الطب السعودي في مواجهة المستحيل.. فصل التوائم الملتصقة نموذجاً للريادة الطبية والإنسانية “فيديو”

ليست كل العمليات الجراحية مجرد انتصار للطب على المرض، فبعضها يتجاوز حدود غرفة العمليات ليصبح انتصارا للإنسان نفسه، ولحقه في الحياة والأمل والفرصة. ومن هذا المنظور، تأتي العملية التي نجح فيها الفريق الطبي والجراحي السعودي اليوم في فصل التوأم المغربي “سجى وضحى”، البالغتين من العمر 13 شهرا، باعتبارها حلقة جديدة في مسيرة طبية وإنسانية سعودية طويلة، جعلت من المملكة واحدة من أبرز التجارب العالمية في مجال فصل التوائم الملتصقة، وحولت هذا التخصص شديد التعقيد إلى مشروع متكامل يجمع بين العلم والخبرة والإمكانات والإرادة الإنسانية.
لقد استغرقت عملية فصل “سجى وضحى” نحو عشر ساعات، وشارك فيها 23 مختصا، بعد رحلة من الفحوص الدقيقة والتقييمات الطبية المتعددة التي بدأت منذ وصول التوأم إلى المملكة في أبريل 2026. وكانت الحالة بالغة التعقيد، إذ أظهرت الفحوص وجود التصاق في منطقتي الصدر والبطن، مع اشتراك في أغشية القلب والكبد والأمعاء، وهي تفاصيل تكشف حجم التحدي الجراحي الذي واجهه الفريق، وتفسر في الوقت ذاته لماذا لا يمكن النظر إلى مثل هذه العمليات باعتبارها تدخلا جراحيا عاديا، بل باعتبارها منظومة طبية متكاملة تحتاج إلى أعلى درجات الدقة والتنسيق والخبرة.
واللافت في التجربة السعودية أن نجاح اليوم لا يقف منفصلا عن سياق أوسع، فالبرنامج السعودي للتوائم الملتصقة الذي انطلقت مسيرته عام 1990 بإشراف الدكتور عبدالله الربيعة، راكم خلال أكثر من ثلاثة عقود خبرة واسعة جعلته يستقبل حالات من دول مختلفة، ويقدم لها الرعاية الطبية المتخصصة. وقد وصل البرنامج، مع عملية “سجى وضحى”، إلى العملية رقم 73، فيما شملت خدماته دراسة ورعاية 159 حالة من 28 دولة حول العالم، وهو تراكم معرفي وعملي لا تصنعه عملية واحدة، وإنما تصنعه سنوات من الاستثمار في الإنسان والطبيب والمستشفى والتجهيز والخبرة المتخصصة.
وهنا تكمن أهمية التجربة السعودية الحقيقية: في أن الإمكانات الطبية لم تسخر لمواجهة حالة واحدة فحسب، بل بنيت لها منظومة قادرة على استقبال حالات شديدة التعقيد من خارج الحدود، وتشخيصها، ودراسة فرص فصلها، وإجراء العمليات اللازمة، ثم متابعة مراحل التأهيل والرعاية. والأكثر دلالة أن المملكة تتحمل تكاليف العلاج والجراحة والتأهيل، فضلا عن تكاليف السفر والإقامة والاستضافة للتوائم وأسرهم، بما يجعل المبادرة تتجاوز مفهوم العلاج إلى معنى أوسع هو التضامن الإنساني وتسخير المعرفة الطبية لإنقاذ حياة لا تسأل عن جنسية صاحبها قبل أن تستجيب لحاجته.
إن هذا الجانب الإنساني ربما يكون الوجه الأكثر إشراقا في هذه التجربة؛ فحين يأتي طفل من بلد آخر محملا بمرض نادر ومعقد، ثم يجد أبواب مستشفى متخصص تفتح أمامه، وفريقا طبيا متعدد التخصصات يتفرغ لحالته، وإمكانات هائلة توضع تحت تصرفه، فإن الطب هنا يستعيد جوهره الأصيل: أن يكون في خدمة الإنسان. ومن هذه الزاوية، فإن البرنامج السعودي لا يقدم نموذجا في الجراحة فحسب، وإنما يقدم نموذجا في المسؤولية الإنسانية التي يمكن للدولة أن تمارسها عندما تلتقي الإرادة السياسية بالقدرة العلمية والاستثمار المستدام في القطاع الصحي.
