حين يكرم الإنسان لأنه إنسان.. حكاية وفاء في السفارة السعودية بنواكشوط “فيديو”

كنت أتصفح صفحة السفارة السعودية في نواكشوط على منصة “إكس”، تويتر سابقا، حين استوقفني منشور يتحدث عن إقامة سعادة السفير الدكتور عبد العزيز بن عبدالله الرقابي حفل عشاء تكريما لعدد من العمال الموريتانيين الذين انتهت فترة عملهم بالسفارة، بعد سنوات طويلة من العطاء تجاوزت الأربعين عاما لدى بعضهم، وبلغت خمسين عاما لدى آخرين. وقد عبر السفير عن تقديره لجهودهم وأخلاقهم طوال سنوات الخدمة، وقدم لهم الهدايا تكريما لما بذلوه، بحضور جميع أعضاء البعثة الدبلوماسية. بدا الخبر، في ظاهره، مبادرة وفاء مستحقة، لكنه كان يخفي وراء تفاصيله البسيطة معنى إنسانيا أعمق، لم أكتشفه إلا حين شاهدت الفيديو المرفق بالمنشور؛ فتوقفت أمام مشهد يستحق التأمل، لا لأنه حفل أُقيم وانتهى، بل لأنه كشف جانبا من أخلاق الإنسان حين تسمو به مكانته، وتزداد المناصب به تواضعا، وتصبح الدبلوماسية وجها مشرقا للقيم التي يمثلها الوطن.

في الخيمة السعودية داخل مقر السفارة، اجتمع السفير وأعضاء البعثة مع إخوانهم الموريتانيين الذين أمضوا عقودا من أعمارهم في العمل، في مشهد لم تكن أجمل ما فيه موائد العشاء ولا الهدايا المقدمة، وإنما تلك الروح التي جمعت الجميع على مائدة الوفاء. بدا اللقاء أقرب إلى اجتماع أسرة تستعيد ذكرياتها وتودع أبناءها الذين شاركوها سنوات طويلة من العمل، منه إلى مناسبة إدارية لتوديع موظفين انتهت خدماتهم. هنا تتجلى قيمة الإنسان حين يجعل من الكرم أكثر من ضيافة، ومن الاحترام أكثر من مجاملة، ومن الوفاء أكثر من واجب وظيفي. فليست العظمة أن يمتلك المرء القدرة على التكريم فحسب، وإنما أن يشعر من يكرمهم بأنهم أهل لهذا التقدير، وأن سنوات عطائهم لم تمر عابرة، وأن ما قدموه سيظل محفوظا في ذاكرة المكان وأهله، حتى بعد أن يغادروا مواقعهم وتطوى صفحات خدمتهم الرسمية.

غير أن اللحظة التي منحت هذا المشهد معناه الأعمق جاءت حين تقدم أحد الموريتانيين ليتحدث نيابة عن زملائه، فإذا بكلمات قليلة تختصر عقودا من التجربة، وتكشف عن حقيقة لا تستطيع البيانات الرسمية أن تصنعها، ولا المجاملات العابرة أن تمنحها صدقيتها. قال الرجل إنهم لم يشعروا يوما بالدونية خلال عملهم في السفارة، وإنهم عاشوا إلى جانب إخوانهم السعوديين بروح من الاحترام والتقدير. توقفت طويلا عند هذه الشهادة؛ فكم من عامل أمضى عمره في مؤسسة، ثم غادرها دون أن يشعر بأن إنسانيته كانت موضع اعتبار؟ وكم من موظف أدى واجبه بإخلاص، لكنه لم يجد عند نهاية الطريق كلمة وفاء تنصف سنواته؟ أما أن يشهد رجل، بعد أربعين أو خمسين عاما من العمل، بأنه لم يشعر بأنه أقل شأنا من زملائه، فتلك شهادة أخلاقية رفيعة، لا تمنحها الألقاب ولا تشتريها المجاملات، وإنما تصنعها المعاملة اليومية، وتحفظها المواقف، ويصدقها الزمن.

