الشعوذة والمشعوذون.. خطر مجتمعي يستوجب تدخل الدولة “فيديو”

في المجتمعات التي تتكاثر فيها المخاوف، وتشتد فيها الأزمات، وتضيق ببعض الناس سبل الأمل، يجد المشعوذون طريقهم إلى العقول والقلوب، متخذين من حاجة الإنسان إلى الطمأنينة، ورغبته في كشف المجهول، وخوفه من المستقبل، أبوابا للنفوذ والتضليل. فلا يقفون عند حدود الادعاء الكاذب، بل قد يتجاوزون ذلك إلى استغلال الضعفاء، واستنزاف أموالهم، وإفساد علاقاتهم، وزرع الشكوك في نفوسهم، حتى يصبح الإنسان أسيرا للأوهام، يطلب النجاة ممن يزيدونه خوفا، ويلتمس الطمأنينة عند من يتخذون قلقه وسيلة لتحقيق مآربهم. ومن هنا، فإن الشعوذة ليست مجرد سلوك منحرف أو ممارسة هامشية يمكن التغاضي عنها، بل هي قضية تمس العقيدة، وتهدد استقرار الأسرة، وتؤثر في أمن المجتمع وتماسكه، الأمر الذي يستدعي مواجهتها بالعلم والوعي والاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

لقد حذر القرآن الكريم من السحر، وكشف ما ينطوي عليه من فساد، فقال تعالى: “وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ”، كما عد النبي صلى الله عليه وسلم السحر من كبائر الذنوب المهلكة، فقال: “اجتنبوا السبع الموبقات”، وذكر منها “الشرك بالله، والسحر”. وهذه النصوص تبين خطورة هذا الباب، وتؤكد أن السحر ليس أمرا يستهان به، ولا مجالا يباح للناس اقتحامه طلبا لمنفعة موهومة أو انتقاما من خصم أو تدخلا في حياة الآخرين. وتشتد الخطورة حين يقترن ذلك بصرف العبادة لغير الله، أو الاستعانة بالشياطين، أو ممارسة ما يناقض التوحيد؛ إذ يصبح الأمر اعتداء على أصل العقيدة، لا مجرد انحراف في السلوك.

ومن أخطر ما يمارسه المشعوذون ادعاء معرفة الغيب، وإيهام الناس بأنهم يملكون مفاتيح الأسرار، ويعرفون ما تخفيه الصدور، وما تحمله الأيام، ومن يريد بالإنسان شرا أو يسعى إلى إيذائه. وقد حسم القرآن الكريم هذه المسألة بوضوح لا لبس فيه، فقال تعالى: “قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ”. فإذا كان الغيب مختصا بعلم الله، فإن ادعاء امتلاكه ليس دليلا على المعرفة، وإنما قد يكون وسيلة للخداع والسيطرة على عقول الناس. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إتيان العرافين وسؤالهم، فقال: “من أتى عرّافًا فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة”. وهذا وعيد شديد لا يعني جواز ترك الصلاة، بل يجب على المسلم أن يستمر في أداء فرائضه، وأن يتوب إلى الله من هذا الفعل، وألا يجعل مدعي الغيب مرجعا في شؤونه ومصيره.

ولا تقف أضرار الشعوذة عند الجانب العقدي، بل تمتد إلى الأسرة، حيث قد يتخذ المشعوذ من الخلافات الزوجية، أو تعثر الزواج، أو تأخر الإنجاب، أو النزاعات بين الأقارب، مدخلا لإشعال العداوة وتوسيع دائرة الشك. فيتهم هذا الشخص ذاك بالسحر، ويزرع في نفس الزوج الريبة من زوجته، أو يقنع المرأة بأن قريبة لها تتربص بها، فتتحول العلاقات التي ينبغي أن تقوم على المودة والثقة إلى ساحات من الاتهام والقطيعة. وقد ذكر الله تعالى من آثار السحر التفريق بين الزوجين، فقال سبحانه: “فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ”. غير أن الإيمان بوجود السحر لا يبرر تفسير كل خلاف أو مرض أو فشل به، ولا يمنح أحدا الحق في اتهام الناس دون بينة؛ فذلك يفتح أبواب الظلم، ويحول الخوف من الغيب إلى أداة لتمزيق المجتمع من داخله.

ومن وجوه الخطر كذلك استغلال حاجة الناس وأموالهم، إذ قد يجد المشعوذ في المريض، أو الفقير، أو الخائف على أسرته، أو الباحث عن الرزق، فريسة سهلة للوعود الكاذبة والطلبات المتكررة. وقد يوهم ضحيته بأنه قادر على إزالة الضرر، أو جلب المحبة، أو تحقيق الغنى، أو كشف من يتآمر عليه، ثم يطالبه بالمال مرة بعد أخرى، حتى يصبح الخوف وسيلة للابتزاز، والأمل سلعة للبيع. وقد نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل، فقال: “وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ”. ومن هنا، فإن مكافحة الشعوذة لا تتعلق بالدفاع عن العقيدة وحدها، بل تشمل أيضا حماية المواطنين من الاحتيال والاستغلال المالي، وصيانة كرامتهم، ومنع المتلاعبين بحاجاتهم من تحويل معاناتهم إلى مصدر للربح والنفوذ.

