مساجد أهل السنة في مرمى الحوثيين.. من بيوت للعبادة إلى مجالس للقات والرقص “فيديو”

هناك مشاهد لا تحتاج إلى كثير من الشرح، ولا إلى عشرات الخطب والبيانات حتى يفهم الناس حقيقتها؛ يكفي أن تراها بعينيك حتى تدرك حجم المفارقة. مسجد من مساجد أهل السنة والجماعة، كان بالأمس مكانا للصلاة والسجود، ومنبرا للقرآن والوعظ والإرشاد، وملاذا للفقراء والمساكين وأهل الحي، فإذا به يتحول تحت سلطة الحوثيين إلى مجلس لتعاطي القات واللهو والرقص، بينما اليمنيون في الخارج يئنون تحت وطأة الفقر والحرب والخوف، وتستنزف أعمارهم في صراع لا ينتهي. هنا لا تعود القضية مجرد خلاف سياسي أو اختلاف في المواقف؛ إنها صورة صارخة لما يمكن أن يحدث عندما تنتزع بيوت الله، ولا سيما المساجد التي ارتبطت بأهل السنة والجماعة ومجتمعاتهم المحلية، من وظيفتها الدينية والاجتماعية، وتستخدم في غير ما أُقيمت له.
ولهذا أوجه حديثي اليوم، بلا مواربة، إلى أولئك الذين ما زالوا مخدوعين ببريق الشعارات الحوثية، ويظنون أن كثرة الحديث عن الإسلام ومحبة آل البيت تكفي لتقديم الجماعة بوصفها مشروعا دينيا. اتركوا الشعارات جانبا، وانظروا إلى الأفعال. انظروا إلى الفيديو المرفق بهذا المقال، وتأملوا المشهد كما هو، بلا رتوش ولا خطب ولا بيانات: رجال داخل بيت من بيوت الله، في مسجد كان يرتاده أهل السنة والجماعة، يتعاطون القات ويرقصون ويتبادلون الأهازيج والشعارات في المكان الذي يفترض أن يكون للخشوع والعبادة وذكر الله. ثم اسألوا أنفسكم بصدق: هل هذه هي الصورة التي ينبغي أن تكون عليها بيوت الله عند من يرفع راية الإسلام ويتحدث باسم الدين ومحبة آل البيت؟
المسجد في وجدان اليمني ليس مجرد مبنى من جدران وسقف وفرش؛ إنه جزء من ذاكرة المجتمع وروحه، ومكان يتساوى فيه الناس أمام الله، وتفتح فيه أبواب الرحمة، ويعلم فيه الطفل القرآن، ويجد فيه الكبير مجلس العلم والموعظة، ويقصده المهموم طلبا للسكينة والدعاء. وهذا ينطبق بصورة خاصة على المساجد التي ظلت عبر عقود جزءا من الحياة الدينية والاجتماعية لأهل السنة والجماعة في مناطق مختلفة من اليمن. ولهذا فإن تحويل المسجد إلى مكان لتعاطي القات والرقص واللهو ليس مجرد تغيير في وظيفة مبنى، بل هو عبث بحرمة المكان ورسالة المسجد ومكانته في نفوس الناس. وعندما يصبح الموضع الذي كان يسمع فيه القرآن والأذان والذكر مسرحا للهو والرقص، فإن المشهد وحده كفيل بطرح أسئلة ثقيلة على كل من يرفع شعار الدين ويطلب من الناس أن يصدقوا أن شعاراته تمثل الإسلام.
وهنا تحديدا ينبغي أن نتوقف عند الفارق الكبير بين الشعار والفعل. فالشعارات سهلة، ويمكن كتابتها على الجدران والرايات، وترديدها في المسيرات والخطب، ويمكن أن تقدم للناس في صورة عاطفية تستثير المشاعر وتستثمر البساطة وحسن النية. لكن الأفعال لا تعرف المجاملة؛ فهي تكشف صاحبها كما هو. فإذا كان الشعار يتحدث عن تعظيم الدين، بينما تنتهك حرمة المسجد، وإذا كان الخطاب يتحدث عن القدوة، بينما يتحول مسجد من مساجد أهل السنة والجماعة إلى مجلس للقات والرقص، فإن السؤال الطبيعي يصبح: أيهما نصدق، الكلمات التي تقال أمام الكاميرات، أم المشاهد التي تقع أمام أعيننا؟
وللمخدوعين بشعارات الحوثي أقول: لا تحاكموا الجماعة بما تقوله عن نفسها، بل انظروا إلى ما تفعله حين تمتلك القوة. فليس من الصعب على أي جماعة سياسية أو عسكرية أن ترفع راية دينية وأن تملأ خطابها بآيات وأحاديث وشعارات عن الإسلام والفضيلة ومحبة آل البيت؛ الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول الشعارات إلى ممارسة وسلوك. وحين يكون المسجد الذي يفترض أن يصان ويحترم، والذي كان لأهل السنة والجماعة مكانا للصلاة والعبادة، مكانا لتعاطي القات والرقص، فإن هذه الصورة تصبح أبلغ من آلاف الخطب، لأنها تضع الفعل أمام العين، ولا تترك للشعار فرصة للاختباء خلف الكلمات.
والأمر لا يتعلق بالقات وحده، ولا بالرقص وحده، ولا بذلك المشهد العابر الذي قد يحاول البعض التقليل من شأنه؛ القضية الأعمق هي إفراغ المسجد من رسالته وتحويله من فضاء للعبادة إلى فضاء للنفوذ والتعبئة والهوية الحزبية والطائفية. فالمسجد الذي ينبغي أن يجمع اليمنيين على الصلاة والقرآن والدعاء يصبح، حين يختطف لصالح جماعة بعينها، أداة من أدوات فرض حضورها على المجتمع. وتزداد خطورة الأمر حين تكون هذه المساجد جزءا من النسيج الديني والاجتماعي لأهل السنة والجماعة، لأن انتزاعها من وظيفتها لا يعني فقط تغيير استخدام مكان، بل يعني أيضا إقصاء جماعة من حقها الطبيعي في أن يكون لها مسجدها ومنبرها وفضاؤها الديني والاجتماعي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن العبث بالمسجد لا يسيء إلى جدرانه فقط، وإنما يضرب واحدة من أهم المساحات التي اعتاد اليمنيون أن يجتمعوا فيها بعيدا عن صراعات السلطة والسلاح.
أما الذين يقولون إن هذه مجرد تصرفات فردية، فليكن الحكم للمشهد نفسه ولتكرار الوقائع التي سبق أن تناولتها تقارير إعلامية وحقوقية بشأن استخدام مساجد في مناطق سيطرة الحوثيين لأغراض سياسية أو عسكرية أو اجتماعية بعيدة عن وظيفتها الأصلية. وليس من الإنصاف أن يطلب من اليمني أن يغض الطرف عن كل ذلك لمجرد أن الجماعة ترفع شعارات دينية؛ فالقداسة لا تمنح بالشعارات، وحرمة بيوت الله لا تثبت باللافتات، وإنما تصان بالفعل والممارسة. ومن أراد أن يقنع الناس بأنه يحترم الدين، فعليه أن يبدأ من احترام المكان الذي يعبد فيه الناس ربهم، واحترام المصلين الذين كانت تلك المساجد جزءا من حياتهم الدينية، ومن بينهم أهل السنة والجماعة الذين وجدوا في هذه المساجد بيوتهم للعبادة والعلم والذكر.
وهنا تسقط الأقنعة واحدة بعد أخرى. فالمشهد لا يحتاج إلى ترجمة. بيت الله أمامنا، والقات أمامنا، والرقص أمامنا، والهوية الحوثية حاضرة في المكان؛ ولذلك لا معنى لأن يأتي أحد بعد ذلك ليغرق الناس في محاضرة طويلة عن الشعارات والمبادئ بينما الواقع يصرخ بصورة أكثر وضوحا من كل الكلمات. إن المشاهد التي نراها ليست بحاجة إلى من يجملها أو يبررها، بل بحاجة إلى سؤال واحد: كيف وصل الأمر إلى أن يصبح المسجد، الذي يفترض أن يكون من أكثر الأماكن حرمة وهيبة، مكانا لممارسة ما لا علاقة له بالعبادة؟ وكيف وصل الأمر إلى أن تنتزع مساجد كانت عامرة بالمصلين من أهل السنة والجماعة لتصبح فضاء لمشهد كهذا؟
ولذلك فإنني أقول لأولئك الذين ما زالوا يرون في الحوثيين مشروعا دينيا لمجرد أنهم يرفعون شعارات إسلامية: انظروا إلى الفعل قبل أن تصدقوا القول. اسألوا أنفسكم: ماذا قدم هذا المشروع للمسجد؟ ماذا قدم للمنبر؟ ماذا قدم للعلم والتعليم؟ ماذا فعل بحرمة بيوت الله؟ وماذا فعل باليمنيين الذين يعيشون تحت سلطته؟ وماذا فعل بمساجد أهل السنة والجماعة التي كانت تؤدي رسالتها الدينية والاجتماعية قبل أن تمتد إليها يد القوة؟ لا تجعلوا العاطفة حجابا بينكم وبين الحقيقة، ولا تسمحوا للشعارات أن تمنعكم من رؤية الوقائع الماثلة أمامكم. فالإنسان حين يمتلك الشجاعة ليقارن بين الكلام والفعل، يصبح قادرا على اكتشاف المسافة الهائلة بينهما.
