كريستيانو رونالدو.. حين أتمنى للأسطورة انتصارا أكبر من كرة القدم

لا أعتقد أنني، طوال أكثر من نصف قرن من العمر، شاهدت موهبة كروية تمشي على الأرض وتفعل بالكرة ما يفعله الخيال، كما فعل دييغو أرماندو مارادونا. كان الرجل في عيني شيئا أكبر من لاعب كرة قدم؛ كان حالة استثنائية لا تتكرر كثيرا في تاريخ البشر. وما زلت أستحضر، وكأن المشهد أمام عيني الآن، مونديال المكسيك 1986، حين قاد مارادونا الأرجنتين إلى المجد، وتوج رحلته الأسطورية بالفوز على ألمانيا الغربية بثلاثة أهداف مقابل هدفين في نهائي من أكثر نهائيات كأس العالم رسوخا في الذاكرة. وفي ربع النهائي أمام إنجلترا، ترك لنا مارادونا مشهدين لا تنقضي دهشتهما: هدفا بيده أصبح يعرف بـ”يد الله”، وهدفا آخر راوغ فيه عددا من لاعبي المنتخب الإنجليزي قبل أن يودع الكرة الشباك، فصار ذلك الهدف، بحق، واحدا من أشهر الأهداف في تاريخ اللعبة، وعرف لاحقا بـ”هدف القرن”.
كنت يومها أشاهد مارادونا وأقول في داخلي: هل يمكن أن يأتي يوم نشاهد فيه لاعبا يجعلنا نشعر بهذا القدر من الدهشة؟ مرت السنوات، وتوالت الأجيال، وظهر لاعبون عظماء، لكن قليلين استطاعوا أن يتركوا في الذاكرة ذلك الأثر الذي يتركه العبقري حين يمسك الكرة وكأنه يمسك بخيط سحري يقوده وحده إلى المرمى. ثم جاء كريستيانو رونالدو، لا ليكون مارادونا آخر، وإنما ليكتب فصلا مختلفا تماما من حكاية العبقرية الكروية. وإذا كان مارادونا قد أسرني بسحر الموهبة وفن المراوغة وعبقرية اللحظة، فإن رونالدو أدهشني بشيء آخر: كيف يستطيع الإنسان أن يحول موهبته إلى مشروع حياة، وأن يجعل من الانضباط عقيدة، ومن العمل اليومي طريقا، ومن الإرادة جدارا يقف في وجه الزمن.
ولهذا، فإنني لا أقول إن كريستيانو تفوق على مارادونا في المهارة الفنية؛ فالمقارنة بينهما في هذا الجانب أشبه بالمقارنة بين مدرستين فنيتين لكل منهما جمالها الخاص. مارادونا كان شاعرا بالكرة، يكتب بها جملا قصيرة ومفاجئة لا يعرف أحد كيف بدأت ولا كيف انتهت، بينما كان رونالدو أشبه بمهندس عبقري أعاد بناء جسده وعقله ومسيرته ليصنع نموذجا نادرا في الاستمرارية. لكنني أعتقد أن رونالدو تفوق في جانب آخر شديد الأهمية: القدرة على المحافظة على القمة، ومقاومة الزمن، والسيطرة على الذات، وتحويل الموهبة إلى منظومة متكاملة من العمل والانضباط والإصرار. وهذه في رأيي ليست موهبة عابرة، بل مدرسة كاملة في صناعة النجاح.
كريستيانو رونالدو ليس مجرد لاعب كرة قدم؛ إنه ظاهرة رياضية وإنسانية يصعب اختصارها في الأهداف والبطولات والأرقام. يكفي أن نتأمل مسيرته الطويلة لندرك أن الرجل لم يعتمد على موهبته وحدها، وإنما ظل يتعامل مع جسده باعتباره رأس ماله الأول، ومع وقته باعتباره استثمارا لا يجوز تبديده، ومع طموحه باعتباره دينا في عنقه لا يسمح لنفسه بالتخلي عنه. وفي عصر يستطيع فيه المال والشهرة أن يفسدا كثيرا من أصحاب المواهب، استطاع رونالدو أن يحافظ على قدر كبير من الانضباط والجدية، وأن يبقى حريصا على صورته ومسيرته، حتى بعد أن وصل إلى مرحلة كان يمكنه فيها أن يكتفي بما حققه ويقول: لقد فعلت كل شيء.
والأكثر إثارة في قصته بالنسبة إلي أن الزمن نفسه أصبح خصما له، لكنه لم يستسلم له. فبعد أن تجاوز الأربعين، لا يزال يدخل الملعب بعقلية رجل يريد أن يثبت شيئا، لا بعقلية نجم جاء ليحصد التصفيق فقط. وهذه وحدها حكاية تستحق التأمل؛ لأن كثيرا من اللاعبين يغادرون الملاعب قبل أن يغادرهم الشباب، بينما يبدو رونالدو وكأنه يرفض أن يسمح للعمر بأن يقرر وحده متى تنتهي الحكاية. قد يتفق الناس أو يختلفون حول مستواه في كل مرحلة، وقد تختلف الآراء حول إنجازاته ومقارنتها بإنجازات غيره، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: هذا الرجل امتلك إرادة استثنائية جعلته يقاوم ما عجز كثيرون عن مقاومته، وهو الزمن.
