تيك توك تحت المساءلة: من يحمي إيران وحلفاءها من النقد؟

أصبحت ظاهرة حذف المنشورات من بعض منصات التواصل الاجتماعي تثير كثيرا من التساؤلات، خصوصا حين تتم الإزالة لأسباب تبدو واهية وغير مقنعة، أو من دون توضيح كاف يبين للمستخدم طبيعة المخالفة المزعومة. وتزداد هذه التساؤلات حين يتعلق الأمر بمنشورات سياسية تعبر عن آراء نقدية تجاه جهات وشخصيات وكيانات فاعلة في المشهد الإقليمي، وكأن حرية التعبير تتوقف عند حدود معينة لا يسمح بتجاوزها.
ومن أكثر المنشورات التي لاحظنا تعرضها للحذف ما يتعلق بإيران والجهات والحركات المرتبطة بها، وفي مقدمتها جماعة الحوثي في اليمن، وحزب الله اللبناني، والحشد الشعبي في العراق، إضافة إلى حركة حماس. وهذا الأمر يثير الاستغراب ويفتح الباب أمام أسئلة مشروعة لا يمكن تجاهلها: لماذا يا تيك توك؟ وهل ثمة معايير خاصة تحكم التعامل مع هذه الموضوعات؟ وهل تخضع المنشورات المتعلقة بهذه الجهات لمعايير مختلفة عن غيرها؟ أم أن المشكلة تكمن في آليات الإشراف على المحتوى العربي، وفي الطريقة التي يطبق بها القائمون عليه سياسات المنصة؟
لقد عانينا طويلا من مشكلة مشابهة على فيسبوك، حيث كانت منشورات تتناول جرائم الحرب والانتهاكات في غزة والضفة الغربية تحذف أحيانا بسرعة لافتة، إلى جانب محتويات تنتقد إيران وحلفاءها. وقد أثارت هذه الممارسات انتقادات واسعة، وطالبنا مرارا بمراجعتها، حتى بدا أن المنصة اتجهت لاحقا إلى قدر أكبر من التسامح مع الآراء السياسية المتباينة، وإن ظلت بعض الإشكالات قائمة. ولذلك فإن ما يحدث على تيك توك اليوم يستحق وقفة جادة، لا سيما إذا كانت قرارات الحذف تتكرر بصورة توحي للمستخدمين بوجود تفاوت في تطبيق القواعد.
والأكثر إثارة للاستغراب أن المستخدم قد يجد مساحة واسعة لنشر انتقادات سياسية مختلفة، لكنه يصطدم بقيود مشددة عندما يتناول بعض الملفات الحساسة، وفي مقدمتها نقد إيران والجهات المرتبطة بها، أو انتقاد السياسات الإسرائيلية والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تطبق معايير تيك توك على الجميع بالقدر نفسه، أم أن بعض الموضوعات تحظى بحماية غير معلنة؟ إننا لا نجزم بوجود تحالف أو انتماء طائفي لدى المسؤولين عن مراجعة المحتوى العربي، لكن تكرار هذه الحالات، إن ثبت، يستوجب تحقيقا شفافا يبدد الشكوك ويكشف حقيقة ما يجري.
إن حرية التعبير لا تعني إباحة التحريض أو التهديد أو نشر الكراهية، لكنها تعني أيضا ألا يتحول الإشراف على المحتوى إلى وسيلة لإسكات الآراء السياسية لمجرد أنها تنتقد جهة بعينها. ومن حق المستخدم أن يعرف سبب حذف منشوره، وأن يحصل على تفسير واضح، وأن يمتلك فرصة حقيقية للاعتراض على القرار ومراجعته. أما الحذف المتكرر، من دون تسبيب مقنع أو تطبيق متوازن للمعايير، فإنه يضعف ثقة المستخدمين بالمنصة، ويمنح الانطباع بأن بعض الآراء مقبولة، فيما تعامل آراء أخرى باعتبارها محظورة سلفا.
وأخيرا، أتقدم بشكوى واضحة وعاجلة إلى إدارة تيك توك بشأن ما نلاحظه من حذف منشورات سياسية باللغة العربية، وأطالبها بمراجعة أداء الفريق المسؤول عن الإشراف على هذا المحتوى، والتحقق من مدى التزامه بسياسات المنصة، وإتاحة آلية فعالة للاعتراض على القرارات غير المبررة. وعلى الإدارة أن تدرك أن الإفراط في الحذف لا يحمي المنصة بالضرورة، بل قد يضر بسمعتها ويقوض ثقة مستخدميها بها. ولتستفد من تجارب المنصات الأخرى، فتوازن بين مكافحة المخالفات المشروعة وحماية النقاش العام، بدلا من التضييق الذي يثير الشبهات أكثر مما يحقق الشفافية.
كما أؤكد لإدارة تيك توك أنني على استعداد تام للتواصل معها وتقديم مزيد من التوضيحات والأمثلة بشأن هذه المشكلة، إيمانا مني بأن معالجة هذه الإشكالات تبدأ بالحوار الجاد، والشفافية، والاستماع إلى شكاوى المستخدمين، بدلا من ترك التساؤلات تتراكم والشكوك تتسع.
فيا إدارة تيك توك، نريد إجابة واضحة: هل تطبق قواعدكم على الجميع دون استثناء، أم أن هناك موضوعات وأطرافا لا يسمح بانتقادها؟ إن المصداقية لا تبنى بحذف الأسئلة المزعجة، وإنما بالإجابة عنها، والعدالة لا تتحقق بإسكات طرف، بل بضمان حق الجميع في التعبير ضمن قواعد واضحة ومتساوية. وكفى ازدواجية في تطبيق المعايير، ولتكن حرية الرأي حقا للجميع، لا امتيازا تمنحه المنصة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.
للتواصل : 🇲🇷 0022228684767
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




