قاهر الصليبيين يعود إلى واجهة الجدل.. ماذا وراء حملات الطعن في صلاح الدين؟

بينما كنت أتصفح موقع فيسبوك ليلة البارحة، استوقفني مقطع لأحد الأشخاص من تونس، ينتسب إلى المذهب الشيعي، وهو ينهال على القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي بعبارات بذيئة وألفاظ ساقطة، لا تكشف عن شيء بقدر ما تكشف عن مستوى صاحبها وأخلاقه. وقد تذكرت وأنا أستمع إليه قول المتنبي: “وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأني كامل”. فما أغرب أن ينشغل إنسان بالطعن في رجل مات قبل قرون، وترك وراءه تاريخا من البطولات والمآثر، بينما لا يجد الطاعن في جعبته ما يقدمه سوى قاموس من الشتائم والسباب! وليس كل نقد تاريخي مذمة، ولكن حين ينحدر الكلام إلى البذاءة، تسقط دعوى النقد، وينكشف الحقد.
ولعل من يعرف تاريخ صلاح الدين الأيوبي يدرك أن سر العداء الذي يكنه له بعض المتعصبين ليس خافيا؛ فهذا الرجل لم يكن مجرد قائد عسكري هزم الصليبيين واسترد القدس، بل كان صاحب مشروع سياسي وعقدي غير وجه المنطقة. فقد أنهى الخلافة الفاطمية في مصر سنة 567هـ، وأعاد البلاد إلى إطار الخلافة العباسية، وعمل على ترسيخ المذهب السني وإحياء مؤسساته العلمية والدينية. ومن هنا نفهم جانبا من أسباب الخصومة التي يثيرها بعض المتعصبين حول سيرته؛ فصلاح الدين ارتبط اسمه بنهاية دولة قامت على المذهب الإسماعيلي، وكانت بينها وبين خصومها السنة خصومة سياسية وعقدية ممتدة. لكن التاريخ لا يكتب على مقاس الأحقاد المذهبية، ولا تمحى إنجازات الرجال لأن بعض الناس لا يروق لهم ما أنجزوه.
ولد صلاح الدين يوسف بن أيوب في تكريت سنة 532هـ، ونشأ في بيت عرف بالقيادة والفروسية، حتى صار واحدا من أبرز سلاطين المسلمين في تاريخهم. لم تكن عظمته في شجاعته العسكرية وحدها، وإنما في قدرته على تحويل التفرق إلى قوة، وجمع مصر والشام تحت راية واحدة، وتوجيه طاقات المسلمين نحو مواجهة الخطر الصليبي. وقد أدرك أن تحرير القدس لا يبدأ من أسوارها، بل من توحيد الصفوف، وإصلاح أحوال الدولة، وإعداد الجيوش، وتأمين مواردها. ولذلك لم يكن مشروعه اندفاعا عاطفيا عابرا، بل عملا سياسيا وعسكريا متدرجا، بذل فيه سنوات من عمره، حتى أذن الله له ببلوغ الغاية التي طالما عمل من أجلها.
وتجلت ثمرة ذلك المشروع في معركة حطين سنة 583هـ، حين ألحق بالصليبيين هزيمة ساحقة، وكسر قوتهم العسكرية، وأسر عددا من كبار قادتهم وملوكهم، وكان في مقدمتهم ملك القدس غي دي لوزينيان. ولم تكن حطين مجرد انتصار في ميدان القتال، بل كانت نقطة تحول كبرى فتحت الطريق أمام استعادة مدن وقلاع كثيرة، ومهدت لتحرير بيت المقدس بعد أن ظل تحت الاحتلال الصليبي نحو تسعة عقود. وفي الثاني من أكتوبر سنة 1187م دخل صلاح الدين القدس فاتحا، بعد أن قبل أهلها التسليم بالأمان والفداء، فلم يكرر المذبحة التي ارتكبها الصليبيون عند احتلالها سنة 1099م. وهنا تتجلى عظمة القائد الذي جمع بين قوة السيف وسعة الصدر، وبين القدرة على الانتصار والقدرة على العفو عند المقدرة.
