الرياض أمام فرصة تاريخية.. فهل تضع السعودية نهاية للمشروع الحوثي؟

حين تمتد يد الميليشيات الحوثية إلى مطار الملك خالد الدولي في قلب العاصمة الرياض، وتتعرض منشأة مدنية بهذا الحجم للاعتداء، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى صانع القرار السعودي واضحة: لقد حان وقت الحسم، ولم يعد هناك متسع لمزيد من الانتظار! فالمملكة التي تواجه اعتداءات متكررة على أمنها ومنشآتها ومواطنيها ليست مطالبة بإدارة الخطر إلى الأبد، وإنما بإنهاء أسبابه، ووضع حد لمشروع يهدد أمنها ويعبث باستقرار اليمن والمنطقة. وما حدث اليوم ليس مجرد هجوم عابر، بل جرس إنذار جديد يعلن أن المواجهة دخلت مرحلة لا تحتمل التردد، وأن الرد على هذا التصعيد يجب أن يكون بحجم الخطر الذي يمثله.
يا قيادة المملكة العربية السعودية، إنني أقولها بكل وضوح: إذا أردتم حسم الحرب مع الحوثيين وداعميهم، واستعادة صنعاء، وعودة الشرعية إلى اليمن، وحماية المملكة من خطر هذه الميليشيات، فعليكم أن تتعاملوا مع هذه المواجهة بعقلية الرجال الذين عرفهم التاريخ بالحزم والصرامة وعدم التردد أمام الخصوم؛ بعقلية صلاح الدين الأيوبي، والحجاج بن يوسف الثقفي، وصدام حسين. ليست القضية هنا تشابه العصور أو اختلاف الظروف، وإنما جوهر الرسالة: العدو الذي لا يرتدع بالكلام، ولا يتوقف أمام التحذيرات، ولا يفهم إلا لغة القوة، لا يجوز أن يمنح فرصة مفتوحة لمواصلة عدوانه. إن الحزم في مثل هذه اللحظات ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة تفرضها مسؤولية حماية الدولة وصون أمنها.
صلاح الدين الأيوبي، ذلك القائد الذي ارتبط اسمه باستعادة القدس، يمثل في هذا المقام رمزا للإرادة التي لا تستسلم، والعزيمة التي لا تنكسر أمام طول الطريق. فالمعارك الكبرى لا تحسم بالتمني، ولا تستعاد الحقوق بمجرد انتظار تبدل الظروف، وإنما بإرادة تعرف ما تريد، وقيادة تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرارات المصيرية، وقوة تعرف متى تتحرك لتحقيق أهدافها. وعلى المملكة أن تستلهم من هذه الروح وضوح الغاية وصلابة الموقف، فلا تجعل تكرار الاعتداءات أمرا مألوفا، ولا تسمح للحوثيين بأن يفرضوا قواعد المواجهة بإطلاق الصواريخ والمسيرات، ثم انتظار ردود محدودة يعقبها تصعيد جديد.
أما الحجاج بن يوسف الثقفي، فهو في الذاكرة التاريخية عنوان للصرامة الشديدة وفرض هيبة السلطة، وهو النموذج الذي أستحضره هنا للتأكيد على أن التردد في مواجهة الخصم قد يغريه بالتمادي، وأن القرارات الحاسمة تحتاج إلى إرادة لا تتراجع عند أول اختبار. والمملكة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الرسائل التي لا تغير حسابات المعتدي، بل إلى موقف يجعل كل من يخطط لاستهداف أمنها يدرك أن العدوان لن يمر بلا عواقب. فالهيبة لا تصان بالتصريحات وحدها، والردع لا يبنى على الوعود، وإنما على القدرة الفعلية على حماية البلاد وحرمان المعتدي من تكرار فعلته.
وأما صدام حسين، فأستحضره بوصفه رمزا للقبضة الصلبة والقرار الذي لا يتردد في مواجهة الخصوم، وفق الصورة التي ارتبطت باسمه في الذاكرة السياسية. وما تحتاج إليه المملكة في هذه اللحظة هو صلابة القرار، ووضوح الهدف، وعدم السماح للخصم بأن يختبر حدود الرد السعودي مرة بعد أخرى. إن الحرب مع الحوثيين لا ينبغي أن تتحول إلى دائرة استنزاف لا تنتهي، يضربون فيها منشأة مدنية اليوم، ثم ينتظرون رد الفعل، ليعودوا غدا إلى استهداف منشأة أخرى. المطلوب أن يكون للمواجهة أفق واضح وغاية محددة: إنهاء التهديد الحوثي، واستعادة الدولة اليمنية، وتأمين المملكة من اعتداءات تتكرر كلما ظن المعتدي أن بإمكانه الإفلات من الحساب.
إنني أدعو المملكة إلى مواصلة عملياتها العسكرية الجوية والبحرية والبرية، وتكثيف الضغط على القدرات العسكرية الحوثية ومصادر تسليحها وإمدادها، حتى تفقد هذه الميليشيات قدرتها على تهديد المدن والمطارات والمنشآت المدنية. لا ينبغي أن تمنح فرصة لإعادة بناء قدراتها أو استغلال فترات التهدئة لإعادة تنظيم صفوفها والاستعداد لجولة جديدة. المطلوب حملة استراتيجية متكاملة، تستهدف أدوات العدوان ومصادره، وتعمل بالتوازي مع دعم القوات اليمنية الشرعية ومؤسسات الدولة، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين. فالحسم الحقيقي ليس في كثرة الضربات، بل في إنهاء قدرة المعتدي على مواصلة الحرب وفرض إرادته بقوة السلاح.
ولعل أخطر ما في المشهد أن استهداف مطار الملك خالد الدولي يأتي في سياق هجمات متكررة، وسط تقارير عن إصابات وتعليق مؤقت للعمليات التشغيلية وتحويل مسارات الرحلات. وهذه الوقائع، متى استكملت الجهات المختصة التحقق من تفاصيلها، تكشف حجم المخاطر التي تفرضها المواجهة على حياة الناس وحركة الطيران وأمن العاصمة. ولا يجوز أن يتحول هذا التهديد إلى مشهد يتكرر ثم يطويه النسيان، أو أن يعتاد المواطن والمقيم سماع أخبار الاعتداءات كما لو أنها جزء طبيعي من الحياة اليومية. أمن الرياض خط أحمر، وأمن المملكة ليس ساحة لتجارب الميليشيات، وحماية الناس تستوجب قرارا حاسما يضع نهاية لهذا الخطر بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه بعد وقوعه.
ولا أعتقد أن المملكة أمام فرصة ينبغي التفريط فيها لإنهاء التهديد الحوثي واستعادة زمام المبادرة، خصوصا مع تصاعد المواجهة واتساع الاهتمام الدولي بها. وإذا توافرت الظروف اللازمة لتنسيق الجهود السعودية واليمنية والدولية، فينبغي استثمارها في استراتيجية واضحة لا تكتفي بإضعاف القدرات العسكرية للحوثيين مؤقتا، بل تسعى إلى إنهاء قدرتهم على فرض واقع مسلح خارج مؤسسات الدولة. كما ينبغي قطع الطريق على كل دعم خارجي يسهم في استمرار هذه القدرات، وتعزيز فرص استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية. فالمطلوب ليس جولة جديدة من الحرب ثم العودة إلى نقطة البداية، وإنما تغيير حقيقي في موازين القوة يفتح الطريق أمام نهاية هذا المشروع المسلح.
إن استعادة صنعاء وعودة الشرعية إلى اليمن ليستا مجرد أمنيتين سياسيتين، بل هدفان يرتبطان بمستقبل اليمن وأمن المملكة معا. ولن يستقر اليمن ما دامت الميليشيات تفرض سلطتها بالسلاح، ولن تشعر المملكة بالأمان الكامل ما دام خطر الهجمات العابرة للحدود قائما. ولهذا فإن المعركة يجب أن تتجاوز ردود الفعل المتفرقة إلى مشروع متكامل لاستعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ودعم القوى الوطنية القادرة على حمل مسؤولية المرحلة المقبلة، ومنع إعادة إنتاج التهديد بأسماء أو تشكيلات جديدة. وعلى الحوثيين أن يدركوا أن استهداف المملكة لن يمنحهم شرعية، ولن يحول سيطرتهم المسلحة إلى حق دائم، ولن يجعل مستقبل اليمن رهينة لمشروعهم إلى الأبد.
رسالتي إلى المملكة العربية السعودية: لا تتعاملوا مع هذا الاعتداء بوصفه حادثة أخرى في سجل طويل من الهجمات، بل بوصفه لحظة تستوجب مراجعة شاملة وحسما استراتيجيا. استلهموا من صلاح الدين إرادة استعادة الحق، ومن الحجاج صرامة القرار، ومن صدام صلابة الموقف؛ واجعلوا هذه الرموز عنوانا للعزم الذي لا يلين أمام التهديد، مع تسخير القوة لتحقيق غاية واضحة: حماية المملكة، وإنهاء القدرة الحوثية على الاعتداء، واستعادة الدولة اليمنية. لا تمنحوا المعتدي فرصة ليعيد ترتيب أدواته، ولا تسمحوا بأن يصبح أمن الرياض موضوعا للمساومة أو الاختبار. فالدول الكبيرة لا تنتظر حتى يصبح الخطر أكبر، بل تتحرك حين تدرك أن استمرار الوضع القائم أخطر من اتخاذ القرار.
“وَتَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا”؛ نعم، نراه قريبا بإذن الله، اليوم الذي تستعيد فيه صنعاء وجهها الوطني، وترتفع فيه راية الدولة اليمنية فوق مؤسساتها، ويأمن فيه أهل المملكة من صواريخ الحوثيين ومسيراتهم. نراه قريبا بإرادة الشعوب، وصلابة المواقف، والعمل الذي لا يتوقف حتى تتحقق الغاية. يا مملكة الحزم، لقد آن أوان إنهاء هذا التهديد، واستعادة زمام المبادرة، ووضع حد لحرب استنزفت اليمن وهددت أمن المنطقة. كونوا على قدر اللحظة، واجعلوا قراركم بحجم الخطر، وهدفكم بحجم المسؤولية؛ فالتاريخ لا يذكر طويلا من اكتفى بوصف الخطر، بل يذكر من امتلك الإرادة لمواجهته وإنهائه. حان وقت الحسم، وحان وقت استعادة صنعاء، وحان وقت أن يدرك الحوثيون أن أمن المملكة ليس هدفا مباحا، وأن لليل مهما طال نهاية، وأن فجر الدولة اليمنية لا بد أن يشرق من جديد.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