ثم جاءت الحكاية التي جعلت المشهد أكثر إشراقا، حين روى المتحدث أنه كان يعمل في منزل السفير، وفي أحد الأيام كان يؤدي صلاة المغرب، فلما سلم من صلاته فوجئ بالسفير الدكتور عبد العزيز الرقابي يصلي خلفه. يا لهذا الموقف الذي تختصر فيه لحظة واحدة معاني عظيمة! رجل يعمل في منزل السفير، فيقف السفير خلفه في الصلاة، فلا تفصل بينهما حواجز المنصب، ولا تتقدم المكانة الدنيوية على مقام العبودية لله. هناك، في حضرة الصلاة، تتراجع الألقاب، وتذوب الفوارق، ويقف الجميع على قدم المساواة أمام الخالق العظيم. وما أجمل أن يصدر هذا الموقف عن رجل يتولى تمثيل بلاده في موقع دبلوماسي رفيع؛ إذ لا يكتفي بالحديث عن التواضع، بل يترك لمواقفه أن تتحدث عنه، ولا يجعل من مكانته امتيازا يرفعه فوق الناس، بل مسؤولية تلزمه بمزيد من الخلق والاتزان. إنها صورة تختصر معنى أن يكون الإنسان كبيرا بمنزلته، وأكبر بأخلاقه.

وفي ذلك الموقف تتجلى أصالة الإنسان السعودي حين يلتقي الكرم بالتواضع، وهيبة المسؤول برحابة الإنسان، ويصبح الإيمان سلوكا يرى في المعاملة، لا كلمات تردد في المناسبات. فالتواضع الحقيقي ليس أن يتنازل المرء عن احترامه، وإنما أن يمنح الآخرين احترامهم، وليس أن يخفي مكانته، وإنما ألا يجعلها سببا لانتقاص مكانة غيره. وقد علمنا ديننا أن معيار التفاضل الأسمى هو التقوى، وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون رهينة ماله أو منصبه أو جنسيته. ومن هذا المنطلق، فإن صورة السفير وهو يصلي خلف أحد العاملين في منزله ليست مجرد ذكرى جميلة رواها رجل في حفل تكريم، بل درس أخلاقي بليغ في معنى المساواة أمام الله، وفي قدرة الإيمان الصادق على تهذيب النفوس وتحريرها من أوهام التعالي. ولعل أجمل ما في المشهد أنه لم يقدم بوصفه استعراضا للفضيلة، وإنما جاء شهادة عفوية من إنسان عاش التجربة، فكان لكلماته من الصدق ما يجعلها أبلغ من خطب طويلة.

وإذا كان الكرم من شيم العرب، فإن أجمل صوره ليست في كثرة ما يقدم للضيف، وإنما في حفظ كرامته، وإشعاره بقيمته، وتذكر فضله بعد انقضاء حاجته. وهذا ما يجعل مبادرة السفير الرقابي جديرة بالتقدير؛ فقد جمعت بين كرم الضيافة وكرم الوفاء، وبين رقي البروتوكول ودفء العلاقات الإنسانية، وبين تقدير سنوات الخدمة والاعتراف بأصحابها. لم يكن التكريم مجرد إجراء يستكمل عند نهاية العمل، بل بدا رسالة تقول إن الإنسان لا يفقد قيمته حين تنتهي مهمته، وإن من أفنى سنوات من عمره في خدمة مؤسسة يستحق أن يغادرها مرفوع الرأس، محاطا بالتقدير، محتفظا بذكريات طيبة عن المكان والرجال. وهذه من أنبل خصال القيادة؛ أن يدرك المسؤول أن نجاح المؤسسة لا يقاس بما تحققه من نتائج فحسب، بل كذلك بما تتركه في نفوس العاملين فيها من شعور بالعدل والاحترام والانتماء، وأن أثر الكلمة الطيبة قد يبقى في الذاكرة أطول من أثر سنوات العمل نفسها.

ولأن المواقف النبيلة لا تنفصل عن سياقها الأوسع، فإن هذه الحكاية تقدم صورة مشرقة عن العلاقات السعودية الموريتانية، بما تقوم عليه من أخوة الدين، ووشائج المودة، وامتداد الروابط التاريخية والإنسانية. فالعلاقات بين الشعوب لا تعيش بالاتفاقيات وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تحتاج إلى وجوه صادقة تمنحها روحها، وإلى مواقف تحفظ لها دفئها، وإلى رجال يدركون أن تمثيل الوطن مسؤولية تتجاوز حدود المكاتب والقاعات الرسمية. وحين يخرج عامل موريتاني من تجربة امتدت عقودا ليشهد بأنه لم يشعر بالدونية، فإن هذه الشهادة تمثل رصيدا إنسانيا ثمينا في سجل العلاقة بين البلدين الشقيقين. وحين يحرص السفير السعودي على تكريم هؤلاء العاملين، ويجتمع بهم ومعه أعضاء البعثة في أجواء من الود والتقدير، فإنه يعزز معنى الأخوة بالفعل قبل القول، ويؤكد أن العلاقات المتينة تبدأ من احترام الإنسان، وأن الدبلوماسية الأجمل هي التي تجعل الشعوب ترى في ممثلي الدول امتدادا لقيمها النبيلة، لا مجرد شاغلين لمناصب رسمية.

ويستحق الإشارة كذلك أن هذا المشهد لم يكن جهدا معزولا عن محيطه؛ فقد حضر جميع أعضاء البعثة الدبلوماسية حفل التكريم، في صورة تعكس روح الفريق وأهمية القيم التي تجمع أفراده. وهنا يبرز دور السفير في بناء بيئة عمل تتجاوز حدود أداء المهام إلى ترسيخ الاحترام المتبادل، وتعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة، وإشاعة ثقافة لا تنظر إلى العاملين من خلال درجاتهم الوظيفية وحدها، بل من خلال إنسانيتهم وإخلاصهم وما قدموه من جهد. فالقائد الحقيقي لا يكتفي بأن يكون قدوة في سلوكه الشخصي، وإنما ينجح حين تصبح أخلاقه جزءا من الثقافة التي تسود فريقه، وحين تتحول مبادئه إلى ممارسات يتشارك الجميع في حملها. ومن هذه الزاوية، فإن حضور أعضاء البعثة جميعا يضيف إلى المبادرة قيمة مؤسسية، ويجعلها أكثر من لفتة شخصية؛ إنها صورة لعمل دبلوماسي يعرف أن الاحترام لا يفرض بالمنصب، وإنما يُكتسب بالأخلاق، وأن نجاح الفريق يبدأ من تقدير كل فرد فيه.

أما ما ذكره المتحدث عن أداء عدد من زملائه فريضة الحج، والحمد لله، فيضيف إلى الحكاية بعدا إيمانيا آخر، ويذكرنا بما يجمع الشعبين الشقيقين من روابط تتجاوز حدود الجغرافيا والعمل والمصالح. فالمملكة العربية السعودية تحتضن الحرمين الشريفين، وترتبط في وجدان المسلمين بمعاني الحج والعبادة والسكينة، وموريتانيا أرض عريقة في تعلق أهلها بدينهم واعتزازهم بهويتهم الإسلامية. وبين هذين الشعبين مساحة واسعة من المودة والتاريخ المشترك، تتجدد معانيها في مثل هذه المواقف الإنسانية الصادقة. وليس المقصود أن تختزل العلاقات بين البلدين في مشهد واحد، وإنما أن ندرك كيف تسهم التفاصيل الصغيرة في صيانة العلاقات الكبيرة، وكيف يمكن لحسن المعاملة أن يمنح الروابط الرسمية عمقا إنسانيا، وللكرم أن يفتح أبواب المودة، وللاحترام أن يترك في النفوس أثرا لا تمحوه السنوات. فالشعوب تتقارب حين تجد في تعامل بعضها مع بعض ما يؤكد أن القيم النبيلة ليست حكرا على الكلمات، بل حقيقة تمارسها الأيدي وتثبتها المواقف.

ومن هنا أصل إلى المعنى الذي استوقفني منذ اللحظة الأولى، وأراه جديرا بأن يقال بوضوح: إن المملكة العربية السعودية تعرف كيف تختار دبلوماسييها. فالدبلوماسي ليس مجرد مسؤول يجيد لغة البيانات، ويحسن إدارة اللقاءات، ويلتزم بقواعد البروتوكول؛ إنه واجهة وطن، وصوت قيمه، وصورة أخلاقه أمام الشعوب. والسفير الناجح هو الذي يجمع بين الكفاءة المهنية ونبل السلوك، وبين قوة الحضور ولين الجانب، وبين هيبة المنصب والتواضع للناس. وفي شخصية الدكتور عبد العزيز بن عبدالله الرقابي، كما تعكسها هذه المبادرة والشهادة الموريتانية المصاحبة لها، نرى نموذجا يستحق الإشادة لدبلوماسي يدرك أن تمثيل المملكة أمانة، وأن أفضل ما يمكن أن يقدمه لوطنه ليس خطابا بليغا فحسب، بل سيرة طيبة يرويها الناس من واقع تجربتهم معه. فحين يشهد من عملوا إلى جواره بأنهم وجدوا الاحترام والكرامة، وحين تبقى في ذاكرتهم مواقف التواضع والوفاء، فإن ذلك يمنح الرسالة الدبلوماسية مصداقية لا تستطيع أي حملة إعلامية أن تصنعها وحدها.

إن الإشادة بالسفير الرقابي لا تحتاج إلى مبالغة، لأن الموقف في حد ذاته يحمل ما يكفي من الدلالات، ولا يحتاج إلى تحميله ما لا يحتمل. فتكريم العاملين عند نهاية خدمتهم سلوك حضاري محمود، لكن قيمته تتضاعف حين يقترن بصدق العلاقة، وسمو المعاملة، وشهادة من عاشوا التجربة سنوات طويلة. ومن الإنصاف أن نقول إن هذه المبادرة تقدم درسا في الإدارة قبل أن تكون مناسبة للثناء، وفي القيادة قبل أن تكون حفلا للتكريم، وفي الدبلوماسية قبل أن تكون مشهدا بروتوكوليا. إنها تذكير لكل مسؤول بأن المنصب، مهما علا، لا يمنح صاحبه عظمة أخلاقية تلقائية، وأن المكانة الحقيقية تبنى بما يتركه المرء في قلوب الناس، وبما يحفظه لهم من كرامة، وبما يقدمه من عدل وتقدير. أما السفير الذي يجمع بين حسن التمثيل ورفعة الخلق، فإنه يمنح وطنه رصيدا من المحبة والاحترام، ويجعل من حضوره فرصة لتعزيز الثقة، ومن سلوكه رسالة صامتة أبلغ من كثير من الكلمات.

لهذا، لم أر في ذلك الفيديو مجرد حفل عشاء لموظفين انتهت فترة عملهم، بل رأيت حكاية وفاء، وصورة أصالة، ودرسا في التواضع، ونموذجا لدبلوماسية تستمد قوتها من أخلاقها. رأيت سفيرا يكرم من خدموا معه، ويصون ذكرى عطائهم، ويترك لشهادتهم أن تكشف ما قد لا تقوله الكلمات الرسمية؛ ورأيت رجالا موريتانيين يغادرون سنوات عملهم وهم يحملون في ذاكرتهم الاحترام والامتنان، لا الشعور بالانتقاص أو المرارة. وفي زمن تكثر فيه الأضواء، وتقل فيه أحيانا المواقف التي تستحقها، تظل هذه المشاهد جديرة بأن تروى، لا لمجرد الثناء على أصحابها، وإنما لتأكيد أن الأخلاق ما زالت أقوى جسور التواصل بين الناس، وأن التواضع يزيد أصحاب المكانة رفعة، وأن الوفاء لا يعرف جنسية حين يكون نابعا من قلب صادق. فشكرا للسفير الدكتور عبد العزيز الرقابي، وشكرا لأعضاء البعثة السعودية في نواكشوط، وشكرا لكل من جعل من العمل مساحة للكرامة، ومن المسؤولية بابا للإنسانية، ومن تمثيل الوطن فرصة لترك أثر طيب في حياة الآخرين.

محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى