الكرامة لا تنحني للألقاب.. فالمناصب عابرة، والهيبة أخلاق، والقيمة أثر لا تصنعه السلطة

الكرامة ليست كلمة تزين المقالات، ولا شعارا يرفع حين نحتاج إلى استمالة الناس، بل هي حقيقة الإنسان التي تبقى حين تسقط عنه الألقاب، وتتغير المواقع، وتنتهي المصالح. فالأيام لا تمنح أحدا حصانة من التبدل، والمناصب مهما علت تظل مراحل عابرة في حياة أصحابها، أما الأثر الذي يتركه الإنسان في نفوس الآخرين فيبقى شاهدا على حقيقته. وليس كل من ارتفع مقامه ارتفعت قيمته، كما أن التواضع لا ينقص من قدر صاحبه، بل قد يمنحه من الاحترام ما تعجز عن منحه أرفع المناصب. فهناك من يدخل المجالس فيفرض حضوره بسلطته، وهناك من يدخلها فيكسب القلوب بأخلاقه؛ والأول قد يحترم ما دام في موقعه، أما الثاني فيحترم حتى بعد أن يغادره.
وفي الدين، لا تتحدد قيمة الإنسان بما يملك من نفوذ، ولا بما يحظى به من مكانة بين الناس، وإنما بما يحمله من تقوى وعدل وحسن معاملة. وقد قال الله تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”، فجعل أصل التكريم متصلا بالإنسان نفسه، لا بالمنصب الذي يشغله ولا بالسلطة التي يمارسها. ومن أعمق معاني التدين أن يدرك المرء أن قدرته على الآخرين ليست مبررا للتعالي عليهم، وأن احترام الناس لا ينتزع منهم بالخوف، بل يكتسب بالعدل والإحسان. فما قيمة عبادة لا تهذب النفس، وعلم لا يورث التواضع، ومكانة لا تمنع صاحبها من ظلم من هم دونه؟ إن الإنسان لا يختبر حين يكون ضعيفا فحسب، بل يختبر أكثر حين يصبح قادرا؛ فهناك تظهر حقيقة أخلاقه، ويتبين إن كان قد اتخذ من قوته وسيلة لخدمة الناس، أم سلم نفسه لوهم أنه أصبح أكبر منهم.
وفي السياسة والإدارة، كثيرا ما يختلط مفهوم الهيبة بمفهوم التكبر، ويظن بعض الناس أن ارتفاع الصوت، والتشدد في المعاملة، وإشعار الآخرين بصغر مكانتهم، دليل على قوة الشخصية. والحقيقة أن المسؤول الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إهانة أحد كي يثبت حضوره، ولا إلى إشعار الناس بالخوف كي يؤكد سلطته؛ فهو يدرك أن المنصب مسؤولية قبل أن يكون امتيازا، وأن احترامه الحقيقي لا تصنعه المسافة التي يفرضها بينه وبين الناس، بل العدالة التي يقيمها بينهم. فالسلطة قد تمنح صاحبها القدرة على إصدار الأوامر، لكنها لا تمنحه حق الانتقاص من كرامة الآخرين، كما أن اختلاف المراتب لا يعني اختلاف القيمة الإنسانية. وقد يستطيع المسؤول أن يلزم الناس بالصمت، لكنه لا يستطيع أن يلزم قلوبهم بالاحترام؛ فذلك أمر لا تصنعه القرارات، ولا تضمنه المناصب، وإنما تصنعه المواقف.
واجتماعيا، لا شيء يكشف معدن الإنسان مثل طريقته في معاملة من لا يحتاج إليهم، أو من لا يملكون ما يقدمونه له من منفعة. فالتواضع مع أصحاب النفوذ قد يكون مصلحة، واللطف مع من نرجو عندهم حاجة قد يكون مجاملة، لكن الأخلاق الحقيقية تظهر حين نتعامل مع الإنسان لكونه إنسانا، لا لما يملكه أو يستطيع تقديمه. وليس من علامات الرفعة أن يشعر الآخرون بصغرهم أمامنا، بل أن يشعروا بأن كرامتهم محفوظة في حضرتنا. فكم من شخص بسيط في موقعه، عظيم في نفوس الناس، وكم من صاحب مكانة واسعة لا يترك وراءه إلا النفور والذكريات الثقيلة. والفرق بين الاثنين أن أحدهما أدرك أن قيمة الإنسان فيما يمنحه من احترام، بينما ظن الآخر أن قيمته فيما يستطيع فرضه من مسافة.
وفي العمل، لا تقاس مكانة الإنسان بقدرته على إخضاع الآخرين، بل بقدرته على بناء علاقة مهنية تقوم على الاحترام والإنصاف. فالمسؤول الناجح هو الذي يجمع بين الحزم وحسن المعاملة، ويعرف أن اختلاف الرأي لا يعني قلة الاحترام، وأن حفظ الحقوق لا ينتقص من سلطته، وأن الاعتراف بجهود الآخرين لا يقلل من شأنه. أما حين تتحول المسؤولية إلى وسيلة لإشعار العاملين بالدونية، ويصبح التقدير امتيازا يمنح للمقربين ويحجب عمن يستحقه، فإن بيئة العمل تخسر أهم مقومات نجاحها: الثقة. وفي العمل الإعلامي على وجه الخصوص، تزداد الحاجة إلى هذه القيم؛ لأن الكلمة مسؤولية، والكرامة المهنية لا تستقيم مع الابتزاز أو الإذلال أو استغلال الحاجة. فالإعلامي الذي يحترم نفسه ويحترم مهنته لا يتخلى عن ضميره طلبا للرضا، كما أن المسؤول الذي يثق بنفسه لا يرى في السؤال المهني تحديا لهيبته، ولا في الاختلاف معه انتقاصا من مقامه.
ولعل أكثر ما ينبغي أن يدركه الإنسان أن التواضع لا يعني الضعف، وأن حفظ الكرامة لا يعني التعالي، وأن الصمت أحيانا ليس اعترافا بالهزيمة، كما أن المجاملة ليست دائما دليلا على المحبة. فقد يصمت المرء احتراما للمقام، ويتجاوز عن الإساءة حفاظا على الود، ويختار الهدوء لأنه أكبر من الدخول في كل جدال؛ لكن ذلك لا يعني أنه لا يفهم، أو أنه لا يميز بين الاحترام والخوف، وبين التقدير والمصلحة. فالناس قد يجاملون أصحاب المناصب، وقد يسايرونهم ما دامت الحاجة قائمة، غير أن المجاملة لا تكشف دائما حقيقة ما في النفوس. وعندما تتغير الظروف، وتزول أسباب المصلحة، لا يبقى إلا ما صنعته الأخلاق من أثر. وحينها يكتشف الإنسان أن بعض المسافات التي ظنها دليلا على عظمته لم تكن إلا حواجز صنعها بنفسه بينه وبين الآخرين.
وفي النهاية، تظل الكرامة رأس مال الإنسان الحقيقي؛ بها يحفظ مكانته دون أن ينتقص من مكانة غيره، ويصون احترامه لنفسه دون أن يطلب من الناس الخضوع له، ويظل عزيزا حتى حين تتغير الظروف وتتبدل المواقع. فالمال قد ينفد، والمنصب قد ينتهي، والنفوذ قد ينتقل إلى غير صاحبه، لكن السيرة التي يتركها الإنسان في قلوب الناس تظل جزءا من تاريخه الذي لا يستطيع تغييره بقرار. وليس أعظم من مسؤول يخرج من منصبه وقد ازداد الناس احتراما له، لأنه عاملهم بإنسانية، وأنصفهم بعدل، واختلف معهم بأدب؛ فذلك هو الذي امتلك الهيبة دون أن يفرضها، وجمع بين القوة والتواضع دون أن يتنازل عن وقاره. فالكرامة هي رأس مال الإنسان، وليست العبرة بأن تكون فوق الناس في المنصب، بل أن تبقى كبيرا في نفوسهم حين لا يعود المنصب بينك وبينهم.
محمد سالم المختار الشيخ




