الذيول العربية.. حين يأكلون من خيرات أوطانهم ويمجدون أسيادهم

قبل قليل، صادفت برنامجا حواريا على قناة المستقلة، فاستوقفتني كلمة لمحاور عربي حر من الأحواز، تحدث بلسان عربي مبين، وبروح رجل يعرف من يكون، ويدرك معنى أن يدافع الإنسان عن قضيته وكرامته وهويته. أعجبتني كلمته، وأعجبني حضوره، لكن إعجابي سرعان ما تحول إلى اشمئزاز حين جاء الدور على الطرف الآخر، فإذا بي أمام نموذج لم أر في حياتي أحط منه خطابا، ولا أكثر منه انحدارا في الخصومة، حتى إنني أعتذر للقذارة نفسها عن استعارة اسمها لوصف ذلك المستوى من الكلام. لم يكن الرجل يناقش بقدر ما كان يفرغ ما في داخله من حقد، ولم يكن يحاور بقدر ما كان يمارس طقسا من الشتائم والانتقاص، وكأن كرامة العرب كلها أصبحت هدفا شخصيا لا يهدأ إلا بالنيل منها.

لم أعرف جنسية ذلك المحاور، وإن كنت أظنه لبنانيا، لكن جنسيته لم تكن هي ما استوقفني، بل تلك الجرأة العجيبة في لعن العرب، وسبهم، ووصفهم بكل قبيح، وكأن الرجل يتحدث عن أمة لا تربطه بها لغة ولا تاريخ ولا هوية. والأغرب أنه يتحدث من موقع من يدعي الانتساب إلى شيعة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ثم يجعل من هذا الانتساب منطلقا للهجوم على العرب، وكأن عليا، الذي كان عربيا هاشميا، يحتاج إلى أن يتنكر المرء لأمته كي يدعي محبته! أي منطق هذا الذي يجعل محبة رجل من عظماء الإسلام مبررا لبغض العرب، وأي عقل هذا الذي يخلط بين الانتماء المذهبي والعداء لشعب كامل؟ لقد بدا لي أن الرجل لم يكتف بالتخلي عن الاعتزاز بهويته، بل أراد أن يجعل من ازدراء العرب وسيلة يتقرب بها إلى الجهة التي يمجدها.

ولم تسلم من لسانه القذر دولة عربية، ولا أمير عربي، ولا الجامعة العربية، ولا منظمة المؤتمر الإسلامي؛ فقد نصب نفسه قاضيا على الجميع، وأطلق أحكامه وكأن كل ما هو عربي لا يستحق إلا اللعن والتحقير. ثم مضى يستحضر يزيد بن معاوية، رحمه الله، في سياق الانتقاص من محاوره، وكأن التاريخ الإسلامي لم يعد في نظره إلا مخزنا للأسماء والوقائع التي ينتقي منها ما يخدم حقده ويغذي خصومته. لقد اجتمعت في ذلك المشهد كل ملامح الذيل الذي لا يرى في أمته إلا العيوب، ولا يجد في تاريخها إلا ما يثيره للسخرية، ولا يعرف من لغة الحوار إلا ما يستطيع أن يحوله إلى سلاح ضد أبناء جلدته. وما أكثر هؤلاء الذين يظنون أن احتقار العرب يمنحهم مكانة لدى الآخرين، وأن الإساءة إلى أوطانهم شهادة إخلاص يقدمونها إلى أسيادهم!

أما إيران، فكان لها نصيب آخر من الخطاب؛ تمجيد ورفع وتعظيم، وكأنها دولة فوق النقد، وكأن سياساتها لا تعرف الخطأ، وكأنها وحدها صاحبة الحكمة والفضل، فيما العرب جميعا، دولا وشعوبا وقادة، لا يستحقون في قاموس ذلك المحاور سوى الإهانة. هنا تتضح صورة الذيل العربي في أبشع تجلياتها: يرفع رأسه حين يتحدث عن أسياده، ويخفضه حين يتحدث عن أمته، ويستأسد على العرب بلسان طويل، ثم يتحول إلى مخلوق شديد التهذيب كلما تعلق الأمر بمن يسبغ عليهم ألقاب العظمة والقداسة. إنه لا يرى في إيران دولة لها مصالح وأطماع وحسابات، بل يرى فيها سيدا ينبغي تمجيده، ولا يرى في العرب شعوبا لها تاريخ وكرامة وحقوق، بل قطيعا مباحا للشتائم. وهذه ليست محبة لإيران، بل عبودية سياسية تتخفى وراء شعارات المذهب والعقيدة.

وتذكرت في تلك اللحظة المقولة المنسوبة إلى المهاتما غاندي: “متى يفقد الإنسان شرفه؟ عندما يأكل من خيرات بلده وينتمي إلى بلد آخر”. ولعل هذه العبارة، بصرف النظر عن صحة نسبتها، تختصر حال الذيول العربية الذين يأكلون من خيرات أوطانهم، وينعمون بأمنها، ويتحدثون بلغتها، ثم يجعلون ولاءهم الأول والأخير لإيران، ويدافعون عن سياساتها بحماسة لا يعرفون مثلها حين يتعلق الأمر بكرامة بلدانهم. إنهم يريدون من أوطانهم أن تمنحهم كل شيء، لكنهم لا يرون أنفسهم ملزمين بمنحها ذرة من الوفاء؛ يأخذون من الوطن ما يحتاجون إليه، ثم يردون الجميل طعنا وشتائم وتحقيرا، ويحسبون أن ذلك كله بطولة فكرية وموقف مبدئي!

إن الذيل العربي ليس مجرد شخص يحب دولة أخرى أو يؤيد سياستها، بل هو ذلك الذي يفقد ميزانه حين يتعلق الأمر بأسياده، فيرى في أخطائهم حكمة، وفي تجاوزاتهم ضرورة، وفي مطامعهم حقا مشروعا، بينما لا يرى في أمته إلا الفشل والانحطاط والفساد. إنه ذلك الذي يستخرج من التاريخ ألف حجة لإدانة العرب، لكنه يعجز عن العثور على حجة واحدة لمساءلة من يمجدهم؛ يفتح فمه على اتساعه حين يهاجم بلاده، ثم يبتلع لسانه حين تكون الحقيقة موجعة لأسياده. وإذا كان الإنسان يعرف بمواقفه في لحظات الاختبار، فإن هؤلاء يكشفون حقيقتهم كلما وضعوا أمام خيار بين كرامة أوطانهم ورضا الجهة التي يوالونها؛ عندها تسقط الشعارات، وتنكشف الوجوه، ويظهر الذيل على حقيقته، مهما ارتدى من ثياب الثقافة والمعرفة، ومهما تذرع بالدين والمذهب والتاريخ.

والمثير للسخرية أن بعض هؤلاء يتصرفون وكأنهم أوصياء على العرب، يوزعون عليهم شهادات التخلف والانحطاط، ويمنحون الآخرين أوسمة العظمة والحكمة، بينما لا يملكون من الاستقلال إلا الاسم، ولا من الكرامة إلا ما يسمح لهم به أسيادهم. يظنون أن كثرة الشتائم تجعلهم أكثر شجاعة، وأن المبالغة في إهانة أبناء جلدتهم ترفع أسهمهم في سوق الولاءات، وأن التماهي مع خطاب إيران يمنحهم منزلة لا يستطيعون بلوغها بجهدهم أو فكرهم. لكن الحقيقة أبسط من كل هذا الادعاء: إن الذي يحتقر قومه لإرضاء غيرهم لا يصبح عظيما في أعينهم، بل يثبت لهم أنه مستعد للتخلي عن كل شيء مقابل الرضا والقبول. ومن يبيع كرامة أهله بهذه السهولة لا يملك من الشرف ما يؤهله للتباهي بمواقفه، مهما رفع صوته ومهما طال لسانه.

إن العرب ليسوا ملائكة، ودولهم ليست معصومة، وقادتهم ليسوا فوق النقد؛ لكن هذا كله لا يمنح أحدا الحق في تحويل العداء السياسي إلى كراهية عمياء لأمة كاملة، ولا يجعل من سب العرب والتقرب إلى إيران بطولة تستحق التصفيق. إننا أمام قوم لا يكتفون بمخالفة أوطانهم، بل يتلذذون بإهانتها، ولا يكتفون بتأييد أسيادهم، بل يبالغون في تمجيدهم إلى حد إلغاء عقولهم وكرامتهم. إنهم لا يريدون إصلاح العرب، ولا يهمهم أن ينهضوا أو يتراجعوا؛ كل ما يعنيهم أن يثبتوا ولاءهم للجهة التي اختاروها، ولو كان الثمن أن يصبحوا أبواقا تردد ما يملى عليها، وألسنة مسمومة لا تجد ما تتغذى عليه إلا أعراض العرب وكرامتهم وتاريخهم.

وأما ذلك المحاور الذي شاهدته، فقد ترك في نفسي انطباعا لا أستطيع تجميله ولا أرغب في تخفيف حدته؛ رأيت فيه صورة منفرة للذيل العربي الذي يرفع أسياده إلى السماء، ويدفن أمته تحت أقدامه، ويحسب أن احتقار العرب سيمنحه قيمة إضافية. لا أعرف من يكون، ولا أحتاج إلى معرفة جنسيته كي أقول إن ما سمعته كان سقوطا أخلاقيا مدويا، وإن ما أظهره من عداء للعرب وتمجيد لإيران يستحق الإدانة الصريحة بلا مواربة. لقد أثبت ذلك المشهد، مرة أخرى، أن أسوأ ما يمكن أن يبتلى به شعب ليس خصما يعلن عداوته، بل ذيل يتحدث بلسانه، ويحمل اسمه، ويعيش على خيراته، ثم ينقلب عليه في أول فرصة، متوهما أن خيانة الانتماء نوع من الذكاء السياسي.

وفي الختام، سأقولها كما أراها، بلا رتوش ولا مجاملة ولا محاولة لتلطيف العبارة: إن أقذر كائن على وجه الأرض هو الذيل العربي الذي يأكل من خيرات وطنه، ثم يلعن أهله، ويمجد أسياده، ويبيع كرامته في سوق الولاءات. ليس لأنه أحب إيران أو أيد غيرها، بل لأنه جعل من هذا الحب ذريعة لاحتقار أمته، ومن ذلك التأييد مبررا للتخلي عن كرامته، ومن الشتائم وسيلة لإثبات إخلاصه لمن يرفعهم فوق رأسه. إن اختلاف الإنسان مع وطنه لا يسقط شرفه، لكن أن يتحول إلى سوط يجلد به قومه، ولسان يلعن به أهله، وبوق يردد به مواقف أسياده، فذلك هو الدرك الذي لا يليق بإنسان يحترم نفسه. وسيظل الذيل ذيلا، مهما رفع صوته، ومهما ادعى العلم والثقافة، ومهما أكثر من التظاهر بالشجاعة؛ لأن الكرامة لا تستعار، والولاء لا يشترى بالشعارات، ومن لا يملك الشجاعة ليكون سيد نفسه، سيظل تابعا مهما حاول إقناع العالم بأنه صاحب قضية.

محمد سالم المختار الشيخ 🇲🇷

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى