بين أمانة التمثيل وفوضى الخطاب.. أي نائب نريد؟

ليس الوصول إلى البرلمان غاية في حد ذاته، ولا ينبغي أن ينظر إلى المقعد النيابي باعتباره وجاهة اجتماعية أو موقعا للظهور أو منصة لتصفية الحسابات ورفع الصوت. فالبرلمان، في جوهره، مؤسسة تشريعية ورقابية تحمل واحدة من أثقل الأمانات العامة؛ إذ يضع النائب نفسه أمام مسؤولية تمثيل مواطنين منحوه ثقتهم، وانتظارهم منه أن يكون صوتا واعيا لمطالبهم، ومدافعا عن مصالحهم، ومشاركا في صناعة القوانين ومراقبة الأداء العام بما يخدم الدولة والمجتمع.

ومن هنا، فإن النائب البرلماني الذي يحتاجه المواطن ليس بالضرورة الأكثر شهرة، ولا الأكثر قدرة على إثارة الضجيج، ولا صاحب الخطابات الأطول والأكثر صخبا، وإنما ذلك الذي يمتلك معرفة حقيقية بطبيعة مهمته، ويدرك أن العمل البرلماني ليس مسابقة في ارتفاع الصوت، ولا مجالا للاستعراض، بل مسؤولية تحتاج إلى عقل هادئ، ولسان منضبط، ومعرفة بالقانون والاقتصاد والسياسة وشؤون المجتمع، وقدرة على تحويل مطالب الناس ومشاكلهم إلى أسئلة ومقترحات ومواقف ومبادرات قابلة للنقاش والمعالجة داخل المؤسسة التشريعية.

والنائب الجاد هو قبل كل شيء إنسان يعرف قيمة الأمانة التي يحملها. يعرف أن وراء كل صوت انتخابي مواطنا ينتظر منه أن يؤدي واجبه، وأن وراء كل وعد مسؤولية، وأن كل موقف يتخذه داخل البرلمان يمكن أن تكون له آثار تتجاوز لحظة التصفيق أو التفاعل الإعلامي. لذلك ينبغي أن يكون النائب حاضرا، منضبطا، متابعا، قارئا، مستمعا، وقادرا على فهم الملفات التي يناقشها قبل أن يتحدث عنها؛ لأن الجهل بالتفاصيل لا يعفي صاحب المسؤولية من نتائجها.

ولا تقل الأخلاق أهمية عن المعرفة، بل إن المعرفة من دون أخلاق قد تتحول إلى أداة للمصلحة الشخصية، ولذلك فإن النزاهة واحترام الناس والخصوم والزملاء والمؤسسات، والابتعاد عن الإساءة والتجريح والابتذال، كلها ليست كماليات في شخصية البرلماني، وإنما جزء من صميم المسؤولية. فالسياسي الذي يريد خدمة الناس ينبغي أن يعرف كيف يختلف دون أن يهين، وكيف ينتقد دون أن يسقط في التجريح، وكيف يعارض دون أن يتحول إلى خصم للوطن، وكيف يدافع عن موقفه بالحجة دون أن يجعل من الخلاف السياسي خصومة شخصية.

وفي المقابل، فإن أكثر ما يسيء إلى صورة العمل البرلماني هو أن يتحول المنبر إلى مساحة للجهل والاستعراض، وأن يعتقد بعض النواب أن ارتفاع الصوت يمكن أن يعوض ضعف الحجة، وأن الانفعال يمكن أن يحل محل المعرفة، وأن الكلمات القاسية والساقطة يمكن أن تصنع حضورا سياسيا. فالنائب الجاهل الأرعن، الذي يتحدث قبل أن يفهم، ويرفع صوته حين تعجز حجته، ويستبدل قوة المضمون بحدة اللغة، لا يخدم من أوصله إلى البرلمان، ولا يخدم الشعب الذي يفترض أنه يمثله، ولا يضيف شيئا إلى صورة المؤسسة التي ينتمي إليها، بل قد يحول الاختلاف المشروع إلى إساءة للمشهد العام كله.

إن البرلمان لا يحتاج إلى من يملأ القاعة ضجيجا، بقدر حاجته إلى من يملأها فكرة وحجة ومعلومة وموقفا مسؤولا. فالصوت المرتفع لا يصبح قويا لمجرد ارتفاعه، والكلام الكثير لا يصبح مهما لمجرد طوله، والظهور المتكرر لا يعني بالضرورة حضورا سياسيا حقيقيا. القوة الحقيقية للنائب تكمن في قدرته على أن يقول الكلام المناسب، في الوقت المناسب، باللغة التي تليق بالمقام، وبالمعلومة التي تدعم موقفه، وبالهدف الذي يخدم المصلحة العامة.

ومن المهم كذلك أن يدرك النائب أن تمثيل دائرته الانتخابية لا يعني أن يتحول إلى مجرد ناقل للمطالب اليومية، وإنما أن يفهم جذور تلك المطالب وأسبابها، وأن يمتلك القدرة على طرحها ضمن رؤية أوسع. فالمواطن يحتاج إلى نائب ينقل صوته، نعم، لكنه يحتاج أيضا إلى نائب يفهم لماذا تعاني مدينته أو منطقته من ضعف الخدمات، وما السياسات التي يمكن أن تعالج المشكلة، وما الذي يستطيع البرلمان فعله، وما الذي يدخل في اختصاص الحكومة أو السلطات المحلية أو المؤسسات الأخرى. عندها يصبح التمثيل النيابي عملا مؤسسيا حقيقيا، لا مجرد قائمة من الوعود والشكاوى.

والنائب الذي يستحق ثقة الناس هو كذلك من يعرف أن الاستقلالية في الرأي لا تعني العناد، وأن الانضباط الحزبي أو السياسي لا يعني إلغاء العقل، وأن المعارضة ليست خصومة مع الدولة، كما أن الموالاة ليست إعفاء من النقد والمساءلة. فالمعيار الحقيقي يجب أن يبقى هو المصلحة العامة، وأن تكون مواقف النائب قابلة للتفسير بالحجة والمنطق، لا بالمصلحة الشخصية أو الحسابات الضيقة أو الرغبة في المحافظة على الشعبية بأي ثمن.

كما أن الحضور البرلماني لا يقاس بعدد التصريحات التي يطلقها النائب، وإنما بما ينجزه داخل اللجان والجلسات، وبقدر متابعته للتشريعات، وبنوعية الأسئلة والمقترحات التي يقدمها، وبمدى قدرته على مساءلة الأداء الحكومي بطريقة مسؤولة، وبقدر اهتمامه بالملفات التي تمس حياة المواطن مباشرة. فالعمل النيابي الحقيقي كثير منه هادئ ولا تصنعه الكاميرات، لكنه أكثر أثرا من عشرات المواقف التي تقال أمام الميكروفونات ثم تنتهي بانتهاء التصريح.

إن المواطن لا يحتاج إلى نائب يتذكره في موسم الانتخابات ثم يختفي بعد إعلان النتائج، بل يحتاج إلى ممثل يبقى قريبا من همومه، يستمع إليه، ويتواصل معه، ويشرح له حدود صلاحياته، ويكون صريحا معه في ما يستطيع تحقيقه وما لا يستطيع. فالنائب ليس صاحب عصا سحرية، ولا يستطيع حل كل مشكلة، لكن بإمكانه أن يكون صوتا صادقا، وأن يمارس دوره التشريعي والرقابي، وأن يضع القضايا التي تهم المواطنين في مكانها الصحيح داخل المؤسسة البرلمانية.

وفي النهاية، فإن قوة البرلمان من قوة أعضائه، وهيبة المؤسسة من هيبة السلوك الذي يمارسه من يجلس تحت قبتها. وإذا كان المواطن هو مصدر الشرعية الانتخابية، فإن المحافظة على ثقته تتطلب من النائب أكثر بكثير من الفوز في الانتخابات؛ تتطلب معرفة، وأخلاقا، وانضباطا، ومسؤولية، وإخلاصا، وشجاعة في قول الحق، وتواضعا في الاستماع، وحرصا دائما على أن يكون المنصب وسيلة لخدمة الناس لا غاية لخدمة صاحبه.

نريد برلمانيا يعرف قبل أن يتحدث، ويفكر قبل أن يحكم، ويستمع قبل أن يقرر، ويحترم قبل أن يختلف، ويعمل قبل أن يستعرض. نريد نائبا يكون صوته امتدادا لصوت المواطن، وعقله أداة لفهم مشكلاته، وأخلاقه عنوانا لمن يمثله، ومواقفه ترجمة لمسؤوليته الوطنية.

فالبرلمان ليس مكانا لمن يعلو صوته، وإنما لمن تعلو حجته؛ وليس منصة لمن يجيد صناعة الضجيج، وإنما لمن يجيد صناعة الموقف. ومن هنا تبدأ قيمة التمثيل الحقيقي: أن يدخل النائب البرلمان بثقة الناس، وأن يحافظ عليها بالأداء، وأن يغادره وقد ترك وراءه أثرا يستحق أن يذكر، لا مجرد مقعد شغله لسنوات.

محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى