في ذكرى رحيل زايد الخير.. رجال يرحلون وتبقى مآثرهم حاضرة في وجدان الشعوب

في مثل هذا اليوم، الثاني من نوفمبر، نستحضر ذكرى رحيل المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها، الذي انتقل إلى جوار ربه في الثاني من نوفمبر عام 2004، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز امتدت لنحو ثلاثة وثلاثين عاما، وضع خلالها أسس دولة الاتحاد، وأرسى دعائم نهضتها، وترك بصمة خالدة في تاريخ بلاده والمنطقة. رحل زايد الإنسان والقائد، لكن ذكراه بقيت حية، وسيرته ظلت شاهدة على أن عظمة الرجال لا تقاس بما يتركونه من مناصب، وإنما بما يغرسونه من خير وما يتركونه من أثر في حياة الناس.
وللشيخ زايد، طيب الله ثراه، مكانة خاصة في قلوب الموريتانيين، تتجاوز حدود التقدير والإعجاب إلى مشاعر الوفاء والمحبة والامتنان. فقد ارتبط اسمه في وجداننا بالعطاء والعمل الإنساني، وبأياد امتدت بالخير إلى الإنسان أينما كان، دون تمييز أو انتظار لمقابل. ولذلك لم يكن زايد بالنسبة إلينا مجرد قائد لدولة شقيقة، بل كان اسما حاضرا في ذاكرة الموريتانيين، ورمزا للأخوة العربية الصادقة، ورجلا تركت مواقفه ومبادراته الإنسانية أثرا لا تمحوه السنون ولا تطويه المسافات.
ولعل أجمل ما يختصر هذه المكانة في نفوسنا أن كل موريتاني تطأ قدماه مستشفى الشيخ زايد في مقاطعة دار النعيم بولاية نواكشوط الشمالية، يجد نفسه يستحضر سيرة هذا الرجل، ويتذكر صاحب الاسم الذي ارتبط بمرفق صحي يقدم الخدمة للمرضى ويخفف آلام المحتاجين. هناك، لا تكون الذكرى مجرد كلمات تقال في مناسبة عابرة، بل تصبح معنى ملموسا يراه الناس ويلمسون أثره في حياتهم اليومية. وهكذا تتحول المآثر إلى شواهد حية، وتظل الأسماء الكبيرة حاضرة في حياة الشعوب، حتى بعد أن يغيب أصحابها عن الدنيا.
إن الرجال العظام لا يغيبون برحيل أجسادهم، لأن ما صنعته أيديهم من خير يبقى شاهدا عليهم، ولأن آثارهم الصادقة تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل. والشيخ زايد واحد من أولئك الذين تركوا وراءهم إرثا يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، إرثا عنوانه بناء الإنسان، وإغاثة المحتاج، ومد جسور التعاون والتآخي بين الشعوب. وقد علمتنا سيرته أن القيادة ليست سلطة فحسب، بل مسؤولية وعطاء، وأن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن فيما يقدمه للآخرين، لا فيما يجمعه لنفسه.
وفي هذه الذكرى، نستحضر كذلك مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة التي وضع الشيخ زايد لبناتها الأولى، وما شهدته من تحولات وإنجازات منذ قيام الاتحاد، ونستذكر من تولوا قيادة مسيرتها بعده، وفي مقدمتهم المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، سائلين الله أن يتغمدهما بواسع رحمته. كما نسأل الله أن يحفظ دولة الإمارات وقيادتها، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأن يديم على شعبها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن تبقى وشائج الأخوة والمحبة بينها وبين موريتانيا وشعبها راسخة ومتينة.
رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمة واسعة، وجزاه عن الإمارات وأهلها، وعن كل من امتدت إليهم أياديه البيضاء، خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من خير وعطاء في ميزان حسناته. وبهذه المناسبة الأليمة، نتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة إلى القيادة الإماراتية الرشيدة، وإلى الشعب الإماراتي الشقيق، في ذكرى رحيل والدهم المؤسس، سائلين المولى عز وجل أن يلهمهم جميل الصبر وحسن العزاء. رحل زايد، وبقي الخير شاهدا على زايد؛ فالقلوب لا تنسى من أحسن إليها، والتاريخ لا ينسى من ترك فيه أثرا طيبا.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




