عند المستهدف أو بالقرب منه، فيما تحسن ترتيب المملكة في تنافسية الأعمال إلى المركز السابع عشر عالميا وفق مؤشر IMD لعام 2025. وهذه مؤشرات ينبغي قراءتها في سياقها الزمني والمؤسسي، مع إدراك أن الرؤية لا تزال مشروعا ممتدا حتى 2030، وأن نجاح أي تجربة تنموية يقاس ليس فقط بحجم الإنجاز، وإنما بقدرته على الاستمرار وترسيخ أثره الاقتصادي والاجتماعي.

وفي المحصلة، تستحق رؤية السعودية 2030 الإشادة بوصفها تجربة تنموية واسعة النطاق جعلت من التخطيط طويل المدى، وتنويع الاقتصاد، وتمكين القطاع الخاص، والتحول الرقمي، وتطوير السياحة والرياضة والصناعة، ورفع كفاءة الإدارة العامة، مسارات مترابطة في مشروع واحد. والأهم بالنسبة لنا هو أن ننظر إلى هذه التجربة بعين المتعلم لا بعين المراقب؛ نقرأ ما نجح فيها، ونفهم أدواته، ونبحث عن كيفية تكييفه مع واقعنا وإمكاناتنا. فالدول لا تتقدم بكثرة الموارد وحدها، وإنما بحسن إدارتها، وتحويل الطموح إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته واقتصاده ومستقبل أبنائه.

ويمكن أن يكون الدرس الأكبر من تجربة 2030 بسيطا في عبارته، عميقا في أثره: لا يكفي أن تمتلك الدولة ثروة؛ الأهم أن تمتلك رؤية لكيفية تحويل الثروة إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى فرص، والفرص إلى تنمية مستدامة. وهذه، في تقديري، هي الزاوية الأهم التي تجعل التجربة السعودية جديرة بالقراءة والاستفادة والدراسة.

محمد سالم المختار الشيخ / موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى