خالد الفيصل.. قامة تجمع هيبة الأمير ونبل الإنسان
ليس كل قرار ملكي مجرد إجراء إداري تضاف به سنوات إلى مسؤولية رجل، فبعض القرارات تحمل في مضمونها تقديرا لمسيرة حافلة بالعطاء، وتجديدا للثقة في قامة أثبتت عبر عقود أن المسؤولية ليست منصبا يشغل، ولا وجاهة تطلب، وإنما أمانة تصان، وعمل ينجز، ومواقف تثبت معدن الرجال. ومن هذا المعنى، يأتي الأمر الملكي الكريم بتمديد خدمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود مستشارا لخادم الحرمين الشريفين وأميرا لمنطقة مكة المكرمة لمدة أربع سنوات، تأكيدا لمكانة رجل جمع في شخصيته بين هيبة الأمير ونبل الإنسان، وبين حزم المسؤولية ورحابة الثقافة.
وللأمير خالد الفيصل في قلبي مكانة خاصة، فهو يذكرني بوالده الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، ذلك الرجل الذي احتل مكانة عظيمة في نفسي، وبقيت سيرته ومواقفه حاضرة في وجداني. ولعل في خالد الفيصل شيئا من عبق تلك المدرسة الأصيلة؛ مدرسة ترى في المسؤولية شرفا، وفي خدمة الناس واجبا، وفي الوقوف عند الحق قيمة لا تتبدل. ولذلك فإن خبر تجديد الثقة به كان بالنسبة إلي مناسبة تحمل بعدا إنسانيا يتجاوز الخبر الرسمي إلى استحضار سيرة رجل له تقديره في النفس.
وإذا كانت هيبة الأمير تستمد جانبا من حضور المنصب، فإن حضور خالد الفيصل يتجاوز حدود اللقب إلى شخصية صنعت احترامها عبر سنوات طويلة من العمل. فهو رجل عملي، واضح في رؤيته، حاضر في تفاصيل مسؤولياته، يجمع بين الحزم والحكمة، وبين القدرة على اتخاذ القرار والإصرار على تحويل الرؤية إلى عمل. وفي شخصيته يلتقي وقار المسؤول مع رقي الإنسان، فلا يصبح المنصب حاجزا بينه وبين الناس، ولا تتحول المكانة إلى مسافة تفصل صاحبها عن قضايا المجتمع واحتياجاته.
إن الأمير خالد الفيصل ليس اسما عابرا في سجل الإدارة السعودية، بل صاحب تجربة ممتدة صنعتها عقود من المسؤولية والعمل الميداني. فمنذ توليه إدارة رعاية الشباب، مرورا بإمارة منطقة عسير، ثم إمارة منطقة مكة المكرمة، وصولا إلى تجربته وزيرا للتربية والتعليم، ظل حاضرا في مواقع العمل العام، حاملا هم التطوير، ومؤمنا بأن قيمة المسؤول لا تقاس بعدد السنوات التي يقضيها في المنصب، وإنما بما ينجزه خلالها وما يتركه من أثر.
ولا تكتمل صورة خالد الفيصل عند حدود الإدارة؛ فإلى جانب رجل الدولة والمسؤول العملي، يحضر المثقف والشاعر والفنان. فقد ارتبط اسمه بالمبادرات الثقافية، وأسهم في دعم الحراك الأدبي والفني، وأسّس جائزة أبها الثقافية، كما ظل حاضرا في المشهد الثقافي والأدبي، وتولى رئاسة جائزة الملك فيصل. وهنا تبرز إحدى الخصائص اللافتة في تجربته: أنه لم ير الثقافة ترفا بعيدا عن الحياة العامة، بل جزءا من بناء الإنسان، وعنصرا من عناصر النهضة.
وهكذا اجتمعت في شخصيته مجالات قد تبدو متباعدة، لكنها تلتقي في رؤيته للإنسان والوطن: مسؤولية الإدارة، وعمق الثقافة، وحس الشاعر، وخبرة رجل الدولة. وهي تركيبة منحت تجربته خصوصيتها، وجعلت حضوره يتجاوز حدود الموقع الذي يشغله إلى مساحة أوسع في الذاكرة العامة.
أما مكة المكرمة، بما تحمله من مكانة دينية وتاريخية وإنسانية، فهي مسؤولية لا تشبه غيرها، وأمانة يتشرف بحملها من يدرك عظمة المكان ومكانته في قلوب المسلمين. واستمرار الأمير خالد الفيصل في إمارتها يمثل امتدادا لتجربة طويلة في التعامل مع خصوصية المنطقة، وما تتطلبه من عمل متواصل، ورؤية بعيدة، وعناية بالإنسان والمكان، وخدمة للمواطنين والزوار وضيوف الرحمن.
ويأتي هذا التمديد ليجسد تقدير القيادة لمسيرة طويلة من العمل والخدمة، وهو تقدير سبق أن تجسد في منحه وشاح الملك عبدالعزيز عام 2019، تكريما لما قدمه من جهود وخدمات للوطن. والتكريم، في جوهره، ليس مجرد وسام يعلق على الصدر، وإنما اعتراف بقيمة العطاء حين يقترن بالإخلاص، وبمكانة من جعلوا من مواقع المسؤولية مجالا للعمل وخدمة الناس.
وأربع سنوات أخرى في مسيرة الأمير خالد الفيصل ليست مجرد مدة إضافية في قرار إداري؛ إنها امتداد لتجربة طويلة تراكمت فيها الخبرة، وتنوعت فيها المسؤوليات، وتعددت فيها ميادين العطاء. ومن هنا فإن الحديث عنه لا ينبغي أن يتوقف عند المناصب التي تقلدها، لأن المنصب مهما علا يظل إطارا، بينما قيمة الإنسان فيما يضعه داخله من فكر وعمل وأثر.
فنعم الأمير هو، ونعم الرجل. أسأل الله العلي القدير أن يحفظ الأمير خالد الفيصل، ويمده بموفور الصحة والعافية، ويبارك في عمره، ويوفقه ويسدد خطاه، ويعينه على مواصلة مسيرته في خدمة وطنه وأهله، وأن يجعل ما قدمه ويقدمه من عطاء في ميزان حسناته.
محمد سالم المختار الشيخ / موريتانيا




