لا تقرؤوا الحوثي من شعاراته، بل من سجله: رسالة إلى بعض الموريتانيين

ليست كل راية ترفع باسم الدين راية حق، وليس كل من هتف للمقاومة يستحق أن يصفق له، فبين الشعارات التي تستميل العواطف، والحقائق التي تكشفها العقائد والممارسات، مسافة لا يدركها إلا من امتلك شجاعة النظر إلى ما وراء الضجيج الإعلامي. ومن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان أن يسمح لشعار سياسي بأن يعطل عقله، أو أن تجعله خصومة طرف مع أمريكا وإسرائيل يتغاضى عن جرائمه بحق المسلمين، أو أن تدفعه الحماسة لقضية عادلة إلى تزكية جماعة ظالمة. وهذا بالضبط ما أراه في موقف تلك القلة القليلة من الموريتانيين التي انخدعت بالحوثيين، فأخذت تدافع عن جماعة لا تعرف حقيقة عقيدتها، ولا طبيعة مشروعها، ولا حجم الكارثة التي صنعتها في اليمن.
إن جماعة الحوثي، التي تتخذ من اسم “أنصار الله” عنوانا لها، ليست ممثلا للإسلام ولا ناطقا باسم المسلمين، وإنما هي جماعة مسلحة ذات مشروع طائفي وسلالي، اتخذت من الدين وسيلة لتسويغ السلطة، ومن السلاح أداة لفرض الهيمنة، ومن الشعارات السياسية ستارا للتغطية على ممارساتها. إنها جماعة لا يمكن الحكم عليها بما تردده في خطبها، بل بما تحمله من أفكار، وما تفرضه من أحكام، وما ترتكبه من انتهاكات، وما تتركه من خراب في حياة الناس ومؤسسات الدولة. فالإسلام ليس ملكا لتنظيم مسلح، والمقاومة ليست صك براءة، ولا يجوز أن تتحول العداوة لأمريكا وإسرائيل إلى حصانة تمنع مساءلة الجماعة عن دماء اليمنيين وأموالهم وحقوقهم.
أما جذور هذه الجماعة وأصول الأسرة التي تتصدر قيادتها، فهي بدورها موضع جدل تاريخي، وهناك روايات تطرح الأصول الفارسية للأسرة وتشكلها التاريخي، وهو ما أتبناه في قراءتي لهذا المشروع، إلى جانب ما أراه من انسجام بين هذه الخلفية وبين الارتباط العقائدي والسياسي والعسكري الوثيق بإيران. ولا أرى أن المسألة تتوقف عند تحديد الأصل العرقي، وإنما تتجاوز ذلك إلى مشروع يتبنى النموذج الإيراني في الحكم والولاية، ويستنسخ أدواته في التعبئة والسيطرة، ويجعل الولاء لمحور خارجي جزءا من معادلته السياسية والعسكرية. فاليمنيون ليسوا مطالبين بتسليم وطنهم لأسرة أو جماعة، وليس من حق أحد أن يحول التاريخ والنسب والمعتقد إلى وثيقة ملكية على شعب بأكمله.
وعلى المستوى العقدي، فإن الفكر الحوثي يحمل تصورات تخالف أصول أهل السنة والجماعة في قضايا جوهرية، وفي مقدمتها الغلو في الإمامة والولاية، ورفع شأن السلالة الهاشمية إلى مرتبة تجعل الانتساب إليها أساسا للحق في الحكم والامتياز والطاعة. كما أن المرجعيات الإمامية التي يستلهم منها هذا الفكر تتضمن مواقف من الصحابة وأمهات المؤمنين تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة، فضلا عن جعل الولاية والإمامة معيارا للولاء الديني والسياسي. وهذه ليست خلافات هامشية يمكن تجاوزها لمجرد الاتفاق مع الجماعة في موقف سياسي، بل مسائل تمس أصول الاعتقاد ومكانة الجيل الذي نقل إلينا القرآن والسنة. فكيف يستقيم أن يدافع مسلم عن جماعة تتبنى هذا المسار، ثم يتعامل مع شعاراتها وكأنها تمثل الإسلام الذي يعرفه ويؤمن به؟
والأخطر أن هذه التصورات لا تبقى حبيسة الكتب والمجالس، بل تتحول إلى برنامج سياسي يريد إخضاع المجتمع لها. فالجماعة لا تكتفي بالمطالبة بحقها في المشاركة السياسية، وإنما تقدم نفسها بوصفها صاحبة حق استثنائي في الحكم، وتمنح قيادتها مكانة تتجاوز المحاسبة والمساءلة، وتريد من اليمنيين أن يتعاملوا مع سلطتها باعتبارها امتدادا لحق ديني مفروض. وهنا تقع الكارثة: حين يتحول الانتساب العائلي إلى امتياز سياسي، والطاعة للقيادة إلى واجب ديني، والاعتراض على الحاكم إلى معصية، يصبح الدين أداة في يد المستبد، وتتحول العقيدة إلى قيد على رقاب الناس. والله سبحانه وتعالى لم يجعل السيادة حكرا على أسرة، ولم يجعل خيرات الأوطان غنيمة لفئة، ولم يخلق الشعوب لتكون خادمة لحكام يفرضون أنفسهم باسم المقدس.
ولا تقف خطورة هذا المشروع عند احتكار السلطة، بل تمتد إلى العبث بالمؤسسات الدينية والتعليمية، وإخضاع المساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم لسلطة الجماعة ومناهجها التعبوية. وقد شهد اليمن اعتداءات على مؤسسات دينية وتعليمية، وفرضا لخطاب عقائدي وسياسي خاص داخل المدارس والمساجد، واستغلالا لهذه المؤسسات في التعبئة والتجنيد. كما تداول ناشطون يمنيون صورا ومقاطع عن تحويل بعض المرافق الدينية إلى أماكن لاستخدامات أخرى، وعن ممارسات تتعلق بالقات والمخدرات والحبوب المهلوسة في بعض التجمعات. إن جماعة تجعل الدين تابعا لأجهزتها، وتريد للمسجد والمدرسة أن يكونا امتدادا لمشروعها السياسي والعسكري، لا يمكن أن تقدم نفسها حامية للدين. فالمقدسات لا تتحول إلى أدوات في يد الميليشيات، وبيوت الله ليست مقرات لتكريس الولاء الحزبي والسلالي.
أما الاعتداء على المملكة العربية السعودية واستهداف أراضيها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، فهو دليل صارخ على خطورة هذا المشروع على أمن المنطقة وحرمة بلاد الحرمين. فقد أطلقت الجماعة صواريخ باتجاه الأراضي السعودية، واستهدفت منشآت مدنية واقتصادية ومطارات ومواقع حيوية، ووصل الأمر إلى واقعة الصاروخ الذي أكدت قيادة التحالف عام 2016 إنه كان متجها نحو منطقة مكة المكرمة. وأيا كانت الروايات بشأن الهدف النهائي لتلك الضربة، فإن سجل الهجمات الحوثية على المملكة ثابت، ولا يحتاج إلى من يتبرع بتبريرها أو البحث عن أعذار لها. إن استهداف بلاد الحرمين ليس بطولة عسكرية، ولا عملا مقاوما، بل اعتداء على أمن دولة تحتضن أقدس مقدسات المسلمين، وتستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين، وتتحمل مسؤولية عظيمة في حمايتهم. ومن يستهين بأمن المملكة، أو يبرر استهدافها، فعليه أن يسأل نفسه عن حقيقة الشعارات الدينية التي يصفق لها.
أما اليمنيون، فهم أصحاب النصيب الأكبر من جرائم هذه الجماعة ومغامراتها. فقد حولت الحوثية بلادهم إلى ساحة حرب، وساهم انقلابها وسياساتها في تدمير مؤسسات الدولة وتعميق الانهيار الإنساني والاقتصادي، وارتبط سجلها بالقتل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري وتجنيد الأطفال والتضييق على الصحفيين والمعارضين. ودفعت أسر كثيرة إلى النزوح والتشرد، وفقدت عائلات أبناءها ومصادر رزقها، وتحولت حياة الملايين إلى معركة يومية من أجل الغذاء والدواء والأمان. فبأي منطق يمكن أن نصف جماعة بهذه الممارسات بأنها نصيرة للمستضعفين؟ وأي مقاومة هذه التي تستنزف شعبها، وتزج بأطفاله في المعارك، وتعتقل معارضيها، وتفرض الخوف على مجتمعه، ثم تطلب من العالم أن يصفق لها لأنها ترفع شعارات كبيرة؟
إن من أبشع ما في المشروع الحوثي أنه يسعى إلى إعادة إنتاج منطق السادة والأتباع، من خلال امتياز سلالي يجعل أسرة بعينها أحق بالحكم والنفوذ، ويضع بقية اليمنيين في موقع التابعين المطالبين بالطاعة والخدمة. وتستعمل مفاهيم النسب والولاية والحق الإلهي لتبرير الاستحواذ على السلطة والموارد، حتى يصبح الاعتراض على هذا الامتياز في نظر الجماعة خروجا على النظام الذي تريد فرضه. وهذا استعباد سياسي مغلف بعبارات دينية، وعودة إلى منطق الامتياز الوراثي الذي لا مكان له في دولة المواطنة والحقوق المتساوية. فليس في الإسلام سيادة لسلالة على سلالة، ولا تفاضل في حقوق المواطنة بالنسب، ولا حصانة لحاكم من المحاسبة لأنه ينتسب إلى أسرة بعينها. ومن يفرض على شعبه الجوع والمرض والفقر، ثم يطالبه بالطاعة العمياء باعتبارها واجبا دينيا، لا يدافع عن الدين، وإنما يوظفه لخدمة استبداده.
ومن الناحية العسكرية، فإن الميليشيات المسلحة تمثل خطرا وجوديا على الدولة، ولا سيما في المجتمعات متعددة الطوائف والمذاهب والانتماءات السياسية. فالدولة لا يمكن أن تستقيم بوجود جيش رسمي وجيش مواز، ولا يمكن أن تحفظ سيادتها بينما توجد قوة مسلحة تحتكر قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية. وعندما تستولي الميليشيا على المعسكرات والمخازن والمؤسسات، وتنشئ أجهزة أمنية واستخباراتية موازية، وتفرض سلطتها على القضاء والتعليم والاقتصاد، فإنها لا تشارك الدولة في الحكم، بل تقوض وجودها وتستبدل بها سلطة الأمر الواقع. وهكذا تتحول الخلافات السياسية والمذهبية إلى صراعات مسلحة، ويتحول المواطن إلى رهينة لدى جماعة لا تخضع للقانون ولا تقبل بتداول السلطة ولا تعترف بحق الآخرين في المشاركة المتساوية.
وتتضاعف هذه المخاطر عندما تكون الميليشيا مرتبطة بأجندة خارجية، وتتلقى الدعم والتمويل والسلاح والتدريب من دولة أو محور إقليمي. فالقرار العسكري في هذه الحالة لا يعود قرارا وطنيا خالصا، وإنما يصبح جزءا من حسابات تتجاوز حدود البلاد ومصالح شعبها. وقد وثقت تقارير دولية جوانب متعددة من الدعم الإيراني للحوثيين، شملت الأسلحة والتقنيات والخبرات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة. وهذا الارتباط جعل اليمن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وعرض أمنه واستقراره للخطر، وأدخل دول الجوار في دائرة تهديد مستمر. فالميليشيا التي تضع نفسها في خدمة مشروع خارجي لا يمكن أن تكون حامية للسيادة الوطنية، ولا يجوز أن يطلب من اليمنيين التضحية بوطنهم حتى يبقى هذا المشروع قائما.
واقتصاديا، فإن الجماعة المسلحة لا تكتفي بالاستيلاء على المؤسسات، بل تسعى إلى تحويل موارد الدولة إلى خزينة تخدم استمرارها وتوسعها. فالجبايات والإتاوات والاستحواذ على الإيرادات والتحكم في الأسواق والمنافذ والمساعدات، كلها أدوات تجعل الاقتصاد رهينة لسلطة الميليشيا. وبدلا من أن تتجه موارد البلاد إلى المستشفيات والمدارس والطرق ورواتب الموظفين والخدمات العامة، تصبح الأولوية لتمويل الأجهزة العسكرية والأمنية وشبكات الولاء والتجنيد. وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن اليمني الجوع والمرض والبطالة وانهيار الخدمات، تتوسع أدوات الجماعة في السيطرة والقمع والتعبئة. وهكذا لا تسرق الميليشيا أموال الدولة فحسب، بل تسرق فرص التنمية ومستقبل الأجيال، وتترك خلفها اقتصادا منهكا ومجتمعا مستنزفا ومؤسسات عاجزة عن أداء أبسط وظائفها.
ولأن اليمن يحتل موقعا جغرافيا بالغ الأهمية، فإن الخطر الحوثي لا يتوقف عند حدوده، بل يمتد إلى أمن المنطقة والعالم. فإشراف اليمن على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن يمنحه أهمية استراتيجية كبرى في حركة التجارة الدولية والطاقة والملاحة البحرية. وعندما تمتلك جماعة مسلحة الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرة على تهديد السفن والممرات البحرية، فإنها تجعل الاقتصاد العالمي عرضة للاضطراب، وترفع تكاليف النقل والتأمين، وتفتح أبواب التصعيد العسكري في منطقة شديدة الحساسية. إن تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط سياسي وعسكري ليس دفاعا عن اليمن، بل مقامرة بمصالح شعبه وجيرانه والعالم، ومغامرة يدفع ثمنها المواطن اليمني قبل غيره.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الحوثيين باسم فلسطين أو مقاومة النفوذ الأمريكي ليس موقفا مبدئيا، بل خلط متعمد بين القضايا العادلة والمشاريع السلطوية. فالقضية الفلسطينية لا تمنح أحدا حصانة من المساءلة عن جرائمه، والعداء لإسرائيل لا يجعل الاعتداء على المسلمين عملا مشروعا، ومناهضة السياسات الأمريكية لا تقتضي تسليم اليمن لمحور إيراني. إن المواقف الأخلاقية لا تتجزأ؛ فمن يرفض الظلم في فلسطين لا يجوز أن يبرره في اليمن، ومن يرفض الاحتلال لا يجوز أن يقف مع من يصادر وطن شعبه، ومن يدافع عن كرامة الإنسان لا يستطيع أن يصمت عن إذلال الملايين بحجة الولاء والطاعة. ومن أراد أن ينصر الإسلام فليكن مع العدل وحرمة الدماء، لا مع الميليشيات التي تستخدم الدين لتبرير السلطة والهيمنة.
وأخيرا، إلى تلك القلة القليلة من الموريتانيين التي انخدعت بالحوثيين: أدعوكم إلى أن تعرفوا عقيدة الجماعة أولا، وأن تقرؤوا أدبياتها ومناهجها وخطاب قادتها، وأن تنظروا إلى ما فعلته باليمن وشعبه، لا إلى ما تقوله في خطبها وشعاراتها. لا تجعلوا العاطفة السياسية بديلا عن المعرفة، ولا تسمحوا للهتاف أن يعطل بصيرتكم، ولا تكونوا جسرا إعلاميا لمشروع لا تعرفون حقيقته. قفوا إلى جانب الشعب اليمني في استعادة دولته ومؤسساته وشرعيته، وفي بناء وطن يتساوى فيه أبناؤه، لا تحكمه سلالة ولا تصادره ميليشيا ولا تتحكم في مصيره أجندة خارجية. إن اليمن ليس ملكا للحوثيين، ولا حقا وراثيا لأسرة، ولا ساحة مفتوحة لتجارب الهيمنة الإقليمية، بل وطن لشعب يستحق الأمن والحرية والكرامة.
وكونوا إلى جانب المملكة العربية السعودية، بلاد الحرمين الشريفين، التي تجمعها بموريتانيا روابط تاريخية وأخوية راسخة، ومواقف من التعاون والتضامن. إن الوقوف مع أمن المملكة وسلامة أراضيها وحماية مقدساتها موقف حق مشروع، ولا ينبغي أن يتردد فيه من يعرف مكانة الحرمين الشريفين وأهمية استقرار المنطقة. وليس المطلوب من الموريتاني أن يتخلى عن رأيه أو استقلال موقفه، وإنما المطلوب ألا يتحول إلى مدافع عن ميليشيا تستهدف أمن دولة شقيقة، وتعتدي على مقدسات المسلمين، وتضع المنطقة أمام مخاطر لا تنتهي. فالموقف الذي يليق بموريتانيا وأهلها هو الوقوف مع الشعوب المظلومة، ومع الدول ومؤسساتها الشرعية، ومع الأمن والاستقرار، وضد المشاريع الطائفية التي تتخذ من الدين ستارا للهيمنة.
إن الحوثيين لا يعرفون بما يرفعونه من شعارات، بل بما يحملونه من عقائد، وما يرتكبونه من جرائم، وما يفرضونه من استبداد. ومن أراد نصرة الإسلام فلا يجعل من الميليشيا مرجعا له، ومن أراد نصرة اليمن فلا يقف مع من صادر دولته وأذل شعبه، ومن أراد نصرة الحرمين فلا يبحث عن الأعذار لمن استهدف أمن بلاد الحرمين. فالأوطان لا تبنى بالخرافة السلالية، ولا تحكم بالبنادق، ولا تصان السيادة بتسليم القرار إلى الخارج. والتاريخ لا يحفظ لمن رفعوا الشعارات أسماءهم بقدر ما يسجل ما فعلوه بالشعوب التي زعموا الدفاع عنها.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




