غزة بعد 7 أكتوبر.. من يتحمل مسؤولية الكارثة؟

غدا الأربعاء، تحل الذكرى الثالثة لأحداث 7 أكتوبر 2023، ذلك اليوم الذي غير وجه المنطقة وفتح على الفلسطينيين، وفي مقدمتهم سكان قطاع غزة، واحدة من أكثر الصفحات قسوة ودموية في تاريخهم الحديث. وأسميها هنا نكبة لا احتفالا ولا انتقاصا من دوافع المقاومة الفلسطينية، وإنما لأن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ثلاث سنوات هو: ماذا بقي لأهل غزة من كل ما حدث؟ ماذا جنى المدنيون الذين وجدوا أنفسهم في قلب حرب لم يختاروا توقيتها ولا مسارها ولا نتائجها؟ والجواب المؤلم أن الثمن كان باهظا إلى حد يصعب معه العثور على مكسب ملموس يوازي حجم الخسائر.

لقد دفع سكان القطاع، قبل غيرهم، فاتورة القرار العسكري والسياسي الذي اتخذته قيادة حركة حماس في 7 أكتوبر. فقد تحولت غزة إلى ساحة حرب مفتوحة، وسقط عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وأصيب مئات الآلاف، وتشردت أعداد هائلة من السكان، بينما تعرضت أحياء واسعة ومنازل ومستشفيات ومدارس وشبكات مياه وصرف صحي وكهرباء وبنى أساسية للدمار. وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، بقيت آثار الحرب الإنسانية والعمرانية هائلة، فيما لا يزال نحو ثلثي القطاع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية بحسب تقارير حديثة.

وهنا آن الأوان لأن نسمي الأشياء بأسمائها، وأن نفتح نقاشا جادا حول المسؤولية السياسية عن القرار الذي قاد إلى هذه الكارثة. لا يمكن أن تكون مسؤولية إطلاق حرب بهذا الحجم بلا صاحب قرار، ولا يمكن أن يطلب من مئات الآلاف من المدنيين دفع الثمن ثم يغلق باب السؤال عن الحساب السياسي والاستراتيجي. ويحيى السنوار، الذي كان القائد الفعلي لحماس في غزة، كان بحسب تقارير وتحقيقات صحفية أحد أبرز المخططين لهجوم 7 أكتوبر، بل وصف بأنه العقل المدبر للعملية.

والأكثر إثارة للأسئلة أن السنوار لم يكن رجلا يجهل إسرائيل أو طبيعة المجتمع الإسرائيلي. فقد أمضى نحو 22 عاما في السجون الإسرائيلية، ودرس خلال تلك السنوات اللغة العبرية وقرأ كتبا وصحفا إسرائيلية وتابع السياسة والتاريخ والمجتمع الإسرائيلي عن قرب. ولذلك فإن السؤال المشروع ليس عن شجاعته أو قناعته أو قدرته على التخطيط، وإنما عن تقديره لمآلات القرار: هل كان يعلم حجم القوة العسكرية التي ستواجه غزة؟ وهل وضعت حياة المدنيين في الحساب عندما اتخذ القرار؟ وهل كانت هناك خطة واقعية لما بعد اليوم الأول؟ هذه أسئلة لا يجوز أن تبقى مؤجلة إلى الأبد.

فإعلان الحرب قد يكون أسهل قرارات القادة، أما إدارة نتائجها وحماية الناس من تبعاتها فهي الاختبار الحقيقي لأي قيادة سياسية وعسكرية. والسياسة لا تقاس فقط بجرأة الضربة الأولى، وإنما بقدرة أصحاب القرار على قراءة ميزان القوى، وتقدير ردود الفعل، وحساب كلفة المواجهة على المجتمع الذي يدعون الدفاع عنه، ثم امتلاك خطة واضحة للخروج من الحرب. وفي غزة، تكشف النتيجة بعد ثلاث سنوات عن كارثة إنسانية وعمرانية لا يستطيع أحد تجاهلها، وعن شعب دفع، ولا يزال يدفع، ثمنا يفوق قدرة الكلمات على وصفه.

وليس معنى ذلك، بأي حال من الأحوال، أن إسرائيل معفاة من المسؤولية عما ارتكبته خلال الحرب، أو أن الجرائم والانتهاكات التي وثقتها جهات أممية وحقوقية يمكن تبريرها بحجة 7 أكتوبر. فالرد العسكري لا يمنح أحدا رخصة مفتوحة للقتل والتدمير والتجويع والتهجير، والقانون الدولي لا يسقط لأن الحرب بدأت بهجوم من الطرف الآخر. وقد وثقت الأمم المتحدة انتهاكات واسعة للقانون الدولي في فلسطين المحتلة، وأشارت إلى جرائم حرب محتملة وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.

لكن رفض الجرائم الإسرائيلية لا ينبغي أن يمنع الفلسطيني من مساءلة قيادته، كما أن إدانة قرار حماس لا تعني الوقوف مع إسرائيل. هذه الثنائية المضللة يجب أن تنتهي: يمكن للمرء أن يرفض الاحتلال، ويتمسك بحق الفلسطينيين في الحرية والدولة، ويدافع عن القدس والأقصى، وفي الوقت نفسه يسأل بصراحة: هل كان قرار 7 أكتوبر في مصلحة الشعب الفلسطيني؟ وهل كانت نتائجه متناسبة مع الأهداف التي رفع من أجلها؟ وهل يملك من اتخذ القرار الشجاعة السياسية للاعتراف بأخطائه أمام شعب دفع الثمن من دمائه وبيوته وأمنه ومستقبله؟

اليوم، وبعد كل هذا الدمار، تبدو الصورة أكثر قسوة: إسرائيل ما زالت تسيطر عسكريا على نحو ثلثي قطاع غزة، وإعادة الإعمار لم تحقق إلا تقدما محدودا، بينما لا يزال أكثر من مليون فلسطيني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، ويعيش قسم كبير من سكان القطاع في ظروف نزوح قاسية. وفي المقابل، لا تزال القضية الفلسطينية تبحث عن مكسب سياسي حقيقي يعادل حجم الخسائر التي تكبدها أصحابها. فماذا استفاد الغزيون، في ميزان الواقع، من 7 أكتوبر سوى القتل والتهجير والدمار والجوع وفقدان الأمان؟ قد تختلف الإجابات حول دوافع العملية وأهدافها، لكن معاناة المدنيين ليست وجهة نظر.

إن الاعتراف بالأخطاء ليس خيانة للمقاومة، كما أن النقد ليس اصطفافا مع الاحتلال. بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة هو أن تتحول قياداتها إلى كيانات فوق المساءلة، وأن يصبح مجرد طرح الأسئلة اتهاما بالخيانة. الشعب الفلسطيني يستحق قيادة تحاسب أمامه، وقرارات تناقش بشفافية، واستراتيجية لا تجعل المدنيين وقودا لحروب مفتوحة بلا أفق سياسي. ومن حق أهل غزة، قبل غيرهم، أن يسمعوا إجابة صريحة عن سؤال بسيط وثقيل في آن واحد: ماذا كانت الخطة لليوم التالي؟

وموقفنا من فلسطين لا يحتاج إلى إعادة تعريف كلما انتقدنا قرارا فلسطينيا. سيبقى موقفنا ثابتا في نصرة حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة والاستقلال، وفي قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وفي تحرير المسجد الأقصى من الاحتلال، بإذن الله. لكن الدفاع عن فلسطين لا يعني الصمت عن أخطاء أبنائها، كما أن رفض الاحتلال لا يعني منح أي قيادة فلسطينية شيكا على بياض. القضية أكبر من حركة، وأبقى من قائد، وأقدس من أن تختزل في عملية عسكرية أو معركة عابرة.

في ذكرى 7 أكتوبر، لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما نحتاج إلى شجاعة الاعتراف، وعقلانية المراجعة، وصدق المساءلة. فغزة لا تحتاج إلى من يزايد على جراحها، وإنما إلى من يحفظ ما بقي منها، ويعيد بناء بيوتها ومستشفياتها ومدارسها، ويضع حدا لنزيف دمها، ويفتح أمام أبنائها طريقا نحو حياة طبيعية وآمنة. لقد خسر الفلسطينيون كثيرا، ولا يجوز أن تكون الخسارة قدرا دائما. رحم الله من قضوا، وحفظ من بقي، وفرج عن أهل غزة، وجبر كسرهم، وأوقف عنهم الحرب والحصار والجوع، وكتب لفلسطين يوما تستعيد فيه حريتها وكرامتها وحقوقها كاملة.

محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى