عبد العزيز الرقابي.. سفير وجد طريقه إلى قلوب الموريتانيين

ثمة سفراء يؤدون مهمتهم وفق ما تقتضيه قواعد البروتوكول، فيحسنون تمثيل دولهم، ويؤدون واجباتهم الرسمية، ثم تنتهي مهمتهم عند حدود المكاتب واللقاءات والبيانات. وثمة سفراء يتجاوزون حدود الوظيفة إلى رحاب أوسع، فيصبح حضورهم في البلد المضيف جزءا من المشهد العام للعلاقات بين دولتين وشعبين، ويغدو سلوكهم اليومي رسالة دبلوماسية قائمة بذاتها. ومن هذه الفئة النادرة، في تقديري، يبرز اسم سفير المملكة العربية السعودية لدى الجمهورية الإسلامية الموريتانية، الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الرقابي، الذي لم يحتج إلى وقت طويل منذ وصوله إلى نواكشوط حتى يلفت الأنظار بوصفه شخصية دبلوماسية استثنائية، تجمع بين المهنية العالية، والثقافة الواسعة، وحسن التواصل، والتواضع الرفيع، والاعتزاز العميق بالهوية العربية والإسلامية.

ففي يوم الثلاثاء 8 أكتوبر 2024، سلم السفير عبد العزيز الرقابي نسخة من أوراق اعتماده إلى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج محمد سالم ولد مرزوك، بصفته سفيرا فوق العادة وكامل السلطة للمملكة العربية السعودية لدى موريتانيا، ثم جاء الموعد الأهم في مساره الدبلوماسي بنواكشوط، حين تسلم فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، يوم الثلاثاء 29 أكتوبر 2024 بالقصر الرئاسي، أوراق اعتماده سفيرا فوق العادة وكامل السلطة للمملكة العربية السعودية لدى الجمهورية الإسلامية الموريتانية. ومنذ تلك اللحظة بدأ فصل جديد من الحضور الدبلوماسي السعودي في نواكشوط، حضور لم يكن قائما على المراسم وحدها، بل أخذ مع الأيام أبعادا إنسانية وثقافية واجتماعية جعلت السفير قريبا من المجتمع الموريتاني، حاضرا في تفاصيله، ومقدرا لخصوصياته، ومعتزا بما تختزنه هذه الأرض من تاريخ وثقافة وأصالة.

ومنذ أيامه الأولى في موريتانيا، كان لافتا في مظهره وسلوكه وأدبه وطريقة حديثه، وفي ذلك المزيج الجميل بين التواضع والشموخ العربي الأصيل. لم يكن تواضعه انتقاصا من مقامه، بل كان جزءا من قوة شخصيته، ولم يكن شموخه استعلاء، بل كان اعتزازا بالوطن الذي يمثله وبالتاريخ الذي ينتمي إليه. ولذلك لم تمض أشهر قليلة حتى استطاع أن يأسر قلوب كثير من الموريتانيين، لا بالخطاب الدبلوماسي الرسمي وحده، وإنما بالاقتراب من الإنسان الموريتاني، واحترام عاداته، وتقدير ثقافته، والتعامل مع المجتمع بوصفه شريكا أصيلا في صناعة المحبة بين الشعوب.

ولعل أجمل ما في تجربة الدكتور عبد العزيز الرقابي في نواكشوط أن الدبلوماسية في عهده لم تبق محصورة في الملفات السياسية والاقتصادية، وإنما اتسعت لتشمل الإنسان والثقافة والوجدان. فقد شهدت العلاقات السعودية الموريتانية خلال هذه المرحلة حضورا قويا في مجالات متعددة، من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني والصحي والإنساني إلى التعاون الديني والثقافي، بما عزز عمق الروابط التاريخية بين البلدين الشقيقين، ورسخ صورة المملكة العربية السعودية في موريتانيا باعتبارها بلدا شقيقا يجمعه بالموريتانيين أكثر من المصالح المتبادلة؛ يجمعه بهم تاريخ ودين ولغة وثقافة ومودة راسخة.

غير أنني أرى أن الجانب الأكثر دلالة في شخصية هذا السفير لا يكمن فقط في الملفات الكبرى التي تدار في قاعات الاجتماعات، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة لمن لا يعرف قيمة الرموز في العلاقات بين الشعوب. ومن هنا تأتي عنايته بالثقافة الموريتانية، وحرصه على أن يقترب منها لا باعتبارها مادة للعرض الدبلوماسي، وإنما باعتبارها ثقافة أصيلة تستحق الاحترام والاعتزاز. ولعل من أبلغ الصور التي تختصر هذه الروح أن ترى سفير المملكة العربية السعودية، في المناسبات الثقافية والتراثية، حريصا على ارتداء الزي الموريتاني التقليدي، “الدراعة”، في زياراته لمهرجان المدن القديمة الذي يتنقل دوريا بين شنقيط وولاته ووادان وتشيت، في مشهد يحمل من الدلالات ما هو أبعد من مجرد ارتداء ثوب جميل.

فالدراعة في الوجدان الموريتاني ليست قطعة قماش يرتديها الرجل فحسب، وإنما هي عنوان للهوية، ورمز للوقار، وذاكرة اجتماعية متوارثة، وامتداد لثقافة الصحراء التي صنعت للإنسان الموريتاني ملامحه الخاصة في اللباس والحديث والضيافة والحياة. وحين يرتدي السفير الأجنبي دراعة موريتانية، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس تتجاوز الشكل إلى المعنى: أنا أحترم ثقافتكم، وأقدر خصوصيتكم، وأرى في تراثكم قيمة تستحق أن أقترب منها، لا أن أراقبها من خلف الحواجز البروتوكولية. وحين يكون هذا السفير سعوديا، فإن المشهد يكتسب معنى إضافيا، لأن الثقافة العربية الواحدة قادرة على أن تجد لنفسها مساحات مشتركة حتى وهي تتجلى في أزياء ولهجات وعادات محلية مختلفة.

ولذلك فإن دراعة السفير الرقابي ليست في نظري مجرد اختيار للزي المناسب لمناسبة تراثية، وإنما هي واحدة من أنجح أدوات الدبلوماسية الناعمة. فالدبلوماسية الحديثة لا تبنى بالوثائق الرسمية وحدها، ولا بالتصريحات السياسية وحدها، وإنما تبنى كذلك بالرموز والصور والمواقف الإنسانية التي تظل عالقة في ذاكرة الناس. وربما لا يتذكر المواطن العادي تفاصيل اجتماع دبلوماسي طويل، لكنه يتذكر سفيرا كبيرا خرج من مكتبه وارتدى لباسه، وشرب شايه، وجلس بينهم في مهرجان تراثي، وكأنه يقول لهم دون خطاب: ثقافتكم محل تقديري، وبلادكم ليست مجرد محطة في مهمتي، وإنما بلد شقيق أريد أن أعرفه كما هو.

وإذا كانت الدراعة تختصر علاقة السفير بالهوية الموريتانية في مظهرها، فإن “أتاي” الموريتاني يختصرها في روحها. فالشاي في موريتانيا ليس مشروبا عابرا، بل طقس اجتماعي وثقافي له مكانته الخاصة في الحياة اليومية، حوله تجتمع القلوب، وتطول الأحاديث، وتبنى المودة، وتفتح الأبواب. ولذلك فإن مشاركة الموريتانيين أتايهم هي مشاركة لهم في واحدة من أكثر عاداتهم حميمية، وهي إشارة إلى أن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ أحيانا من كأس شاي صغير، لكنها قد تفتح طريقا واسعا نحو القلوب.

ومن هنا تبدو صورة السفير الرقابي وهو يشرب الشاي الموريتاني، إلى جانب ارتدائه الدراعة، جزءا من منظومة متكاملة في شخصيته الدبلوماسية؛ فهو لا يكتفي بأن يتحدث عن التقارب بين الشعبين، بل يمارسه في سلوكه، ولا يكتفي بالحديث عن احترام الثقافة، بل يقترب منها ويشارك أهلها رموزها وعاداتها. وهذه هي الدبلوماسية التي تفهم أن الشعوب لا تستمال بالخطب وحدها، وأن احترام الإنسان في ثقافته وعاداته وذاكرته هو الطريق الأقصر إلى بناء الثقة وتعميق العلاقات.

واللافت في الدكتور عبد العزيز الرقابي أنه استطاع أن يجمع بين صورتين قلما تجتمعان بهذا الوضوح: صورة الدبلوماسي المحترف الذي يعرف كيف يدير الملفات السياسية، ويمثل بلاده في أعلى المستويات، ويتحدث بلغة الدولة ومصالحها، وصورة المثقف الذي يملك القدرة على الحديث في التاريخ والسياسة والدين والثقافة والمجتمع، ويفتح جسور الحوار مع مختلف الفئات. وهذه التركيبة هي التي تجعل السفير سفيرا بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ لأن تمثيل الدولة في الخارج ليس مجرد منصب، وإنما مسؤولية ثقيلة تتطلب علما ووعيا ولباقة وحضورا وقدرة على قراءة المجتمع الذي يعمل فيه.

وأقول هذا الكلام أيضا من واقع تجربة شخصية، لا من مجرد متابعة بعيدة. فقد أتيحت لي الفرصة لمعرفته عن قرب، عندما وجه إلي دعوة كريمة للقاء به في مبنى السفارة السعودية بحي تفرغ زينه في العاصمة نواكشوط. دخلت قاعة الاستقبال، والتقيت بالرجل الذي كنت أسمع عنه وأتابع حضوره، فوجدت أمامي شخصية مختلفة عما قد توحي به المناصب الرسمية من مسافات وحواجز. كان أنيقا في مظهره، أديبا في حديثه، متواضعا في تعامله، واسع الأفق في نظرته، وقادرا على أن يمنح محدثه إحساسا بأنه أمام إنسان يستمع كما يتحدث، ويهتم كما يهتم به.

واستمر الحوار بيننا أكثر من ساعة، لكنها مرت وكأنها دقائق؛ لأن الحديث لم يكن حديث مجاملة دبلوماسية عابرة، بل كان حوارا ثريا في السياسة والثقافة والدين والتاريخ والعلاقات الدولية وشؤون المنطقة. وجدت أمامي موسوعة حية، لا تستعرض معرفتها، وإنما توظفها في الحوار بهدوء ووعي واتزان. وكان مما أثار إعجابي أن ثقافته لم تكن منفصلة عن إنسانيته، فكلما اتسعت معرفته ازداد تواضعه، وكلما بدا عمق اطلاعه بقي حديثه قريبا من النفس، بلا تكلف ولا استعراض.

خرجت من ذلك اللقاء وأنا لا أقدر الرجل وحده، بل أقدر خلف الدولة التي اختارته لتمثيلها. فاختيار السفراء في نهاية المطاف ليس قرارا بروتوكوليا عابرا، وإنما هو جزء من صناعة صورة الدولة في الخارج. والسفير هو واجهتها، وصوتها الهادئ، وعنوانها الإنساني والسياسي، ولذلك فإن نجاحه في بناء الاحترام والمحبة في المجتمع المضيف هو نجاح لبلاده قبل أن يكون نجاحا شخصيا له. ومن هذه الزاوية تحديدا، يمكن فهم الحضور اللافت للدكتور عبد العزيز الرقابي في موريتانيا؛ فقد قدم نموذجا للدبلوماسي الذي يجمع بين قوة التمثيل الرسمي ودفء الحضور الإنساني.

لقد أثبت هذا الرجل أن الدبلوماسية ليست أن تعرف كيف تقول الكلام فقط، وإنما أن تعرف متى تقول الكلام، وكيف تقوله، ومتى تصمت، وكيف تستمع، وكيف تدخل إلى ثقافة البلد المضيف دون أن تفقد هويتك، وكيف تعتز بثقافة الآخر دون أن تتنازل عن ثقافتك.

ولذلك فإن ارتداءه للدراعة الموريتانية لا ينتقص من سعوديته، بل يؤكدها؛ لأن الإنسان الواثق من هويته لا يخشى أن يفتح قلبه لهوية شقيقه، ولا يرى في احترام ثقافة الآخر تهديدا لثقافته، بل يراه إضافة إلى رصيد المحبة والتفاهم.

وهنا تكمن القيمة الكبرى لهذه الصورة البسيطة: سفير سعودي يرتدي الدراعة الموريتانية، ويجلس مع الموريتانيين، ويشرب أتايهم، ويتحدث في مهرجاناتهم، ويقترب من تراثهم، وفي الوقت نفسه يمثل المملكة العربية السعودية بثقة واعتزاز. إنها صورة تختصر مفهوما كاملا للدبلوماسية العربية والإسلامية التي نحتاج إليها اليوم؛ دبلوماسية لا تستورد الجفاء من القوالب البيروقراطية، ولا تختزل العلاقات في المصالح، ولا تنظر إلى الثقافة باعتبارها هامشا، بل تجعل الثقافة جسرا والسياسة مظلة والإنسان محورا.

إن العلاقات السعودية الموريتانية أعمق من أن تختصر في سفير، وأرسخ من أن ترتبط بمرحلة، لكن السفراء الكبار يستطيعون أن يضيفوا إلى هذه العلاقات شيئا ثمينا: أن يمنحوها وجها إنسانيا يراه الناس ويلمسونه. وهذا تحديدا ما فعله الدكتور عبد العزيز الرقابي، حين جعل من حضوره في المجتمع الموريتاني جزءا من حضور المملكة نفسها، وجعل من احترام الثقافة المحلية أداة لتعزيز صورة بلاده، وجعل من الدراعة والأتاي وغيرهما من الرموز المحلية لغة صامتة تقول ما قد تعجز عشرات البيانات الرسمية عن قوله.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حق هذا السفير أن الموريتانيين لم يشعروا معه بأنه سفير جاء إلى بلدهم ليبقى خلف أسوار السفارة، وإنما رأوه رجلا عربيا سعوديا جاء يحمل بلاده في قلبه، ووجد في موريتانيا بلدا شقيقا يستطيع أن يقترب من أهله وثقافته دون حواجز. وهذه هي الواجهة التي تليق بدولة بحجم المملكة العربية السعودية؛ واجهة تجمع الهيبة بالبساطة، والمهنية بالإنسانية، والمعرفة بالتواضع، والاعتزاز بالهوية باحترام هوية الآخرين.

وفي النهاية، فإن شهادة الإنسان قد تكون أحيانا أصدق من البيانات، والانطباع الذي يتركه اللقاء الشخصي قد يكون أعمق من كل ما يكتب في التقارير. ومن موقع من أتيح له أن يجلس إلى الدكتور عبد العزيز الرقابي، ويحاوره أكثر من ساعة، ويستمع إليه عن قرب، أقول إن الرجل يمثل نموذجا جديرا بالتأمل في الدبلوماسية العربية: سفير يعرف كيف يمثل وطنه، ويعرف كيف يحترم وطن الآخرين، ويعرف أن الطريق إلى عقول الناس يمر عبر المعرفة، وأن الطريق إلى قلوبهم يمر عبر الاحترام، وأن بعض أعظم الرسائل الدبلوماسية قد تصل بلا كلمات، في صورة سفير سعودي يرتدي الدراعة الموريتانية، ويرفع كأس الأتاي، ويجلس بين أهل هذه الأرض وكأنه واحد منهم.

وهكذا تصبح الدراعة أكثر من لباس، والأتاي أكثر من شراب، والسفير أكثر من موظف دبلوماسي؛ تصبح الصورة كلها رسالة عن المملكة وموريتانيا، عن الأخوة العربية والإسلامية، وعن ثقافة تستطيع أن توحد ما قد تفرقه الجغرافيا. وتلك، في تقديري، هي الدبلوماسية حين تبلغ أرقى مراتبها: أن تمثل وطنك بكل اعتزاز، وأن تحترم وطن مضيفك بكل صدق، وأن تترك وراءك محبة لا تنتهي بانتهاء المهمة، وذكرى طيبة لا تحتاج إلى بروتوكول كي تبقى.

محمد سالم المختار الشيخ 🇲🇷

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى