صيدنايا.. حين تحول السجن إلى مسلخ للإنسانية

لم تكن مأساة السوريين في عهد بشار الأسد مجرد حكاية عن نظام استبدادي صادر الحريات وخنق الأصوات وقمع المعارضين، بل كانت مأساة إنسانية وأخلاقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد كشفت السنوات الطويلة من حكم آل الأسد عن وجه بالغ القسوة من وجوه الطغيان، تجلى بأبشع صوره خلف جدران السجون والمعتقلات، حيث تحول الإنسان إلى كائن مستباح، وغابت أبسط معاني الرحمة والكرامة والحق في الحياة. وكان سجن صيدنايا العسكري، الواقع على بعد نحو ثلاثين كيلومترا شمالي دمشق، واحدا من أكثر الشواهد إيلاما على ذلك العهد الأسود، حتى استحق عن جدارة ألقابا مرعبة، من بينها “المسلخ البشري”.
قبل سقوط نظام الأسد، كنت أشاهد بين الحين والآخر مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن شهادات ناجين وضحايا خرجوا من تلك المعتقلات، أو روايات ذوي المفقودين الذين ظلوا سنوات يفتشون عن أثر لأبنائهم وأحبائهم. وكنت أسمع من تلك الشهادات ما تشيب له الولدان، وتضيق به الصدور، وتعجز الكلمات أحيانا عن وصفه. لم يكن التعذيب يميز بين طفل وامرأة، ولا بين شيخ وشاب، ولا بين متعلم وأمي، ولا بين صاحب مكانة اجتماعية وإنسان بسيط؛ فالكل كان عرضة لآلة قمع لا تعرف للإنسانية حرمة، ولا للكرامة قيمة، ولا للضعف الإنساني أي اعتبار.
كانت الروايات تتحدث عن قتل وتعذيب وتجويع واغتصاب وإهانات بالغة الانحطاط، وعن ممارسات لا يمكن لعقل سوي أن يستوعب كيف تصدر عن بشر تجاه بشر. لم يكن الأمر مجرد انتقام من معارض أو عقاب لمتهم، بل بدا في كثير من الشهادات وكأنه رغبة متعمدة في سحق الإنسان نفسيا وجسديا، وانتزاع آخر ما تبقى له من شعور بآدميته. وفي صيدنايا تحديدا، لم تكن الجدران مجرد حواجز تفصل السجناء عن العالم، بل كانت ستارا كثيفا يخفي وراءه عالما من الرعب والموت، بينما ظل آلاف الأسرى مجهولي المصير، وظلت عائلاتهم معلقة بين رجاء لا ينطفئ وخوف لا ينتهي.
وما يزيد هذه المأساة فداحة أن ما جرى لم يكن مجرد تجاوزات فردية ارتكبها سجان هنا أو ضابط هناك، وإنما انتهاكات واسعة ومنهجية وثقتها منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية، وتحدثت عن الإعدامات الجماعية والتعذيب والتجويع وسائر صنوف المعاملة الوحشية. وهنا يحق لكل إنسان أن يتساءل: كيف يمكن لبشر أن يبلغوا هذه الدرجة من التوحش والسادية؟ وكيف يستطيع إنسان أن يمارس كل ذلك العذاب، ثم يعود إلى حياته وكأن شيئا لم يكن؟ أي قلب هذا الذي لا يرتجف أمام صرخة معذب، وأي ضمير هذا الذي لا يستيقظ أمام جسد ينهشه الجوع والتعذيب؟ إنها أسئلة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تكشف مقدار الانحدار الذي يمكن أن يبلغه الإنسان حين يتجرد من الرحمة والأخلاق.
ولعل السؤال الأكثر إيلاما لا يتعلق بالجلاد وحده، بل بالعالم الذي كان يعرف، أو كان يستطيع أن يعرف، ما يحدث خلف تلك الجدران. كيف أمكن للعالم الحر، الذي طالما رفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والكرامة الإنسانية، أن يقف متفرجا أمام كل تلك الجرائم؟ وكيف تحولت المواقف الدولية في كثير من الأحيان إلى بيانات شجب واستنكار، لا تتجاوز حدود الكلمات، فيما كان السوريون يقتلون ويعذبون ويهجرون وتدمر مدنهم على مرأى ومسمع من الجميع؟ إن الصمت أمام الجريمة، حين تكون القدرة على ردعها ممكنة، ليس موقفا محايدا كما قد يتوهم البعض، بل هو خذلان للضحايا، وترك للجلاد كي يواصل جرائمه مطمئنا إلى أن أقصى ما ينتظره بيان إدانة جديد.
وكانت النتيجة كارثية بكل المقاييس؛ آلاف الضحايا الذين قضوا تحت التعذيب أو الإعدام، ومئات الآلاف من المعتقلين والمفقودين والناجين الذين حملوا جراحهم إلى بقية حياتهم، وملايين السوريين الذين اقتلعوا من بيوتهم وشردوا في أصقاع الأرض، ومدن كاملة تحولت إلى أنقاض. لم تكن سوريا يومها تخسر حجارة ومباني فحسب، بل كانت تخسر أبناءها وذاكرتها وأحلام أجيالها، وكان كل بيت تقريبا يحمل حكاية ألم، وكل عائلة تنتظر غائبا، وكل أم تخشى أن يكون ابنها قد أصبح رقما في سجل الموتى. تلك ليست مجرد أرقام ترد في تقارير المنظمات الدولية، بل أرواح بشرية وأحلام مسروقة وأعمار ضاعت في دهاليز نظام لم يعرف للإنسان قيمة.
ولا أظن أنني فرحت في يوم من أيام حياتي كما فرحت يوم سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024. كان يوما اختلطت فيه مشاعر الفرح بالذهول، واستحضرت فيه وجوه الضحايا وشهادات الناجين وصور الأمهات اللواتي طال انتظارهن. سجدت لله طويلا شكرا على سقوط ذلك الطغيان، وتذكرت على وجه الخصوص سجناء صيدنايا، أولئك الذين قضوا سنوات خلف القضبان، ومنهم من خرج إلى الحرية بجسد منهك وروح مثقلة بالجراح، ومنهم من لم يكتب له أن يرى ذلك اليوم. وحين فتحت أبواب السجن وانكشفت بعض أسراره للعالم، بدا المشهد أكبر من مجرد تحرير معتقل؛ لقد كان انكشافا لجزء من الحقيقة التي حاول النظام طويلا دفنها خلف الإسمنت والحديد والخوف.
لكن فرحة سقوط الجلاد لا ينبغي أن تنسينا حقوق الضحايا، ولا أن تجعلنا نكتفي بمشهد انهيار نظام كان مسؤولا عن واحدة من أبشع المآسي في تاريخ سوريا الحديث. فالعدالة ليست انتقاما، وإنما إنصاف للمظلومين، ورد اعتبار لمن سلبت منهم حياتهم وكرامتهم، ومحاسبة لكل من تورط في جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والإخفاء القسري وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ومن حق عائلات الضحايا أن تعرف مصير أبنائها، وأن تتسلم ما يعينها على دفن موتاها بكرامة، وأن ترى المجرمين أمام قضاء عادل يحاكمهم وفق الأدلة والقانون، لا وفق منطق الثأر والتشفي. ولعل محاكمات مجرمي النازية بعد الحرب العالمية الثانية تقدم درسا تاريخيا مهما في أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، وأن أصحاب السلطة والنفوذ لا ينبغي أن يكونوا فوق المساءلة.
أسأل الله أن يحفظ سوريا وأهلها، وأن يجبر كسر شعبها، ويداوي جراحه، ويعوضه عن سنوات الخوف والتشريد والفقد، وأن يكتب لهذا البلد بداية جديدة تليق بتاريخه وشعبه وتضحيات أبنائه. وأرجو أن تنجح سوريا الجديدة في بناء دولة قوية وعادلة، يتساوى فيها مواطنوها أمام القانون، وتصان فيها حقوق جميع مكوناتها دون تمييز أو إقصاء أو انتقام، وتكون المواطنة فيها أساس الانتماء، لا الطائفة ولا العرق ولا الولاء السياسي. فالسوريون يستحقون وطنا يحتضنهم جميعا، لا سجنا كبيرا يخاف فيه الإنسان من أخيه، ولا دولة تقوم على امتياز جماعة أو إذلال أخرى. وأعظم وفاء يمكن أن تقدمه سوريا الجديدة لضحايا صيدنايا وسائر المعتقلات هو ألا تسمح أبدا بعودة الظلم، وألا يتحول جلاد الأمس إلى ضحية تتوهم أن لها الحق في أن تصبح جلاد الغد.
إن المأساة التي عاشها السوريون تذكير موجع بأن الظلم قد يطول، وأن الطغيان قد يتجبر، وأن الجدران قد تخفي خلفها ما لا يحتمله الضمير الإنساني، لكنها تذكرنا أيضا بأن لا قوة تدوم، وأن للظالم نهاية مهما طال به الزمن، وأن دعوات المظلومين لا تضيع عند الله. وسيبقى صيدنايا شاهدا على مرحلة سوداء لا ينبغي أن تنسى، لا من أجل اجترار الألم، وإنما حتى تعرف الأجيال القادمة إلى أين يمكن أن يقود الاستبداد حين يغيب العدل، وتسقط الأخلاق، وتتحول السلطة من أمانة لخدمة الناس إلى أداة لإذلالهم وإبادتهم. رحم الله من قضوا تحت التعذيب، وفك أسر من لا يزال مجهول المصير، وجبر قلوب الأمهات والآباء والزوجات والأبناء، وحفظ سوريا من كل فتنة وعودة للطغيان. فالحرية التي انتظرها السوريون طويلا لا تكتمل إلا بالعدل، والعدل لا يتحقق إلا بمحاسبة المجرمين وصون كرامة الإنسان.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