ومن الخطأ كذلك أن يظن أحد أن مواجهة الحوثيين تعني مواجهة مذهب أو طائفة أو فئة من اليمنيين؛ فاليمنيون، بمذاهبهم وتنوعهم الاجتماعي والفكري، أبناء وطن واحد، والمسجد بيت لكل مسلم، لا ملك لجماعة ولا منصة لحزب ولا مقر لجناح مسلح. كما أن الحديث عن مساجد أهل السنة والجماعة لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة للكراهية أو إلى تحميل جماعة دينية كاملة مسؤولية أفعال جماعة مسلحة؛ القضية هنا تتعلق بحق الناس في مساجدهم وعبادتهم، وبضرورة صيانة بيوت الله عن الاستخدام القسري والسياسي. والمطلوب من اليمنيين، قبل أي شيء، أن يستعيدوا معنى الدولة التي تحمي الجميع، وتصون المساجد، وتحفظ للناس حقهم في العبادة، وتمنع تحويل الدين إلى وسيلة للسيطرة على المجتمع. فاليمن أكبر من جماعة، وأبقى من سلطة، وأقدس من أن يصبح أبناؤه أسرى لشعارات ترفعها البنادق أكثر مما تترجمها الأفعال.
أما شعارات الحوثي، فلتترك جانبا للحظة، ولتعرض على ميزان الأفعال. هناك، داخل المسجد الذي تحول من مكان للصلاة والذكر إلى مجلس لتعاطي القات والرقص، تبدأ الحقيقة في الظهور بلا مساحيق. وهنا يفترض بكل من يردد شعارات الجماعة أن يسأل نفسه سؤالا بسيطا لا يحتاج إلى منظر سياسي ولا إلى شيخ ولا إلى محلل: إذا كان هذا هو التعامل مع بيت من بيوت الله، وإذا كان هذا هو مصير مسجد كان لأهل السنة والجماعة فضاء للصلاة والعلم والذكر، فكيف يمكن أن يكون الشعار وحده دليلا على سلامة المنهج؟
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات التي تتصارع فوق رؤوس أبنائه، وإنما يحتاج إلى سلام يحفظ دماءهم، ودولة تحمي حقوقهم، ومساجد تعود إلى وظيفتها الطبيعية: صلاة وقرآن وعلم ووعظ وإرشاد، لا قات ورقص وتحشيد. ويحتاج اليمنيون قبل ذلك كله إلى أن يدركوا أن إنقاذ وطنهم لن يكون بتقديس جماعة أو قائد، وإنما بالوقوف صفا واحدا في وجه كل مشروع يريد اختطاف الدولة أو الدين أو المجتمع لصالحه، وبالوقوف كذلك في وجه كل ممارسة تنتزع المسجد من أهله وتحول بيت الله إلى مساحة للنفوذ والصراع.
فالشعارات يمكن أن تخدع البسطاء، والخطب يمكن أن تزين، والرايات يمكن أن ترفع عاليا، لكن الأفعال تظل أصدق من الجميع.
ومن أراد أن يعرف حقيقة أي مشروع، فلا ينظر إلى ما يكتبه على رايته، بل إلى ما يفعله حين يمتلك القوة، وإلى كيفية تعامله مع بيوت الله وأهلها، وإلى ما إذا كان يحفظ للمسجد حرمته وللمصلين حقهم.
وحين يتحول مسجد من مساجد أهل السنة والجماعة من مكان للسجود والذكر إلى مجلس للقات والرقص، يصبح السؤال أكبر من القات والرقص وأكبر من جدران المسجد نفسها: أي دين هذا الذي ترفع شعاراته عند الأبواب، ثم تنتهك حرمة بيت الله في الداخل؟
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا



