أنصار الله.. شعار تروجه الفضائيات وتكذبه أفعال الحوثيين

لا أدري كيف تستقيم في ميزان الإعلام تلك التسمية التي تصر بعض القنوات الفضائية على إطلاقها على الحوثيين: “أنصار الله”! فهذه ليست مجرد تسمية سياسية عابرة، ولا لقبا قبليا أو جغرافيا يمكن أن يقال وينتهي الأمر؛ إنها تسمية ذات حمولة دينية كبيرة، توحي بأن أصحابها يمثلون نصرة الله ودينه، وكأن هذا الوصف شهادة لهم بالاستقامة والحق. والحقيقة أن الأسماء لا تمنح أصحابها فضلا لا تشهد له أفعالهم، ولا تجعل الشعار حقيقة بمجرد تكراره على الشاشات.
فالذين يقدمون أنفسهم بهذا الاسم ينبغي أولا أن يسألوا: أين نصرة الله في الممارسة والسلوك؟ وكيف يمكن أن يجتمع هذا الاسم مع ما يعرف عن الجماعة من انتهاكات واعتداءات وتجاوزات طالت الإنسان والمكان والمقدسات؟ وكيف يمكن أن يصبح الاسم دينيا مقدسا، بينما الواقع الذي يراه الناس ويسمعون عنه مليء بما يناقض أبسط معاني الرحمة والعدل وصيانة الحرمات؟ إن المشكلة ليست في الاسم وحده، وإنما في محاولة إلباس الممارسة السياسية ثوبا دينيا لا تستحقه بمجرد الادعاء.
ومن أكثر ما يثير الاستغراب ما عرف عن مناطق نفوذ الجماعة من انتشار وتجارة القات والمخدرات والحبوب المهلوسة، وما ارتبط بذلك من أضرار اجتماعية وأمنية وصحية جسيمة. وليس من المعقول أن نتعامل مع هذه الممارسات وكأنها تفصيل هامشي لا علاقة له بصورة الجماعة؛ فالذي يرفع شعارا دينيا بحجم “أنصار الله” يضع نفسه أمام معيار أخلاقي أعلى، وكلما اتسع الشعار اتسعت معه مسؤولية صاحبه عن أفعاله. أما أن يكون الاسم في قمة القداسة والممارسة في قمة التناقض، فهذه مفارقة لا تحتاج إلى كثير شرح.
والأمر لا يقف عند القات والمخدرات والحبوب المهلوسة، بل يتجاوز ذلك إلى ما عرف عن الحوثيين من هدم وتدمير لمساجد ودور عبادة، والاعتداء على المؤسسات الدينية والتعليمية، والتضييق على حلقات تحفيظ القرآن، لتصبح المسألة أكبر من مجرد تجاوزات عابرة، ويغدو السؤال أكثر إلحاحا: أيّ نصرة لله تلك التي يكون من نتائجها الاعتداء على بيوت العبادة ومصادر العلم والقرآن؟
ويزداد التناقض خطورة حين يصل الخطاب إلى الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم، فهؤلاء ليسوا رموزا عابرة في وجدان المسلمين، ولا شخصيات تاريخية يجوز تحويلها إلى أدوات للصراع المذهبي؛ وإنما لهم مكانتهم الراسخة في عقيدة جمهور المسلمين وذاكرتهم الدينية. ومن ثم فإن الخطاب الذي يتضمن الإساءة إليهم أو الانتقاص منهم لا يمكن تقديمه للناس باعتباره صورة من صور نصرة الله ودينه. فأي نصرة هذه التي تبنى على الإساءة إلى أصحاب رسول الله وأمهات المؤمنين؟ وأي شعار ديني يمكن أن يستقيم مع خطاب يفتح أبواب الفتنة والطعن في الرموز التي أجلتها أجيال المسلمين؟
وهنا أصل إلى موضع العجب من بعض وسائل الإعلام، وفي مقدمتها قناة الجزيرة، التي تكرر تسمية “أنصار الله” بصورة تكاد تجعلها اسما رسميا لا يحتاج إلى تعريف أو نسبة إلى أصحابه. أنا لا أطالب القناة ولا غيرها بأن تتبنى موقفا سياسيا ضد الحوثيين، فهذا شأن آخر، وإنما أطالبها بالحد الأدنى من الدقة المهنية: أن تقول “الحوثيون”، أو “الجماعة التي تسمي نفسها أنصار الله”، حتى يعرف المشاهد أن هذا الاسم اختيار الجماعة لنفسها وليس حكما إعلاميا أو دينيا عليها.
فالإعلام حين يكرر المصطلح آلاف المرات لا يكتفي بنقل الخبر، بل يشارك في تشكيل الوعي، وقد تتحول العبارة بالتكرار إلى حقيقة ذهنية مستقرة لدى المتلقي. ومن هنا فإن السؤال مشروع: هل تكرار “أنصار الله” يوما بعد يوم مجرد التزام بالاسم الذي تستخدمه الجماعة، أم أن وراء هذا التكرار رغبة في تطبيع الاسم حتى يصبح جزءا من اللغة اليومية للشارع العربي والمسلم؟ قد ينجح الإعلام في تعميم المصطلح، لكنه لن ينجح بالضرورة في إقناع الناس بأن الاسم يطابق الحقيقة.
فالشارع العربي والمسلم أذكى من أن يدار وعيه بمجرد تكرار الكلمات؛ إنه يرى الأفعال، ويسمع الأخبار، ويقارن بين الشعارات والواقع، ويعرف أن نصرة الله ليست بطاقة تعريف تمنحها الجماعة لنفسها. ومن أراد أن يحمل هذا الاسم فعليه أن يتحمل تبعاته الأخلاقية والدينية، لأن عظمة الاسم ترفع سقف المسؤولية، ولا تخفضه. وما أسهل أن يرفع الإنسان شعارا، وما أصعب أن يكون جديرا بما يحمله ذلك الشعار من معان.
وفي النهاية، لا أظن أن أحدا يستطيع أن يقنع أمة كاملة بأن الاسم يكفي لصناعة الحقيقة؛ فالحقيقة تصنعها الأفعال، والتاريخ لا يحفظ الشعارات وحدها، وإنما يحفظ ما فعله أصحابها بالناس والبلاد والمقدسات. ولذلك سيظل السؤال قائما، مهما كررته الشاشات ومهما تغيرت العناوين: هل من يعتدي على الحرمات، ويتهم بتجارة المخدرات والحبوب المهلوسة، ويهدم دور العبادة أو يعتدي عليها، ويمارس خطابا طائفيا يتضمن الطعن في الصحابة وأمهات المؤمنين، يستحق أن يقدم للناس باعتباره “أنصار الله”؟
والجواب عندي أبسط من كل التحليلات السياسية: نصرة الله ليست اسما يختار، وإنما موقف يثبت، وسلوك يرى، وحق ينصر، وحرمة تصان. ولهذا فإن إطلاق الاسم شيء، واستحقاقه شيء آخر تماما؛ وبين الاثنين مسافة لا تستطيع قناة فضائية، مهما كررت العبارة، أن تلغيها. وقد قال الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ”، وقال سبحانه: “وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ”؛ فليس كل من سمى نفسه باسم الحق صار من أهله، وليس كل شعار ديني دليلا على صاحبه.
محمد سالم المختار الشيخ 🇲🇷