وتزداد خطورة هذه الممارسات حين تدفع الإنسان إلى إهمال العلاج، أو قطع صلته بالأسباب المشروعة، أو تفسير كل ما يصيبه على أنه أثر للسحر أو الحسد. فالمرض قد تكون له أسباب طبية معروفة، والخلافات قد تنشأ عن مشكلات اجتماعية ونفسية، وتعثر الأحوال قد يرتبط بظروف واقعية تحتاج إلى معالجة واعية، لا إلى تسليم العقل لكل من يدعي معرفة الأسرار. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً”. كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك”. وفي هذين الحديثين دلالة على مشروعية التداوي، وإباحة الرقية الخالية من الشرك، وضرورة التمييز بين العلاج المشروع والممارسات المحرمة. فليس من التوكل أن يترك الإنسان الدواء، ولا من الإيمان أن يصدق كل ادعاء، ولا من الرقية الشرعية أن تستباح أموال الناس أو أعراضهم أو خصوصياتهم باسم الدين.

إن مواجهة الشعوذة تبدأ بتصحيح العقيدة، ونشر العلم الشرعي الصحيح، وتعليم الناس أن التوكل على الله لا يعني الاستسلام للأوهام، وأن الاستعانة بالله لا تستلزم اللجوء إلى الكهان والمشعوذين، وأن ما يجهله الإنسان لا يحق له أن يملأ فراغه بالظنون والاتهامات. كما تقتضي هذه المواجهة حماية الناس من الدجل، وتشجيعهم على التثبت قبل تصديق الادعاءات، والرجوع إلى أهل العلم الموثوقين في المسائل الشرعية، وإلى الأطباء والمختصين عند الحاجة إلى العلاج. وينبغي أن تقوم هذه المواجهة على العدل والبينة، فلا يتّهم أحد بالشعوذة لمجرد خلاف شخصي أو إشاعة متداولة، ولا يحكم على إنسان بعينه في دينه لمجرد وصفه بهذه الممارسة، بل ينظر في الأفعال والأدلة، وتراعى الضوابط الشرعية والقانونية.

ومن هنا، فإن على الدولة مسؤولية واضحة في مواجهة الشعوذة والمشعوذين، لما يمثلونه من خطر على العقيدة، وتهديد لاستقرار الأسرة، واستغلال لأموال المواطنين، وإضرار بالصحة العامة، وإثارة للفتن والعداوات داخل المجتمع. ولا ينبغي أن تقتصر هذه المواجهة على ردود الأفعال المؤقتة، بل يجب أن تقوم على تطبيق القانون على من تثبت ممارستهم للاحتيال أو السحر المحرم أو استغلال الناس، وملاحقة شبكات الابتزاز والتضليل، وحماية الضحايا، ونشر الوعي الديني والعلمي، والتعاون بين الجهات المختصة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية. فالدولة التي تحمي مواطنيها لا تكتفي بمواجهة الأخطار الظاهرة، بل تتصدى أيضا للممارسات التي تستنزف أموالهم، وتعبث بعقولهم، وتفكك أسرهم، وتزرع الخوف في حياتهم. كما أن حماية المجتمع لا تكون بالتشهير بالأفراد أو إدانة الناس بالشائعات، وإنما بإقامة العدل، والتحقق من الوقائع، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون.

وفي الختام، فإن الشعوذة ليست طريقا إلى النجاة، ولا وسيلة مشروعة لحل المشكلات، ولا بابا لمعرفة الغيب؛ إنها باب خطير متى اقترن بالسحر والكهانة والخداع، أضر بعقيدة الإنسان، وأضعف وعيه، وفتح المجال لاستغلاله وإيذائه. والواجب أن يعود الناس إلى هدي القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وأن يتحصنوا بالعلم والعبادة والرقية المشروعة، وأن يرفضوا كل ادعاء لا يقوم على دليل، وكل ممارسة تستبيح أموالهم أو أعراضهم أو أمنهم. فالمجتمع الذي يريد حماية دينه واستقراره وكرامة أفراده لا يجوز أن يترك الشعوذة تنتشر بلا مواجهة؛ بل عليه أن يحاربها بالعلم والعدل والقانون، وأن يقطع الطريق على كل من يتخذ خوف الناس تجارة، وجهلهم وسيلة، ومعاناتهم سلما للنفوذ والمال.

محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا

تنويه إلى متابعي الكرام 🚨

على ذكر موضوع الشعوذة والمشعوذين، أود أن أنبه متابعي الكرام إلى أن الفيديو المرفق بهذا النص مصدره قيادة الأمن الداخلي في محافظة دير الزور بالجمهورية العربية السورية، وقد أرفقته من باب التنبيه والتحذير من خطر هذه الظاهرة وما قد يترتب عليها من أضرار دينية واجتماعية وأمنية.

وإن كنت أوجه خطابي في هذا المقال إلى السلطات الموريتانية والمجتمع الموريتاني على وجه الخصوص، فإن الغاية هي التحذير من خطر الشعوذة والمشعوذين، والتنبيه إلى ضرورة التصدي لهذه الظاهرة قبل أن تتسع دائرة أضرارها، مع التأكيد على أن مواجهتها مسؤولية مشتركة، تتطلب وعي المجتمع وحزم الدولة في تطبيق القانون على كل من تثبت ممارسته للدجل والاحتيال واستغلال الناس.

فإرفاق الفيديو لا يعني أن وقائعه حدثت في موريتانيا، وإنما أوردته شاهدا توضيحيا على خطورة الظاهرة، ودافعا إلى التنبيه والتحذير منها، والدعوة إلى اتخاذ التدابير القانونية اللازمة لمواجهتها، حماية للعقيدة، وصونا لأموال المواطنين وكرامتهم، وحفاظا على أمن المجتمع واستقراره.

وشكرا.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى