الحدث ميديا من قلب مصنع كسوة الكعبة المشرفة.. جولة في رحاب الإتقان والعناية ببيت الله الحرام

بعد انتهائنا ليلة البارحة من أداء مناسك العمرة، أنا وبقية ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة، من موريتانيين ومن جنسيات مختلفة، كان صباح اليوم يحمل لنا موعدا آخر مع واحد من أكثر الأماكن ارتباطا بوجدان المسلمين وهيبة في نفوسهم؛ فقد توجهنا إلى مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة في حي أم الجود بمدينة مكة المكرمة، حيث لا تصنع قطعة قماش عادية، وإنما تنسج هناك حكاية سنوية من الإتقان والعناية والوفاء لبيت الله الحرام. ومنذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها أقدامنا هذا الصرح، بدا واضحا أننا أمام تجربة تتجاوز مفهوم الزيارة التقليدية؛ فالمكان بكل تفاصيله يروي كيف تحولت خدمة الكعبة المشرفة إلى منظومة متكاملة تجمع بين أصالة الحرفة، ودقة الصناعة، وحداثة التنظيم، وتراكم الخبرة التي انتقلت جيلا بعد جيل، حتى أصبحت كسوة الكعبة اليوم واحدة من أرقى مظاهر العناية التي تحظى بها المقدسات الإسلامية.
وكم أدهشنا ما رأيناه من مستوى رفيع في التنظيم والدقة والعناية بأدق التفاصيل؛ فكل شيء في المجمع يبدو وكأنه يؤدي وظيفة واحدة في منظومة متكاملة، من الخيط الأول إلى آخر غرزة، ومن مرحلة إعداد الحرير إلى مراحل النسيج والطباعة والتطريز والمذهبات والخياطة والتجميع. واللافت أن هذا المستوى من الإتقان لا يمكن قراءته باعتباره مجرد نجاح صناعي أو حرفي، وإنما هو في جوهره تعبير عن اهتمام القيادة السعودية الرشيدة بكل ما له علاقة بالحرمين الشريفين، وحرصها على أن تكون خدمة بيت الله الحرام والمسجد النبوي في أعلى مستويات الجودة والعناية، بما يليق بمكانتهما في قلوب المسلمين في مختلف أنحاء العالم. فحين تكون الوجهة هي الكعبة المشرفة، لا يعود الإتقان خيارا، ولا تصبح الجودة مجرد معيار مهني، بل تتحول إلى مسؤولية معنوية وتاريخية تتطلب أن يكون كل تفصيل في مستوى شرف المكان.
تجولنا في أقسام المجمع المختلفة، ووقفنا على مراحل صناعة الكسوة التي تبدأ من أعمال النسيج ولا تنتهي إلا بعد اكتمال ذلك الثوب المهيب الذي سيكسو الكعبة المشرفة عاما كاملا. وشاهدنا كيف تجتمع الآلة الحديثة مع اليد الماهرة، وكيف تتجاور التقنية مع الحرفة التقليدية في مشهد يؤكد أن التطور الحقيقي ليس في إلغاء التراث، وإنما في تطويره وحمايته ومنحه أدوات جديدة للاستمرار. ففي أقسام النسيج الآلي واليدوي والمصبغة والطباعة والحزام والمذهبات والخياطة والتجميع، تبدو الكسوة وكأنها تمر برحلة متكاملة، لكل مرحلة فيها أهلها وخبراؤها، ولكل غرزة حسابها، ولكل نقش مكانه، ولكل حرف قدسيته.
ولعل أجمل ما في هذه الجولة أن الزائر لا يرى في المجمع مجرد آلات وخيوط وأقمشة، بل يرى وراء كل ذلك تاريخا طويلا من العناية بكسوة الكعبة المشرفة. فقد بدأت قصة صناعة الكسوة في العهد السعودي بأمر الملك عبدالعزيز آل سعود بإنشاء أول دار لصناعة كسوة الكعبة في منطقة أجياد بمكة المكرمة عام 1346هـ الموافق 1927م، ثم انتقلت الصناعة إلى حي جرول عام 1382هـ الموافق 1962م، قبل أن تستقر في مبناها الحالي بحي أم الجود الذي افتتح عام 1397هـ الموافق 1977م. وفي عام 1438هـ الموافق 2017م صدر التوجيه الملكي من الملك سلمان بن عبدالعزيز بتغيير مسمى المصنع ليصبح “مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة”، وهو اسم يعكس اتساع المهمة وتطورها، ويختصر مسيرة طويلة من العمل المتواصل في خدمة كسوة أطهر بقاع الأرض.
ومن التفاصيل التي تجعل الزائر يدرك ضخامة المهمة أن صناعة الكسوة ليست عملا سريعا أو عملية إنتاج تقليدية، وإنما مشروع دقيق يمتد لأشهر، ويشارك فيه نحو مئتي فني وإداري من أصحاب الخبرة والمهارة. ويستهلك في صناعة الكسوة نحو 670 كيلوغراما من الحرير الطبيعي المصبوغ باللون الأسود، إلى جانب ما بين 120 و150 كيلوغراما من أسلاك الذهب والفضة المستخدمة في تطريز الآيات القرآنية، فيما يبلغ الوزن الإجمالي للثوب نحو 850 كيلوغراما، وتستغرق صناعته عادة ما بين ستة وعشرة أشهر. وحين تسمع هذه الأرقام ثم ترى بأم عينيك تفاصيل العمل، تدرك أن الكسوة التي تبدو للناظر من بعيد ثوبا أسود يلف الكعبة، تختزن وراء ظاهرها رحلة طويلة من العمل والصبر والدقة والمهارة، وأن كل جزء منها يحمل قصة جهد بشري كبير تلتقي فيه الصناعة بالفن، وتلتقي فيه الحرفة بالعبادة، وتلتقي فيه الخبرة البشرية مع شرف المقصد.
وفي أروقة المجمع، كان لافتا كذلك ذلك الحضور القوي للخط العربي والزخرفة الإسلامية، حيث لا يبدو التطريز مجرد إضافة جمالية إلى الكسوة، بل جزءاً أصيلاً من هويتها البصرية والروحية. الذهب والفضة هنا لا يستخدمان لمجرد إضفاء الفخامة، وإنما لتشكيل عبارات وآيات قرآنية تظل حاضرة أمام ملايين المسلمين الذين تطوف قلوبهم قبل أجسادهم حول البيت العتيق. وفي هذه التفاصيل تحديدا، يشعر الزائر أن ما يصنع داخل المجمع ليس منتجا تجاريا يمكن اختزاله في تكلفة ووزن ومدة إنتاج، وإنما أثر رمزي بالغ الخصوصية، تتعلق به مشاعر أكثر من ملياري مسلم، وتلتقي عنده ذاكرة الأمة وعقيدتها ووجدانها.
وإذا كانت الكسوة تستبدل سنويا في غرة شهر محرم من كل عام هجري، فإن هذا الموعد السنوي يختصر دورة كاملة من العمل تبدأ قبل ذلك بأشهر طويلة، وتبلغ ذروتها حين تصبح الكسوة جاهزة لتؤدي مهمتها في إلباس الكعبة المشرفة ثوبها الجديد. إنها دورة عمل لا تعرف الترف ولا الاستعراض، لأن النتيجة النهائية ليست معرضا يغلق أبوابه، ولا منتجا يوضع على رف، وإنما كسوة لبيت الله الحرام، وهو ما يفسر تلك العناية الاستثنائية بكل مرحلة من مراحل تصنيعها.
وقد خرجنا من هذه الجولة بانطباع يتجاوز ما رأيناه من جمال الكسوة وروعة صناعتها؛ خرجنا بصورة أوسع عن معنى خدمة الحرمين الشريفين في المملكة العربية السعودية، وعن حجم العناية التي تحيط بكل ما يتصل بهما. فالاهتمام هنا لا يظهر في المشاريع الكبرى والبنية التحتية والخدمات المقدمة لملايين الحجاج والمعتمرين فحسب، بل يظهر أيضا في تفاصيل قد لا يراها الجمهور عادة؛ في يد الحرفي التي تمسك بالخيط، وفي عين الفني التي تراجع النقش، وفي ماكينة النسيج التي تعمل بدقة، وفي ورش التطريز التي تستقبل الحرير والذهب لتعيد صياغتهما في ثوب يليق بالكعبة المشرفة. إنها منظومة متكاملة تقول، بصمت أكثر بلاغة من الكلام، إن خدمة الحرمين الشريفين مشروع مستمر، وإن العناية بهما مسؤولية تتجدد كل يوم.
وبالنسبة لنا، نحن ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة، كانت هذه الجولة امتدادا لمعنى الرحلة نفسها؛ فبعد أن وقفنا أمام الكعبة معتمرين، وجدنا أنفسنا في اليوم التالي أمام المكان الذي تصنع فيه الكسوة التي ستظل شاهدة على تعظيم المسلمين لبيت الله الحرام. وبين المشهدين مسافة قصيرة في المكان، لكنها عميقة في المعنى: هناك طائفون وداعون، وهنا صناع وفنيون، وهناك قلوب تتجه إلى الكعبة، وهنا أياد تعمل من أجل ثوبها. وفي الحالتين يلتقي الجميع عند معنى واحد هو تعظيم شعائر الله وخدمة ضيوف الرحمن والعناية بالمقدسات التي تتعلق بها أفئدة المسلمين.
ومن موقعنا كـ”الحدث ميديا” الموريتاني، حرصنا خلال هذه الزيارة على ألا نكتفي بنقل المشهد كما تراه العين، بل أن ننقل شيئا من معناه كما تلمسه الروح؛ فهذه ليست مجرد جولة صحفية في منشأة صناعية، وإنما فرصة للاقتراب من جزء من تاريخ مكة المعاصر، ومن منظومة عمل ضخمة تقف خلف أحد أكثر الرموز قداسة في العالم الإسلامي. ولعل قيمة الصحافة الميدانية تكمن تحديدا في أن تنقل للقارئ ما لم تتح له فرصة رؤيته، وأن تفتح له نافذة على أماكن لا يدخلها كل يوم، وتضع أمامه التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في الصورة، لكنها كبيرة في الدلالة.
وبعد هذه الجولة المميزة في مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة، توجهنا إلى محطة أخرى لا تقل أهمية في برنامج زيارتنا، هي معرض حي حراء الثقافي، حيث انتقلنا من قصة كسوة البيت الحرام إلى فضاء آخر شديد الصلة بتاريخ الوحي والسيرة النبوية. ولأهمية هذا المعرض وما يقدمه من تجربة معرفية وثقافية ثرية، سنخصص له مقالا خاصا ضمن هذه التغطية الحصرية التي تنقلها “الحدث ميديا” من مكة المكرمة، لنواصل معكم رحلة الوقوف على بعض من التفاصيل والمشاهد التي لا تكتمل صورة هذه الزيارة المباركة إلا بها.
مراد أحمد/مكة المكرمة