ولم يكن صلاح الدين بطلا في ساحات القتال فحسب، بل كان صاحب نفس زاهدة وقلب متعلق بالآخرة، كما تصوره روايات المؤرخين الذين عاصروه. فقد عرف بالتقشف في مأكله وملبسه ومركبه، ولم تغره خزائن الملك ولا مظاهر السلطان، وكانت غايته الكبرى نصرة الإسلام وإعداد القوة لمواجهة أعدائه. وكان شديد المحافظة على الصلاة، حريصا على صلاة الجماعة، حتى إن الروايات تذكر أنه كان يتكلف القيام للصلاة مع اشتداد مرضه. وكان رقيق القلب، سريع الدمعة عند سماع القرآن، محبا لمجالس العلم والحديث، مقربا للعلماء والفقهاء. وهذه الخصال ليست تفصيلا هامشيا في سيرته، بل هي جانب من شخصيته يفسر كيف اجتمع في رجل واحد سلطان الدولة، وشجاعة الفارس، وتواضع العابد.
أما كرمه وحلمه وحسن عشرته، فقد حفظت كتب التاريخ من أخبارها ما يشهد له بمكانة رفيعة بين الملوك. كان كثير العطاء، لا يضيق بالسائل، ولا يتعمد إحراج المحتاج، ويصفح عن الزلات ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وقد ذكر المؤرخون أنه أنفق أموالا عظيمة على جنده وأمرائه وأهل الحاجة، حتى لم يترك عند وفاته ثروة تليق بما كان تحت يده من ملك وسلطان. وتروي كتب التراجم أنه لم يخلف في خزانته إلا قدرا يسيرا من المال، مع اختلاف الروايات في مقداره، وذلك لكثرة ما بذله من عطايا وصدقات. ومن أبلغ ما يختصر هذه الصورة أن الرجل الذي امتدت دولته على مساحات واسعة، وارتجفت أمام جيوشه عروش الملوك، رحل عن الدنيا ولم يجعل من السلطان وسيلة لجمع الثروة وتكديس الأموال.
وفي السابع والعشرين من صفر سنة 589هـ، أسلم صلاح الدين روحه إلى بارئها في دمشق، بعد حياة حافلة بالجهاد والسياسة والقيادة، وهو في السابعة والخمسين من عمره. وتذكر الروايات أنه في سكرات الموت كان يقرأ عنده القرآن، فلما بلغ القارئ قوله تعالى: “لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ” تبسم وتهلل وجهه، ثم فاضت روحه. وقد حزن الناس لوفاته حزنا عظيما، وذكر الذهبي أن الناس وجدوا عليه من الحزن ما لم يعرفه في ملك غيره. وهكذا انطوت صفحة رجل لم يكن ملكه في اتساع الأرض التي حكمها، وإنما في الأثر الذي تركه، والقدوة التي قدمها، والقدس التي أعادها إلى حاضرة المسلمين. فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ومن هنا، فإن الواجب علينا ألا نترك تاريخ رجالنا نهبا للأكاذيب والخصومات المذهبية، وألا نسمح لمن لا يعرف من التاريخ إلا ما يخدم تعصبه أن يصنع وعينا أو يشوه رموز أمتنا. كما ينبغي أن نميز بين النقد العلمي الذي يقوم على الوثيقة والدليل، وبين الطعن الذي لا يستند إلا إلى الكراهية والتشويه. وليس من الحكمة أن نرد على الغلو بغلو مثله، أو أن ننسب إلى جميع أبناء مذهب ما جرائم بعض المتعصبين منهم؛ فالحجة العادلة أقوى من الشتيمة، والتاريخ أوسع من أن تختزله مقاطع التواصل الاجتماعي. ومن واجبنا أن نعرف الأجيال بسيرة صلاح الدين، وأن نقرأ تاريخ الدولة الفاطمية وتحول مصر في عهده قراءة موثقة، وأن نكشف الأكاذيب بالحجة والبرهان. فالرجل الذي حرر القدس لا يحتاج إلى أن نختلق له فضائل، ولا أن نبالغ في بطولاته؛ فحسبه ما شهدت به كتب التاريخ، وما بقي من أثره في ذاكرة المسلمين والعالم. رحم الله صلاح الدين الأيوبي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل في هذه الأمة رجالا يحملون همها، ويجمعون كلمتها، ويعملون لنصرتها كما عمل.
محمد سالم المختار الشيخ/ موريتانيا




