فيديو: حين تُنسى أيادي السعودية البيضاء في غزة.. وتُرفع رايات الحوثي وحزب الله والحرس الثوري!

مشهد يستحق التوقف طويلا أمام مفارقاته الصادمة: مسيرات في قطاع غزة ترفع شعارات التأييد للحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني، فيما تتعالى فيها هتافات تطعن في المملكة العربية السعودية، وتتجاهل ما قدمته المملكة للفلسطينيين عموما، ولأهل غزة خصوصا، من دعم سياسي وإنساني وتنموي. وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف تتحول غزة، التي عرفت جانبا من ثمار الدعم السعودي، إلى ساحة ترفع فيها رايات أطراف ارتبطت أدوارها بصراعات دامية في المنطقة، ويوجه فيها العداء إلى دولة قدمت للفلسطينيين ما تشهد به مشاريع قائمة ومساعدات موثقة؟ وأي منطق هذا الذي يحتفي بالشعارات، ثم يتجاهل الوقائع، ويستبدل الاعتراف بالجميل بالهتاف ضد من أسهموا في تخفيف المعاناة؟

إن الطامة الكبرى في هذا المشهد ليست مجرد تأييد هذه الميليشيات أو رفع شعاراتها، بل أن يترافق ذلك مع استهداف المملكة بالهتافات والعبارات المسيئة، وكأن الذاكرة قد محيت، وكأن ما قدمته السعودية لغزة وفلسطين لم يكن له وجود. فالمملكة لم تكتف بالمواقف السياسية والدبلوماسية الداعمة للقضية الفلسطينية، بل امتد دعمها إلى مشاريع إنسانية وتنموية مست حياة الفلسطينيين، وأسهمت في توفير مقومات الاستقرار والعيش الكريم. ومن هنا، فإن تجاهل هذا السجل، في الوقت الذي ترفع فيه رايات أطراف أخرى، يضعنا أمام مفارقة أخلاقية وسياسية لا يصح تجاوزها بالصمت أو التبرير.

لقد ترك الدعم السعودي بصمات ملموسة في حياة الشعب الفلسطيني، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، فلم يقتصر على المساعدات الإغاثية الطارئة، بل امتد إلى إنشاء المجمعات السكنية، وبناء المدارس والمرافق الصحية والخدمية، وإعادة إعمار المنازل، ودعم التعليم والصحة والبنية التحتية وشبكات المياه والطرق والصرف الصحي. ويبرز في هذا السياق البرنامج السعودي لإسكان اللاجئين الفلسطينيين في رفح، بما اشتمل عليه من مجمعات سكنية ومرافق تعليمية وصحية وخدمية، إلى جانب برامج الإغاثة التي شملت الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية والإيواء؛ فقد أرسلت المملكة طائرات وسفنا محمّلة بالمساعدات، وقدمت سيارات إسعاف مجهزة، وأبرمت اتفاقيات إغاثية مع منظمات دولية، كما تجاوز إجمالي مساعداتها الإنسانية والإغاثية والتنموية المقدمة لفلسطين 5.3 مليارات دولار، وفق إعلان سعودي صدر في سبتمبر 2024. ولم يتوقف الدعم عند هذا الحد، بل استمر خلال عام 2026 عبر القوافل الإغاثية وتوزيع الوجبات الساخنة والسلال الغذائية والخيام والملابس الشتوية، وتوفير مياه الشرب الآمنة للنازحين، إلى جانب استمرار الجهود الإنسانية الرامية إلى تخفيف معاناة الأسر المتضررة. وهذه ليست شعارات ترفع في المسيرات، ولا وعودا تستهلك في الخطب، بل مشروعات ومساعدات وجهود ميدانية تشهد على حضور سعودي فعلي في مسيرة دعم الشعب الفلسطيني. ومن هنا، فإن خروج مسيرات في غزة تؤيد الحوثي وحزب الله والحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني، بينما تهتف ضد المملكة العربية السعودية، يثير سؤالا مشروعا عن ميزان الوفاء والإنصاف: كيف ترفع شعارات التأييد لهذه الأطراف، ويتجاهل في المقابل ما قدمته المملكة للفلسطينيين من دعم مالي وإنساني وتنموي، فيما لا يجوز أن تكون شعارات المقاومة حصانة من المساءلة عن ممارسات تلك القوى في سوريا ولبنان والعراق واليمن؟ إن القضية الفلسطينية أكبر من أن تتحول إلى أداة في صراعات المحاور، والوفاء لا يعني الامتناع عن النقد، لكنه يقتضي الاعتراف بالمعروف وعدم جحوده، والتمييز بين من يقدم المساعدة الفعلية ومن يكتفي بالشعارات. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

وفي المقابل، يحق لنا أن نسأل أولئك الذين يرفعون رايات الحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني في شوارع غزة: ماذا قدمت هذه الأطراف، مجتمعة، لأهالي القطاع من مشروعات سكنية وتعليمية وصحية وتنموية تضاهي ما قدمته المملكة؟ وأين أثرها الملموس في حياة الأسر التي فقدت منازلها، والأطفال الذين حرموا مدارسهم، والمرضى الذين ينتظرون العلاج، والنازحين الذين يبحثون عن مأوى؟ ليس المقصود أن كل مساعدة لا تبلغ حجم المساعدة السعودية تصبح معدومة، ولا أن ينفى عن أي طرف ما قد يكون قدمه؛ وإنما المقصود أن يكون الاحتفاء متناسبا مع حجم العطاء، وأن تخضع الشعارات لمعيار الإنجاز، لا أن تمنح الميليشيات صكوك الوفاء لمجرد رفعها راية فلسطين، فيما تقابل أيادي من أسهموا في إعمارها بالتجريح والجحود.

والأمر لا يقف عند حدود المقارنة بين المساعدات والمشروعات، بل يتجاوزها إلى سجل هذه الأطراف في البلدان العربية التي امتدت إليها صراعاتها ونفوذها. ففي سوريا ولبنان والعراق واليمن، عانت شعوب من ويلات الحروب والانقسامات والتدخلات المسلحة، وكانت لها معاناة ودماء وبيوت مدمرة وأحلام مسلوبة. ولذلك، فإن تأييد هذه الأطراف لا ينبغي أن يبنى على الشعارات التي ترفعها عن فلسطين وحدها، بل يجب أن يقرأ في ضوء أدوارها الإقليمية ونتائج سياساتها على الشعوب. فدم السوري ليس أقل حرمة من دم الفلسطيني، ودم اللبناني والعراقي واليمني ليس أقل قيمة من دم الغزي، ولا يجوز أن تتحول مأساة شعب إلى ستار يحجب مآسي شعوب أخرى، أو إلى مبرر لتبييض سجل قوى لا يمكن فصل خطابها السياسي عن آثار أفعالها.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: من يرفع شعار فلسطين بصوت أعلى؟ بل: من يخدم الفلسطينيين فعلا، ومن يخفف معاناتهم، ومن يسهم في بناء ما تهدم من حياتهم؟ فالقضية الفلسطينية ليست ملكا لحماس، ولا حكرا على محور إقليمي، ولا بطاقة عبور تمنح أي فصيل أو ميليشيا حصانة من النقد والمساءلة. كما أن التضامن مع غزة لا يستلزم الاصطفاف خلف الحوثيين أو حزب الله أو الحشد الشعبي أو الحرس الثوري، ولا يفرض على الفلسطينيين أو غيرهم تبني خيارات سياسية بعينها. إن اختزال فلسطين في الولاء لهذا المحور أو ذاك إساءة إلى القضية نفسها، وتحويلها إلى أداة في صراعات إقليمية لا يغير حقيقة أن الفلسطينيين هم من يدفعون أثمانا باهظة من أمنهم وأرضهم ومستقبل أبنائهم.

فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هذا السؤال ليس مطالبة بإسكات النقد أو شراء المواقف بالمساعدات، وإنما هو تذكير بقاعدة أخلاقية قوامها الإنصاف والاعتراف بالجميل. فالسعودية، كأي دولة، ليست فوق النقد، ومساعداتها لا تمنح سياساتها حصانة مطلقة، لكن الاختلاف السياسي لا يبرر إنكار الوقائع، كما أن حرية التعبير لا تجعل الجحود فضيلة، ولا تحول الإساءة إلى دولة أسهمت في دعم الفلسطينيين إلى موقف أخلاقي يحتذى. ومن الإنصاف أن يقال للمحسن أحسنت، وللمخطئ أخطأت، وأن يوزن الجميع بميزان واحد؛ لا أن تضخم أخطاء طرف”إن وجدت”، وتغض الأبصار عن أخطاء طرف آخر، وفقا لمقتضيات الاصطفاف السياسي والمصالح الأيديولوجية.

أما موقفي من حركة حماس، فأعلنه بوضوح لا لبس فيه: إن الموقف السعودي منها يمثلني شخصيا، وأجد نفسي متفقا معه في ضوء قناعاتي وتقييمي لخيارات الحركة وتحالفاتها. ولا يعني ذلك التخلي عن القضية الفلسطينية، أو التقليل من معاناة أهل غزة، أو الانتقاص من حق الفلسطينيين في أرضهم وكرامتهم ومستقبلهم؛ بل يعني، على العكس، أنني أرفض منح أي حركة صكا مفتوحا باسم فلسطين، وأرى أن من حقنا مساءلة قراراتها السياسية وتحالفاتها الإقليمية عن نتائجها وتداعياتها. فحماس ليست فلسطين كلها، والاعتراض على خياراتها لا يعني العداء للشعب الفلسطيني، مثلما أن دعم الفلسطينيين لا يلزمنا بتأييد كل ما تتخذه الحركة من مواقف وقرارات.

إن التضامن الحقيقي مع غزة لا يقاس بعدد الرايات التي ترفرف في المسيرات، ولا بحدة الهتافات التي تملأ الشوارع، بل بما يترتب عليه من حماية للمدنيين، وتخفيف للمعاناة، وإغاثة للمنكوبين، وإعادة إعمار للمنازل والمدارس والمستشفيات والطرق. أما تحويل المأساة الفلسطينية إلى منصة لتصفية الحسابات مع المملكة أو غيرها، أو إلى مناسبة لتمجيد أطراف تتنازع شعوب المنطقة على تقييم أدوارها ونتائج سياساتها، فلن يعيد بيتا مدمرا، ولن يداوي جريحا، ولن يوفر دواء لمريض أو مأوى لنازح. والأشد إيلاما أن تنسى في غمرة هذه الشعارات أياد أسهمت في البناء والإغاثة، بينما يحتفى بأطراف لا يستطيع مجرد رفعها شعار فلسطين أن يمحو ما ارتبط بأدوارها من مآس في بلدان عربية أخرى.

الخلاصة أن فلسطين أكبر من حماس، وغزة أكبر من الفصائل والمحاور، والوفاء للقضية أكبر من أن يختزل في هتاف أو راية أو اصطفاف سياسي. ومن حق الغزيين أن يعبروا عن مواقفهم، ومن حق الجميع أن ينتقدوا سياسات الدول، لكن من حقنا أيضا أن نسأل عن معايير هذا التأييد، وأن نرفض الكيل بمكيالين، وأن نطالب بإنصاف من قدموا العون، كما نطالب بمساءلة من تسببت سياساتهم في الأذى والدمار. أما أن ترفع رايات الحوثي وحزب الله والحشد الشعبي والحرس الثوري في غزة، وتوجه الهتافات المعادية إلى السعودية، فيما يطوى سجل الدعم السعودي أو يتعمد تجاهله، فذلك مشهد يجسد اختلالا في ميزان الإنصاف، ويعيدنا إلى السؤال الذي ينبغي ألا يغيب: كيف يحتفى بمن يرفع الشعار، ويجحد من قدم العطاء؟

محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى