الحدث ميديا توثق من مكة.. حي حراء الثقافي يأسر ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين

في مكة المكرمة، لا تنتهي الحكاية عند حدود المشهد الذي تراه العين، فكل طريق فيها يقود إلى ذاكرة، وكل معلم يفتح نافذة على فصل من تاريخ الإسلام، وكل خطوة في رحابها تحمل للزائر معنى يتجاوز المكان إلى ما تختزنه الأرض من قداسة وأحداث خالدة. ومن هذا المعنى جاءت جولتنا الثانية اليوم، ضمن برنامج حافل بالمحطات الإيمانية والثقافية، كان موعدنا فيه مع واحد من أبرز المعالم التي تجمع بين عراقة التاريخ وروعة الحاضر؛ حي حراء الثقافي، عند سفح جبل النور، في تجربة تركت في نفوسنا وفي نفوس ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين للعمرة والزيارة انطباعات يصعب اختصارها في كلمات.
بدأت الجولة صباح اليوم من مصنع كسوة الكعبة المشرفة، حيث وقفنا أمام واحدة من أبهى صور العناية التي توليها المملكة العربية السعودية للحرمين الشريفين، وشاهدنا عن قرب رحلة الكسوة منذ مراحل إعدادها الأولى إلى أن تكتمل في صورتها التي تليق بأقدس بيت على وجه الأرض. هناك، لا يعود النسيج مجرد خيوط حرير، ولا تتحول الكتابة المطرزة إلى مجرد زخرفة، بل يصبح كل خيط وكل حرف وكل مرحلة من مراحل العمل شاهدا على عناية استثنائية بتاريخ طويل من الخدمة والعناية والوفاء لبيت الله الحرام.
ومن مصنع الكسوة، حملتنا الجولة إلى وجهة أخرى لا تقل حضورا وإبهارا؛ إلى حي حراء الثقافي، عند سفح جبل النور، حيث يقف المكان على تخوم واحدة من أعظم اللحظات في تاريخ البشرية؛ اللحظة التي ارتبطت ببداية نزول الوحي، حين كان غار حراء شاهدا على انطلاق نور الرسالة المحمدية التي غيرت وجه التاريخ، وأخرجت الناس من ظلمات الجهل إلى نور التوحيد والهداية.
ومنذ أن تطأ قدماك حي حراء الثقافي، تشعر أنك أمام مشروع لا يكتفي بأن يروي التاريخ، وإنما يسعى إلى تقديمه بطريقة تجعل الزائر يعيش تفاصيله ويتأمل معانيه. مساحة تتجاوز 67 ألف متر مربع، تتوزع فيها مرافق ثقافية ومعرفية وسياحية متكاملة، في تناغم لافت بين قدسية المكان وحداثة العرض، وبين الجبل الذي يحمل ذاكرة الوحي، والتقنيات الحديثة التي تستعيد أمام الزائر صفحات من تلك الذاكرة بصورة مؤثرة ومدهشة.
وفي قلب هذه التجربة يأتي معرض الوحي، بما يقدمه من سرد معرفي وتاريخي لقصة الوحي على الأنبياء، مع مساحة مخصصة لقصة نزوله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة، وموقف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، في تجربة تعتمد على الوسائط السمعية والبصرية والتقنيات التفاعلية، فتجعل المعلومة أقرب إلى القلب والعين معا، وتمنح الزائر فرصة للتأمل في عظمة الرسالة التي بدأت من هذا المكان.
ثم يأخذك المسار إلى متحف القرآن الكريم، حيث لا ترى كتاب الله تعالى بوصفه نصا يقرأ فحسب، وإنما تقترب من تاريخه، ومراحل تدوينه، ومكانته في حياة المسلمين، وانتشاره في أرجاء العالم، من خلال مخطوطات ومعروضات وتقنيات عرض حديثة تجمع بين المعرفة والإبهار. وإلى جوار ذلك تأتي المكتبة الثقافية بما تضمه من كتب ومراجع حول مكة المكرمة والمدينة المنورة والسيرة النبوية وتاريخ جبل النور، فيما تمنح حديقة حراء ومساحاتها المفتوحة للزائر فرصة للجلوس والتأمل واستحضار المعاني التي يصعب أن تختزل في الكلمات.
ولم يتوقف الإبهار عند الجانب المعرفي؛ فالحي يقدم كذلك مرافق متنوعة تجعل التجربة أكثر تكاملا، من النزل الجبلية المطلة على جبل النور، إلى المطاعم والمقاهي والمتاجر، وصولا إلى متحف القهوة السعودية الذي يستعرض جانبا من الثقافة السعودية وعاداتها وطرق إعداد القهوة وأدواتها في مختلف مناطق المملكة. كما يتيح المشروع للزوار الصعود إلى غار حراء عبر مسارات مهيأة ومنظمة، تتضمن اللوحات الإرشادية وأماكن الاستراحة ووسائل السلامة، لتتحول زيارة الموقع التاريخي إلى تجربة أكثر سهولة وتنظيما وأمانا.
ولعل أكثر ما يمكن أن يقال عن انطباعاتنا، نحن ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين، أن الكلمات بدت في كثير من اللحظات عاجزة عن ملاحقة حجم الدهشة. كانت هناك دهشة أمام دقة التفاصيل، وإعجاب بطريقة تقديم التاريخ، وانبهار بحجم الجهد المبذول في تحويل موقع ذي حمولة دينية وتاريخية عظيمة إلى تجربة معرفية متكاملة تصل إلى مختلف الفئات والأعمار. والأجمل من ذلك كله شعور عميق بالامتنان؛ امتنان لهذه الفرصة التي أتاحت لنا أن نكون هنا، وأن نرى بأعيننا جانبا من الجهود المبذولة في خدمة الحرمين الشريفين، والعناية بالمواقع المرتبطة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ الإسلام.
وفي أحاديث الضيوف وانطباعاتهم بعد الجولة، كان التقدير حاضرا بوضوح للقائمين على هذه المشاريع، ولكل من أسهم في إخراجها بهذه الصورة التي تجمع بين أصالة المكان وحداثة الوسيلة. فالمشاريع الثقافية من هذا النوع لا تقاس فقط بحجم مبانيها أو عدد مرافقها، وإنما بما تتركه في وجدان الزائر من أثر، وبقدرتها على تحويل المكان من جغرافيا تزار إلى قصة تفهم، وذاكرة تستحضر، ومعنى يبقى مع الإنسان بعد أن يغادر.
ومكة في مثل هذه الجولات لا تمنحك مجرد صور تلتقطها الكاميرا، بل تمنحك شيئا أبقى؛ تمنحك إحساسا بأنك تمشي في أرض عبرتها أحداث غيرت التاريخ، وأن كل جبل وكل معلم وكل موضع يحمل في داخله طبقات من الذاكرة الإسلامية. وبين كسوة الكعبة المشرفة التي تنسج لها خيوط العناية، وجبل النور الذي ارتبط بأول لحظات الوحي، تتشكل أمام الزائر صورة واسعة لمعنى الخدمة والعناية بالتراث الديني والثقافي، ولحجم ما يمكن أن تصنعه الإرادة حين تلتقي بالمعرفة والتقنية وحسن التنظيم.
وهكذا تمضي رحلة ضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين في مكة بين العبادة والمعرفة، وبين استحضار التاريخ ومشاهدة الحاضر، في تجربة تتعدد محطاتها لكن يجمعها معنى واحد؛ أن تكون مكة حاضرة بكل ثقلها الروحي والتاريخي والثقافي في وجدان من يزورها. وما عشناه اليوم في حي حراء الثقافي لم يكن مجرد زيارة لمعرض أو جولة في مرفق ثقافي، بل كان اقترابا من ذاكرة الوحي، وتأملا في المكان الذي شهد بداية أعظم رسالة عرفتها البشرية.
ومن مكة المكرمة، تواصل “الحدث ميديا” الموريتانية مواكبة هذه الرحلة وتغطية مختلف محطاتها، نقلا بالصورة والكلمة والانطباع، حتى تصل تفاصيل هذه التجربة إلى القارئ الموريتاني بكل ما تحمله من مشاهد ومعان. ومن المقرر أن يكون لنا مساء اليوم لقاء يجمع أحد أئمة الحرم المكي الشريف بضيوف برنامج خادم الحرمين الشريفين، في محطة أخرى من محطات هذه الرحلة المباركة، وسنحرص بإذن الله على نقل تفاصيل اللقاء كاملة، وما سيدور فيه من كلمات ورسائل وانطباعات، لتظل تغطية “الحدث ميديا” حاضرة في كل محطة، شاهدة على رحلة إيمانية وثقافية استثنائية من رحاب مكة المكرمة.
مراد أحمد / مكة المكرمة




