في الطائف كان الختام.. الحدث ميديا تودع رحلة ضيوف خادم الحرمين بامتنان وذكريات لا تنسى

بعد صلاة الظهر في رحاب المسجد الحرام، وفي أجواء يختلط فيها شرف المكان بجمال المناسبة، شددنا الرحال اليوم من مكة المكرمة صوب مدينة الطائف، في رحلة برية تمتد لنحو 120 كيلومترا، لكنها اختزلت في تفاصيلها الكثير من الجمال والكرم وحسن التنظيم. كانت هذه الرحلة محطة الختام لبرنامج حافل، نظمته وزارة الحج والعمرة، بإشراف وتنظيم الأمانة العامة لبرنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة، ضمن الدفعة الثالثة، في مبادرة تعكس عمق عناية المملكة بضيوف الرحمن، وحرصها على أن لا تقتصر زيارتهم على أداء المناسك، بل تمتد لتكون تجربة متكاملة تجمع بين العبادة والمعرفة والتكريم واكتشاف معالم المملكة.
كانت الطائف، المدينة الحالمة التي تعانق جبالها السحاب، وجهتنا في هذه المحطة الأخيرة. وما إن بدأت ملامحها تظهر حتى تبدلت تفاصيل المشهد؛ جبال شاهقة، وطرقات تتلوى بين المرتفعات والمنحدرات، وإطلالات واسعة تمنح العين متعة لا تنتهي. وكان الهدا، بما يحمله من طبيعة آسرة وموقع فريد، أحد أبرز محطاتنا، حيث عشنا تجربة تلفريك الهدا، تلك التجربة التي يصعب وصفها بالكلمات وحدها. أن ترى الجبال من عل، والطريق يمتد بعيدا تحتك، والمدينة تبدو في لوحة واسعة، هو أمر يترك في النفس أثرا لا يمحى. وبالنسبة لي، كانت تجربة ركوب التلفريك واحدة من أجمل التجارب التي عشتها، وربما من تلك اللحظات النادرة التي لا تنتهي بانتهاء الرحلة، بل تظل معلقة في الذاكرة زمنا طويلا.
ولم تكن زيارة الطائف مجرد جولة في معالم سياحية، وإنما كانت جزءا من رؤية متكاملة أراد من خلالها القائمون على البرنامج أن يودعوا ضيوف خادم الحرمين الشريفين بطريقة تليق بمكانتهم وبالرحلة التي عاشوها منذ وصولهم إلى المملكة. فقد تخللت الزيارة لحظات تكريم للضيوف، وتوزيع الهدايا عليهم، في مشهد حمل الكثير من معاني الوفاء والتقدير. كما أُتيحت لممثلي المجموعات فرصة الحديث عن تجربتهم وانطباعاتهم، فكانت الكلمات التي قيلت صادقة وعفوية، لأنها خرجت من قلوب عاشت الرحلة بكل تفاصيلها، واكتشفت أن أجمل ما في السفر ليس فقط ما تراه العين، وإنما ما يتركه الناس في القلب من أثر.
ومن المحطات التي أضفت إلى رحلتنا بعدا ثقافيا ومعرفيا مميزا، زيارتنا لمعرض “القوة السعودية”، حيث تعرفنا على نماذج وصور متعددة من مسيرة المملكة وما حققته من إنجازات في مجالات مختلفة. وقد قدم المعرض للزائر صورة غنية عن المملكة، تجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر وطموح المستقبل، وتبرز ما تتمتع به من إمكانات وخبرات وتجارب جعلت منها نموذجا حاضرا بقوة في مختلف مسارات التنمية والإنجاز. وكانت الزيارة فرصة أخرى لاكتشاف جانب من جوانب المملكة التي ربما لا يراها الزائر في جولته التقليدية، فكل محطة في هذه الرحلة كانت تفتح أمامنا نافذة جديدة على بلد واسع التجربة، متنوع المقومات، سريع الخطى نحو المستقبل.
لكن الطائف لم تكن سوى الفصل الأخير في قصة رحلة بدأت من نواكشوط يوم الثاني من سبتمبر، حين غادرنا العاصمة الموريتانية باتجاه إسطنبول، ومنها إلى المدينة المنورة، حيث كان الوصول إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة لا تشبهها لحظة أخرى. أمضينا أياما في رحاب المدينة، وصلينا في المسجد النبوي الشريف، ونلنا شرف السلام على الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى صاحبيه أبي بكر الصديق والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وأرضاهما. وكانت زيارة المدينة درسا في السكينة، ومشهدا من مشاهد الروح التي يصعب أن تختصرها الكلمات، لأن بعض الأماكن لا تزورها فقط، وإنما تسكن شيئا منك بعد مغادرتها.
وفي المدينة المنورة، لم تتوقف رحلتنا عند المسجد النبوي، بل امتدت إلى عدد من معالمها التاريخية والدينية، فزرنا مقبرة شهداء أحد، واستحضرنا صفحات من سيرة أولئك الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله، كما زرنا مصنع طباعة المصحف الشريف، وشاهدنا جانبا من الجهد الكبير المبذول في خدمة كتاب الله والعناية به. وكانت لنا كذلك زيارة لمسجد قباء، أول مسجد أسس على التقوى، والبقيع الذي يحمل بين جنباته ذاكرة عميقة من تاريخ الإسلام ورجاله، فكانت كل محطة تضيف إلى الرحلة معنى جديدا، وتمنحها بعدا يتجاوز السياحة إلى المعرفة واستحضار التاريخ.
وبعد أيام عامرة في المدينة المنورة، اتجهنا إلى مكة المكرمة، في رحلة طويلة لكنها كانت مريحة ومنظمة، حتى وصلنا إلى البلد الحرام. وهناك كانت اللحظة التي من أجلها جاءت الرحلة في أصلها: أداء مناسك العمرة. بين جنبات المسجد الحرام، وفي مشهد تذوب فيه الفوارق بين الناس، وقفنا أمام الكعبة المشرفة، وأدينا مناسك العمرة، وكانت تلك الساعات من أعمق محطات الرحلة وأشدها حضورا في الوجدان. وبعد أداء المناسك، واصلنا برنامجنا في مكة بزيارة عدد من معالمها، ومنها مصنع كسوة الكعبة المشرفة، وحي حراء الثقافي، لتكتمل صورة المدينة في وجداننا بين قداسة المكان، وعبق التاريخ، وروح التطور التي تشهدها المملكة.
وهكذا جاءت رحلتنا اليوم إلى الطائف بمثابة الفصل الأخير من برنامج طويل، جمع بين العبادة والزيارة والثقافة والتكريم. فمن المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، ومن المسجد النبوي إلى المسجد الحرام، ومن قباء وأحد والبقيع إلى كسوة الكعبة وحراء، ثم إلى جبال الطائف وتلفريك الهدا، كانت الرحلة تتنقل بنا من محطة إلى أخرى، وفي كل محطة كانت المملكة تقدم لنا صورة مختلفة من صورها؛ صورة البلد الذي يستقبل ضيوفه بالعناية، ويفتح لهم أبواب المعرفة، ويحرص على أن يغادروا وهم يحملون في ذاكرتهم أجمل الانطباعات.
ومن المقرر، بإذن الله، أن نغادر غدا الحادي عشر من سبتمبر، عبر مدينة جدة، على متن الخطوط الملكية المغربية، في طريق العودة إلى وجهتنا الأولى، العاصمة نواكشوط. وستكون لنا في طريق العودة وقفة قصيرة في العاصمة الاقتصادية للمغرب، الدار البيضاء، قبل أن نواصل الرحلة إلى الوطن. وبينما نتهيأ للمغادرة، نشعر أن الرحلة انتهت من حيث البرنامج، لكنها لن تنتهي في الذاكرة؛ فهناك رحلات تنتهي بمجرد الوصول إلى المطار، وهناك رحلات تبدأ حقيقتها بعد العودة، حين تستعيد تفاصيلها في الذاكرة وتدرك حجم النعمة التي عشتها.
وفي ختام هذه الزيارة المباركة، وباسمي وباسم إدارة وعمال “الحدث ميديا”، أتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير والامتنان إلى قيادة المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، على إتاحة هذه الفرصة الكريمة، وعلى ما يبذلانه من عناية بضيوف الرحمن، وما تقدمه المملكة من جهود كبيرة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما. إن مثل هذه المبادرات لا تقاس فقط بعدد المستفيدين منها، وإنما بما تتركه في نفوس ضيوفها من مشاعر امتنان وذكريات ستظل حاضرة مهما ابتعدت المسافات.
كما أجدد شكري وعرفاني بالجميل لسعادة سفير المملكة العربية السعودية في نواكشوط، الدكتور عبد العزيز الرقابي، الذي يعود إليه الفضل، بعد الله تعالى، في وجودي ضمن هذه الرحلة المباركة. وهي مناسبة أقول فيها إن بعض الأشخاص لا يكون حضورهم في حياتنا مجرد حضور عابر، بل يكونون سببا في فتح أبواب لم نكن نتوقع أن تفتح لنا، ومن بينها باب هذه الرحلة التي حملت لنا من المعاني والذكريات ما يفوق حدود الزيارة العادية. فله مني ومن أسرة “الحدث ميديا” خالص الشكر وعظيم التقدير.
والشكر موصول إلى جميع القائمين على برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين، الذين رافقونا منذ وصولنا إلى المدينة المنورة وحتى ختام رحلتنا في الطائف، وعملوا بإخلاص ومهنية، وأظهروا من حسن التعامل وكرم الأخلاق ما جعل الرحلة أكثر سهولة وجمالا. لقد لمسنا في كل محطة مستوى عاليا من التنظيم والعناية، وشعرنا أن وراء هذا البرنامج رجالا ونساء يؤمنون بأن خدمة الضيف مسؤولية، وأن حسن الاستقبال ليس إجراء بروتوكوليا، وإنما قيمة أصيلة تظهر في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.
لقد حرصنا طوال هذه الرحلة أن تكون “الحدث ميديا” عينكم التي ترافقكم محطة بمحطة، وأن ننقل لكم تفاصيلها وملامحها بكل أمانة، من أجواء المدينة المنورة وسكينة المسجد النبوي، إلى رحاب مكة المكرمة وقدسية المسجد الحرام، ومن المعالم التي تحفظ ذاكرة المكان إلى مشاهد التطور التي ترسم ملامح المستقبل، وصولا إلى الطائف، حيث الجبال والهدا والتلفريك، وحيث كانت لنا واحدة من أجمل لحظات الرحلة وأكثرها رسوخا في الذاكرة. وقد سعينا إلى أن نضع القارئ في قلب المشهد، وأن نقدم له صورة متكاملة عن هذه الرحلة المباركة، بما حملته من لحظات إيمانية، وتجارب إنسانية، ومحطات ثقافية وسياحية. ونتمنى أن نكون قد وفقنا في هذه المهمة، وأن نكون قد نقلنا إليكم روح الرحلة كما عشناها، بكل ما حملته من جمال وامتنان وذكريات ستبقى حاضرة في الذاكرة.
أما نحن، فنغادر المملكة غدا وقلوبنا مثقلة بالامتنان، وذاكرتنا مزدحمة بالصور، وأرواحنا تحمل شيئا من سكينة المدينة وهيبة مكة وجمال الطائف. نغادر، لكننا نترك جزءا منا هنا؛ في سلام ألقيناه على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي دعوات رفعناها عند الكعبة، وفي لحظات تأمل عشناها بين جبال الطائف، وفي وجوه أناس أحسنوا استقبالنا ورافقونا بكل محبة واقتدار.
هكذا تنتهي الرحلة على الورق، لكنها لا تنتهي في القلب. من نواكشوط إلى إسطنبول، ومن إسطنبول إلى المدينة المنورة، ومن المدينة إلى مكة المكرمة، ثم إلى الطائف، قطعنا آلاف الكيلومترات، لكن أجمل ما قطعناه كان تلك المسافة التي تقطعها الروح بين لحظة الوصول ولحظة الوداع. رحلة بدأت بخطوة من الوطن، وانتهت بذكريات ستبقى معنا طويلا. ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله في لحظة الختام: شكرا للمملكة العربية السعودية، شكرا لكل من صنع لنا هذه الرحلة، وشكرا لكل لحظة جميلة عشناها في هذه الأرض المباركة.
غدا نعود إلى نواكشوط، لكننا لن نعود كما جئنا؛ سنعود ومعنا حكاية، وصور، وذكريات، ودعوات، وتجربة ستظل كلما استعدناها تقول لنا إن بعض الرحلات لا تقاس بالمسافة التي قطعتها، وإنما بالأثر الذي تركته في القلب.
مراد أحمد/الطائف