لكنني، بصراحة، لا أنظر إلى رونالدو من زاوية اللاعب فقط. ما يجذبني إليه أكثر هو الإنسان الذي يظهر خلف اللاعب، خصوصا حين نضع الشهرة والثروة والنجومية الهائلة في كفة، والسلوك الشخصي والانضباط واحترام الآخرين في الكفة الأخرى. لقد بلغ الرجل من الشهرة والثروة ما يجعله قادرا على أن يعيش كما يشاء، ومع ذلك ظل حريصا، في صورته العامة، على الابتعاد عن كثير من السلوكيات التي كان يمكن أن تشوه مسيرة رياضي بهذا الحجم. لم يجعل المال ذريعة للانفلات، ولا الشهرة مبررا للغرور، ولا المكانة تصريحا بازدراء الآخرين. وفي عالم كرة القدم، حيث أحرقت الأضواء كثيرا من النجوم، تبدو القدرة على إدارة الشهرة نفسها نوعا آخر من أنواع البطولة.
ومن أكثر الأمور التي لفتت انتباهي في تجربته الأخيرة احترامه للمجتمع السعودي والعادات العربية والإسلامية التي وجد نفسه يعيش بينها. قد لا يكون الإنسان مطالبا بأن يتبنى ثقافة الآخرين حتى يحترمها، لكن احترام ثقافة المجتمع الذي تستضيفه قيمة لا يختلف عليها عاقلان. ورونالدو، في مواقف عديدة، أظهر قدرة على الانسجام مع محيطه الجديد، والتعامل مع رموز وعادات المجتمع السعودي باحترام، وهو أمر يستحق الإشادة، خصوصا عندما يصدر عن شخصية عالمية يراقبها الملايين. وفي زمن تكثر فيه الصراعات الثقافية وسوء الفهم بين الشعوب، يصبح الاحترام المتبادل جسرا أجمل من ألف خطاب عن التعايش.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقودنا إليه قصة رونالدو هو السؤال عن معنى النعمة نفسها. فالإنسان قد يعطى موهبة لا تعطى لغيره، وقد يفتح له من أبواب الشهرة والمال والنجاح ما لا يخطر له على بال، لكن كل ذلك يظل، في النهاية، من متاع الدنيا. والإنسان مهما علا شأنه سيظل عبدا لله، ومهما ارتفع اسمه في سجلات الرياضة، سيأتي يوم تنتهي فيه المباراة الأخيرة، وتغلق أبواب الملاعب، ويسكت الجمهور، وتنطفئ الأضواء، ويبقى الإنسان وحده أمام الحقيقة التي لا يستطيع أحد الهروب منها. عندها لا تنفعه الأهداف ولا الجوائز ولا الملايين، وإنما ينفعه ما قدمه قلبه وما حملته صحيفته.
ومن هنا تأتي أمنيتي الشخصية التي قد تبدو للبعض بعيدة عن كرة القدم، لكنها في الحقيقة أعمق من كرة القدم كلها. عندما أرى رجلا وصل إلى هذه المكانة، وحقق ما حققه، وأصبح اسمه معروفا في أقصى الأرض، أتساءل: ماذا لو أضاف إلى كل هذا نعمة أعظم من كل ما امتلك؟ ماذا لو وجد طريق الإيمان؟ ماذا لو فتح الله قلبه للإسلام؟ ماذا لو انتقل هذا الرجل الذي ملأ الملاعب صراخا وتصفيقا إلى مرحلة يجد فيها في قلبه سكينة لا تمنحها الملاعب، ولا الأموال، ولا الشهرة؟ إنها أمنية لا أفرضها عليه، ولا أملك أن أحققها له، وإنما أتركها بين يدي الله الذي يهدي من يشاء.
فالهداية ليست ملكا لبشر، ولا يستطيع إنسان أن يفتح قلب إنسان آخر بالقوة، وإنما القلوب بين يدي خالقها. ولذلك أتمنى لكريستيانو، إن كان في قلبه بحث عن الحقيقة، أن يفتح الله له أبوابها، وإن كان في نفسه سؤال عن معنى الوجود، أن يقوده الله إلى جوابه، وإن كان قد بلغ من متاع الدنيا ما بلغ، أن يرزقه الله متاعا أعظم لا يزول. قال تعالى: “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ”. وما أجمل أن يدرك الإنسان، بعد رحلة طويلة في البحث عن المجد، أن أعظم انتصار يمكن أن يحققه ليس على خصم في ملعب، ولا على رقم في سجل، وإنما على نفسه حين يجد طريقها إلى الله.
لقد أمتعنا مارادونا ذات يوم بعبقرية لا تنسى، وترك في ذاكرة كرة القدم إرثا سيظل حاضرا ما بقيت اللعبة. ثم جاء رونالدو ليمنح جيلا آخر دهشة مختلفة، دهشة الرجل الذي جعل من جسده مشروعا، ومن موهبته صناعة، ومن طموحه وقودا، ومن الزمن خصما لا يخشاه. وإذا كان مارادونا قد جعلني أؤمن بأن هناك أقداما تستطيع أن تفعل بالكرة ما لا يستطيع العقل تفسيره، فإن رونالدو جعلني أؤمن بأن الإنسان يستطيع، إذا جمع الموهبة بالعمل والانضباط والإصرار، أن يقترب من المستحيل أكثر مما نتصور.
ولهذا، عندما يسألني أحد عن كريستيانو رونالدو، فلن أختصره في لاعب سجل عددا هائلا من الأهداف، ولن أختصره في نجم رفع الكؤوس وحطم الأرقام، ولن أختصره حتى في مقارنته بمارادونا أو ميسي أو غيرهما. سأقول إنني أمام إنسان صنع من موهبته قصة، ومن قصته مدرسة، ومن مدرسته مصدر إلهام لملايين الشباب. وربما كان أعظم ما يمكن أن نتعلمه منه أن الموهبة هبة، لكنها لا تصبح مجدا إلا إذا حرسها صاحبها بالعمل، وأن الشهرة قد ترفع الإنسان في أعين الناس، لكنها لا تمنحه بالضرورة قيمة في ميزان السماء، وأن الإنسان مهما بلغ من المجد يحتاج في النهاية إلى شيء لا تستطيع الدنيا كلها أن تشتريه: طمأنينة القلب.
وأنا، الذي شاهد مارادونا في المكسيك عام 1986 وأصابتني الدهشة أمام ما فعله ذلك العبقري بالكرة، أجد نفسي اليوم أمام كريستيانو رونالدو بدهشة من نوع آخر. الأول علمني أن كرة القدم يمكن أن تبلغ مرتبة الفن، والثاني علمني أن الاستمرارية يمكن أن تبلغ مرتبة المعجزة البشرية. وبين مارادونا ورونالدو، وبين جيل مضى وجيل يعيش الحاضر، أدركت أن كرة القدم ليست مجرد لعبة؛ إنها أحيانا مرآة للإنسان، تكشف موهبته، وضعفه، وانضباطه، وغروره، وتواضعه، وقدرته على السقوط ثم النهوض.
لكنني، في نهاية المطاف، لا أتمنى لكريستيانو رونالدو هدفا جديدا، ولا بطولة جديدة، ولا رقما قياسيا جديدا؛ فقد أخذ من الدنيا نصيبا عظيما من كل ذلك. أتمنى له شيئا أكبر من كل ما جمعه في خزائنه، وأبقى من كل ما سجله في سجلات التاريخ. أتمنى أن يشرح الله صدره للإسلام، وأن يريه الحق حقا ويرزقه اتباعه، وأن يريه الباطل باطلا ويرزقه اجتنابه، وأن تكون هذه المسيرة الطويلة، بكل ما فيها من مجد وشهرة وثروة وانتصارات، مقدمة لشيء أعظم من كل تلك الانتصارات.
فما أعجب الدنيا: قد تجعل رجلا واحدا يقف أمام عشرات الآلاف، فيصفقون له باسمه، وقد تجعل ملايين البشر يتابعون خطواته ويحتفلون بأهدافه، ثم تظل هناك لحظة لا يسمع فيها الإنسان إلا صوت قلبه. لحظة لا جمهور فيها، ولا حكم، ولا ملعب، ولا كاميرات، ولا أضواء. وحين تأتي تلك اللحظة، لا يبقى من كل المجد إلا الإنسان نفسه. ولذلك أتمنى أن تكون أجمل مباراة في حياة كريستيانو هي تلك التي يفوز فيها قلبه بالهداية؛ وأن تكون أعظم قفزة في مسيرته ليست قفزة فوق مدافع لتسجيل هدف، وإنما قفزة من مجد الدنيا إلى نور الإيمان.
لقد شاهدناه يركض خلف الكرة سنوات طويلة، فربما آن لقلبه أن يركض خلف الحقيقة. وشاهدناه يسجد أحيانا فرحا بالانتصار، فكم أتمنى أن يأتي يوم يسجد فيه لله شكرا على أعظم انتصار. وشاهدناه يرفع الكؤوس أمام العالم، فكم سيكون المشهد أعظم لو رفع يوما قلبا مطمئنا بالإيمان. عندها فقط، في رأيي، ستكون نهاية قصة كريستيانو رونالدو أجمل من كل بداية، وسيكون قد انتقل من كونه أسطورة في ملاعب الأرض إلى إنسان وجد طريقه إلى رب السماء.
محمد سالم المختار للشيخ / موريتانيا