ولعل ما يميز هذه العمليات أيضا هو طبيعة الفرق الطبية التي تقف خلفها؛ فهي ليست مهمة جراح واحد مهما بلغت خبرته، وإنما عمل جماعي تشارك فيه تخصصات دقيقة ومتداخلة، من جراحة الأطفال وجراحة التجميل والتخدير إلى جراحة الأعصاب والتمريض والفنيين وغيرهم. وهذه الحقيقة تحمل درسا بالغ الأهمية للمنظومات الصحية في العالم العربي: فالطب الحديث لا يبنى على الطبيب المنفرد، وإنما على فرق متخصصة، وعلى مؤسسات قادرة على جمع الخبرات المختلفة حول حالة واحدة، وعلى بنية تحتية تجعل القرار الطبي الدقيق ممكنا في الوقت المناسب.
وإذا كانت المملكة قد نجحت في تحويل واحدة من أكثر الجراحات تعقيدا إلى مسار طبي متراكم الخبرة، فإن القيمة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة لا ينبغي أن تكون الإعجاب بالنتائج وحدها، بل التفكير في كيفية بناء تجارب مشابهة في قطاعاتنا الصحية. فالتجارب الناجحة لا تستنسخ بالاحتفال بها، وإنما بدراسة عناصر نجاحها: الاستثمار في المستشفيات المتخصصة، وتكوين الكوادر، وتطوير مراكز التميز، وتشجيع البحث الطبي، وبناء شراكات مع المؤسسات الصحية الرائدة، وتوفير بيئة تجعل الطبيب قادرا على التعلم والتخصص والممارسة وفق أحدث المعايير.
ومن هنا، فإن الحاجة تبدو ملحة إلى إعطاء التعليم الطبي مكانته الحقيقية في أي مشروع جاد لإصلاح القطاع الصحي، لأن المستشفى المتطور لا تصنعه الأجهزة وحدها، والتجهيزات مهما بلغت قيمتها لا تكفي من دون طبيب مؤهل وممرض مدرب وفريق متخصص وبحث علمي مستمر. إن الاستثمار في كليات الطب، والتخصصات الدقيقة، وبرامج الإقامة والزمالة، والتكوين المستمر، والبحث العلمي، والتوأمة مع المراكز الطبية المتقدمة، هو استثمار مباشر في قدرة الدول على إنقاذ حياة مواطنيها، وتقليل الحاجة إلى تحويل الحالات المعقدة إلى الخارج، وبناء استقلال طبي حقيقي على المدى الطويل.
إن قصة “سجى وضحى” تستحق أن تقرأ أبعد من لحظة نجاح عملية استغرقت عشر ساعات؛ فهي قصة طفلين من المغرب، وفريق طبي سعودي، وبرنامج عمره أكثر من ثلاثة عقود، وإمكانات سخرت لإنقاذ حياة، وخبرة تراكمت حتى أصبحت قادرة على التعامل مع حالات شديدة التعقيد. وهي، قبل ذلك كله، تذكير بأن أعظم ما يمكن أن تنجزه الدول ليس فقط أن تبني مستشفى كبيرا أو تشتري أحدث جهاز، وإنما أن تبني منظومة صحية تعرف كيف تحول العلم إلى حياة، والخبرة إلى أمل، والإمكانات إلى خدمة إنسانية تتجاوز الحدود.
ولذلك، فإن الاحتفاء بهذا الإنجاز السعودي ينبغي أن يتحول، في بلداننا العربية، إلى سؤال عملي: ماذا نستطيع أن نتعلم من هذه التجربة؟ وكيف نبني منظومات صحية لا تكتفي بعلاج الحالات العادية، بل تمتلك القدرة تدريجيا على احتضان التخصصات الدقيقة والحالات المستعصية؟ فالمستقبل الصحي لا ينتظر من يستهلك المعرفة، وإنما من يستثمر في إنتاجها، ولا يكافئ من يكتفي باستيراد الأجهزة، وإنما من يبني الإنسان القادر على استخدامها وتطويرها. وفي النهاية، يظل فصل التوائم الملتصقة واحدا من أجمل الأمثلة على أن الطب، حين يحظى بالإرادة والعلم والإمكانات، يستطيع أن يمنح الإنسان فرصة جديدة للحياة، وأن يجعل من غرفة العمليات مكانا يخرج منه الأمل كما تخرج منه الحياة.
محمد سالم المختار الشيخ/ موريتانيا



