السعودية بقيادة الأمير محمد بن سلمان.. حزم الدولة في مواجهة تمدد الميليشيات المجوسية

حين تستهدف المملكة العربية السعودية، مهد الإسلام وقبلة المسلمين وحاضنة الحرمين الشريفين، فإن الخطر لا يتوقف عند حدودها، ولا تنحصر تداعياته في أمنها الوطني، بل تمتد إلى استقرار المنطقة ومصالح العالم الإسلامي بأسره. فالمملكة تواجه مشروعا مسلحا تتجسد أبرز أدواته في الميليشيات الحوثية في اليمن والفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بمحاور النفوذ الإقليمي، وهو مشروع يتجاوز في امتداداته حدود الدول وسلطاتها الوطنية. ومن هنا، فإن الوقوف إلى جانب السعودية ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل مسؤولية استراتيجية تفرضها طبيعة التهديدات القائمة، وتستوجب موقفا عربيا وإسلاميا واضحا يدرك أن أمن المملكة جزء أصيل من أمن المنطقة، وأن التساهل مع تمدد الميليشيات يفتح أبوابا لمخاطر لن تقف عند حدود دولة بعينها.

إن خطورة هذه الميليشيات لا تكمن في امتلاك السلاح وحده، بل في توظيفه لفرض النفوذ والقرار، وتجاوز مؤسسات الدولة، وإخضاع المجتمعات لمشاريع لا تنبع بالضرورة من مصالحها الوطنية. فحين تتحول الجماعة المسلحة إلى سلطة موازية، وتصبح قادرة على تهديد جيرانها وإرباك أمنهم، فإنها تنتقل من كونها مشكلة داخلية إلى مصدر خطر إقليمي عابر للحدود. وتزداد هذه الخطورة حين تتوافر لها شبكات دعم وتسليح وتمويل تمنحها القدرة على الاستمرار وتوسيع نطاق عملياتها. ولذلك، فإن مواجهة هذا المشروع لا تحتمل الاكتفاء ببيانات الاستنكار أو المواقف الموسمية، بل تتطلب استراتيجية متكاملة تحمي سيادة الدول، وتردع الاعتداءات، وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ على حساب أمن الشعوب واستقرارها.

ويتخذ هذا المشروع بعدا أشد حساسية حين يتداخل النشاط السياسي والعسكري مع خطاب مذهبي متشدد يتضمن طعنا في الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم، وإساءات تمس عرض النبي صلى الله عليه وسلم، ومقولات تتعلق بالقرآن الكريم وتحريفه. فهذه ليست مسائل هامشية في وجدان المسلمين، بل قضايا تمس ثوابت دينية راسخة ورموزا تحتل مكانة مركزية في عقيدتهم ووعيهم التاريخي. ومن هنا، فإن مواجهة هذا الخطاب تقتضي وضوحا في الموقف من المضامين التي تحرض على الكراهية أو تبرر الإساءة إلى المقدسات، كما تقتضي عدم السماح بتوظيف الدين غطاء لمشاريع الهيمنة والإخضاع. فحماية العقيدة لا تنفصل عن حماية المجتمعات من التطرف، وصيانة المقدسات لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل بموقف مسؤول يرفض الإساءة والتحريض، ويمنع تحويل الخلافات المذهبية إلى أدوات لتمزيق الأمة وإضعاف دولها.

ومن أخطر المرويات المرتبطة بهذه التصورات ما يرد بشأن ظهور “الحجة”، وما يتصل به من حديث عن هدم المساجد، وفي مقدمتها المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وتحكيم السيف في العرب، ونبش قبور الصحابة، والحكم بشريعة آل داود. وترد كذلك مقولات تتحدث عن أن أتباعه سيكونون من العجم ويهود أصفهان، وأنه لن يتبعه عربي واحد. إن هذه المضامين، بما تحمله من دلالات دينية وتاريخية خطيرة، تثير تساؤلات جوهرية حول التصورات التي يمكن أن تغذي التعبئة المتشددة، وحول انعكاساتها على النظرة إلى العرب ومقدسات المسلمين ورموزهم. ولا يمكن فصل خطورة هذه المرويات عن ضرورة دراسة أثرها في الخطاب التعبوي لدى التيارات التي تتبناها، ولا عن مسؤولية مواجهة كل توظيف للعقيدة يبرر العنف أو يمنح مشاريع السيطرة غطاء دينيا، خصوصا حين تتقاطع هذه التصورات مع ممارسات سياسية وعسكرية تهدد أمن المنطقة.

وفي اليمن، تتجلى خطورة المشروع الحوثي في سعيه إلى فرض سلطته بقوة السلاح، وإخضاع المجتمع لإرادته السياسية والفكرية، ومصادرة حق اليمنيين في تقرير مستقبل بلدهم. فالدولة لا تبنى بمنطق الميليشيا، والسيادة لا تستقيم مع وجود قوة مسلحة تنازع المؤسسات الوطنية قرارها، والاستقرار لا يتحقق بإرغام المجتمع على الخضوع لمشروع أحادي. وتتعاظم الأزمة حين تتلقى الجماعة دعما خارجيا يعزز قدراتها ويمكنها من مواصلة المواجهة وتوسيع دائرة التهديد. ومن هنا، فإن استعادة الدولة اليمنية لمؤسساتها وسيادتها ليست شأنا يمنيا داخليا فحسب، بل ضرورة للأمن الإقليمي بأسره. فاليمن المستقر، الذي يمتلك قراره الوطني ويحمي أراضيه من الاستخدام العسكري ضد جيرانه، يشكل ركيزة للأمن العربي، أما تحويله إلى منصة للصواريخ والطائرات المسيرة والضغط السياسي، فيبقي المنطقة رهينة دوامة من التهديد والتصعيد.

ولا يقل المشهد العراقي أهمية عن المشهد اليمني، في ظل وجود فصائل مسلحة ضمن الحشد الشعبي ترتبط بدرجات متفاوتة بمحاور نفوذ إقليمية، وتثير طبيعة بعض هذه الفصائل وأدوارها تساؤلات بشأن استقلال القرار الوطني وحدود سلطة الدولة. فالعراق، بتاريخه ومكانته العربية والإسلامية، يستحق دولة قوية تحتكر السلاح والقرار، وتحمي مصالح شعبها بعيدا عن الولاءات التي تتجاوز حدود الوطن. وليس من الإنصاف اختزال العراق وشعبه في هذه التشكيلات، كما لا يجوز تجاهل مخاطر أي فصيل مسلح يتجاوز مؤسسات الدولة أو يسهم في تهديد أمن الدول الأخرى. إن المطلوب عراق مستقر، مستقل القرار، يحترم سيادة جيرانه، ويمنع استخدام أراضيه ومقدراته في صراعات إقليمية لا تخدم مصالح شعبه. فاستقرار العراق واليمن معا يمثل مصلحة عربية مشتركة، ويحد من قدرة الميليشيات على بناء جبهات متداخلة تهدد أمن المنطقة وتستنزف إمكاناتها.

أما السعودية، فإن استهدافها يحمل أبعادا تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، بالنظر إلى مكانتها الدينية واحتضانها الحرمين الشريفين وثقلها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي. فالمملكة ركيزة أساسية في منظومة الأمن العربي، ويؤثر استقرارها في مصالح ملايين المسلمين، وفي التوازنات الإقليمية، وفي أمن طرق التجارة والطاقة. ولذلك، فإن تهديد أراضيها أو منشآتها أو سكانها لا يجوز التعامل معه باعتباره خلافا محدودا بين أطراف متنافسة، بل يجب النظر إليه في سياق تداعياته على أمن المنطقة وقدرة دولها على حماية سيادتها. إن الدفاع عن المملكة في مواجهة الاعتداءات المسلحة هو دفاع عن حق الدول في حماية شعوبها وصون حدودها، وعن مبدأ يمنع الميليشيات من فرض إرادتها بالقوة. ومن يستهن بخطورة استهداف السعودية يتجاهل حجم التداعيات التي قد تترتب على اختلال الأمن في دولة تحتل هذه المكانة في العالمين العربي والإسلامي.

ومن هنا، تقع على الدول العربية والإسلامية مسؤولية الانتقال من التضامن اللفظي إلى العمل الاستراتيجي المنظم، بما يتناسب مع حجم التهديدات وتطور أدواتها. ويتطلب ذلك تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، وتطوير قدرات الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، ومكافحة تهريب الأسلحة وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة. كما يتطلب تنسيقا دبلوماسيا أكثر فاعلية، وموقفا موحدا يرفض التدخلات التي تقوض سيادة الدول أو تستخدم أراضيها لتهديد جيرانها. وينبغي أن يتكامل ذلك مع دعم الحلول السياسية التي تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة في اليمن والعراق، وتحمي المدنيين، وتفتح الطريق أمام استقرار مستدام. فالمطلوب ليس إشعال صراعات مذهبية جديدة، ولا تحميل الشعوب مسؤولية أفعال الميليشيات، بل بناء منظومة تعاون قادرة على ردع العدوان، وصيانة المقدسات، ومنع تمدد السلاح خارج سلطة الدولة والقانون.

وفي قلب هذه المواجهة، تبرز قيادة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، باعتبارها محورا أساسيا في إدارة الملفات الاستراتيجية للمملكة وحماية مصالحها العليا. فمواجهة التهديدات العابرة للحدود تتطلب رؤية بعيدة المدى، وقرارا سياسيا حازما، وقدرات دفاعية متطورة، وشراكات تعزز موقع الدولة في محيطها الإقليمي والدولي. وتقوم قوة الموقف السعودي على الجمع بين حماية الأمن الوطني، وتطوير أدوات الردع، وتعزيز إمكانات الدولة، وتوسيع مجالات التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة. وإن الرهان على قدرة المملكة على مواجهة التحديات يرتبط باستمرار اليقظة، وتماسك الجبهة الداخلية، وتكامل المؤسسات، والاستعداد للتعامل مع مختلف السيناريوهات. وبإذن الله، فإن السعودية بما تمتلكه من إمكانات سياسية واقتصادية وعسكرية قادرة على حماية أمنها ومقدساتها ومصالحها العليا، وإفشال أي مشروع يسعى إلى إخضاعها أو الانتقاص من سيادتها.

إن الحزم الذي تتطلبه هذه المرحلة لا يقاس بحدة الخطاب وحدها، بل بقدرة الدولة على حماية شعبها، وردع الاعتداءات، ومنع خصومها من فرض وقائع تهدد أمنها واستقرارها. ومن هذا المنطلق، فإن مساندة القيادة السعودية في مواجهة تمدد الميليشيات ينبغي أن تتحول إلى تعاون عملي في مجالات الدفاع وتبادل المعلومات والتنسيق السياسي، لا أن تبقى أسيرة الشعارات والمواقف المؤقتة. كما أن العالم الإسلامي مطالب بألا يسمح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى ذريعة للتخلي عن المملكة، أو إلى مبرر للتقليل من خطورة التهديدات التي تواجهها. فالمصالح المشتركة تفرض موقفا واضحا، والواقع الإقليمي يثبت أن تجاهل الخطر لا يلغيه، وأن ترك التهديدات تتراكم يمنح أصحابها فرصا أوسع لتوسيع نفوذهم. إن قوة الموقف السعودي تزداد فاعلية كلما أحاطت به شراكة عربية وإسلامية جادة تدرك أن أمن المملكة جزء من أمن الجميع.

والمعركة في جوهرها ليست مواجهة بين الشعوب، ولا حربا على عموم أتباع مذهب إسلامي، وإنما هي مواجهة مع التمدد المسلح، وفرض الهيمنة، وتقويض مؤسسات الدولة، وتوظيف العقيدة لتبرير العنف والتدخل في شؤون الآخرين. ومن الخطأ أن يترك أمن السعودية رهينة التجاذبات السياسية، أو أن تختزل التهديدات التي تواجهها في خلافات عابرة لا تستحق موقفا جماعيا. فالمملكة جزء محوري من أمن المنطقة، واستقرارها مصلحة عربية وإسلامية واسعة، وحماية سيادتها تعزز مبدأ أن الدول لا تدار من خارج مؤسساتها، وأن الشعوب لا يجوز إخضاعها لإرادة جماعات مسلحة. كما أن الدفاع عن المقدسات يقتضي موقفا مسؤولا يرفض الإساءة والتحريض، ويواجه التطرف بالوعي والحجة، ويحمي المجتمعات من الانجرار إلى صراعات مذهبية لا يستفيد منها إلا من يسعى إلى إضعاف المنطقة وتفكيك دولها.

وفي المحصلة، فإن السعودية بقيادة محمد بن سلمان تواجه تحديا يتطلب وضوح الرؤية وصلابة القرار وتكامل الجهود العربية والإسلامية. فتمدد الميليشيات المسلحة ليس قدرا محتوما، والتضامن بين الدول ليس شعارا بلا أثر، بل يمكن أن يتحول إلى قوة ردع حقيقية متى استند إلى استراتيجية مشتركة وإرادة سياسية جادة. وعلى الدول الإسلامية أن تدرك أن حماية المملكة تعني حماية مبدأ السيادة، وصون أمن الحرمين الشريفين، وتعزيز استقرار منطقة لا تحتمل مزيدا من الفوضى والتدخلات المسلحة. وستظل مسؤولية المرحلة قائمة على بناء موقف موحد يواجه التهديدات بحزم، ويحمي الشعوب من كلفة الصراعات، ويمنع تحويل المقدسات والأوطان إلى أهداف لمشاريع الهيمنة. فالسعودية بقيادة محمد بن سلمان ليست مجرد دولة تدافع عن حدودها، بل دولة تواجه تحديات تمس أمن المنطقة بأسرها؛ ومن هنا، فإن مساندتها في حماية سيادتها ومقدساتها مسؤولية عربية وإسلامية، تفرضها ضرورات الأمن ومقتضيات الاستقرار ومستقبل المنطقة.

محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى