القرآن الكريم.. إعجاز البيان وقوة البرهان

ثمة كتب تقرؤها فتخرج منها بمعرفة جديدة، وكتب تتأملها فتجد فيها شيئا من الحكمة، وكتب تعود إليها فتكتشف أن معانيها أوسع مما ظننت؛ لكن القرآن الكريم يظل حالة استثنائية لا تشبه غيرها، فهو كتاب كلما قرأته شعرت أنك تلتقي به للمرة الأولى، وكلما أمعنت النظر في آياته انفتح أمامك أفق جديد من الدهشة والتأمل. إن عظمته لا تقف عند حدود عصر نزل فيه، ولا عند جغرافيا احتضنت نزوله، وإنما تتجاوز الزمان والمكان، لتخاطب الإنسان في كل عصر، وتلامس فطرته وعقله ووجدانه.

لقد قرأت التوراة والإنجيل، واطلعت على كتب دينية وفلسفية من التراث الهندوسي والبوذي، ولم تكن غايتي الانتقاص من تلك الكتب أو التقليل من شأن ما تحمله من أفكار ومعتقدات، وإنما كانت رغبة في المعرفة والاطلاع والمقارنة. غير أنني، بعد هذه الرحلة القرائية، لم أجد كتابا يجمع من جلال اللغة، ورقة التعبير، وقوة الحجة، وجمال الأسلوب، وعذوبة الإيقاع، ما أجده في القرآن الكريم. إنه نص تتآلف فيه الكلمة مع المعنى، وتبلغ فيه العبارة غايتها بأقل الألفاظ وأعمق الدلالات، حتى يخيل إليك أن كل كلمة وضعت في موضع لا يمكن أن تؤدي فيه كلمة أخرى معناها بالدقة والجمال نفسيهما.

والأعجب من جمال لغته، ذلك البناء المدهش الذي تتداخل فيه المعاني، وتتعانق فيه الآيات، وتتكشف فيه وجوه الإعجاز. ففيه من قوة البيان ما يأخذ بالألباب، ومن عمق الحجة ما يستنهض العقول، ومن أخبار التاريخ والأمم السابقة ما يدعو إلى الاعتبار، ومن الإشارات الكونية والعلمية ما يفتح أبواب التأمل في خلق الله وآياته. وهو في الوقت ذاته كتاب هداية وتربية، يخاطب العقل بالحجة، والقلب بالموعظة، والنفس بالرجاء والخوف، ويضع الإنسان أمام أسئلة الوجود الكبرى: من أين جاء؟ ولماذا خلق؟ وإلى أين المصير؟

ولعل أجمل ما في علاقتي بالقرآن أن الدهشة لا تفارقني مهما تكررت القراءة؛ أفتح المصحف فأجد نفسي أمام إحساس يصعب وصفه، مزيج من الطمأنينة والانبهار والخشوع، وكأن الآيات تمر على قلبي للمرة الأولى. قد تقرأ الآية عشرات المرات، ثم تتوقف عندها في المرة التالية فتكتشف فيها معنى لم تنتبه إليه من قبل، أو تستشعر فيها من الرقة والقوة ما لم تستشعره سابقا. وهذه من أعظم أسرار هذا الكتاب؛ أنه لا ينفد بالعودة إليه، ولا تفقد آياته أثرها بكثرة التكرار، بل تزداد الألفة به عمقا، ويزداد القلب تعلقا به كلما طال العهد بالقراءة والتدبر.

ومن هنا أفهم لماذا ظل القرآن الكريم حاضرا في حياة المسلمين عبر القرون، تتناقله الأجيال، وتحفظه الصدور، وتنهل منه العقول، وتجد فيه القلوب ملاذها كلما اضطربت الحياة. تعاقبت الدول وسقطت الإمبراطوريات، وتبدلت اللغات والثقافات، وتغيرت أحوال البشر، وبقي القرآن حيا في النفوس، تتلى آياته في المشارق والمغارب، وتستخرج من معانيه الهدايات والعبر. لم يكن حضوره مجرد إرث تاريخي تتوارثه الأجيال، بل ظل كتابا يتجدد أثره في كل قلب يقبل عليه بصدق، وفي كل عقل ينظر في آياته بتدبر وإنصاف.

وأمام هذه العظمة، لا أخفي دهشتي من حال بعض من يتقنون العربية، ويملكون مفاتيح لغتها، ثم يقرؤون القرآن ولا يتوقفون طويلا أمام بيانه ومعانيه وحججه. ويزداد عجبي حين يكون الإنسان قادرا على قراءة آيات التوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده، ثم ينصرف إلى عبادة بشر أو حجر، أو يختار الإلحاد والإعراض عن الإيمان. وليس في هذا العجب حكم على نيات الناس أو ادعاء الإحاطة بما في صدورهم، فالهداية بيد الله وحده، وإنما هو تساؤل يفرضه التأمل في كتاب يخاطب العقل والفطرة، ويدعو الإنسان إلى النظر والتفكر، ويقيم أمامه من البراهين ما يستحق أن يقف عنده طويلا، بعيدا عن التقليد والهوى والمكابرة.

وفي النهاية، مهما كتبنا عن القرآن فلن نحيط بعظمته، ومهما تحدثنا عن جماله فلن تبلغ الكلمات حقيقة ما يتركه في نفس قارئه المتدبر. إنه كتاب لا ينبغي أن تكون علاقتنا به محصورة في التلاوة والحفظ، بل لا بد أن تمتد إلى الفهم والعمل والاهتداء بنوره؛ فليس أعظم من أن يكون القرآن رفيق العمر، ودليل الطريق، وأنيس القلب في زمن كثرت فيه الملهيات واضطربت فيه البوصلات. نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وأن ينير به قلوبنا وعقولنا وطرقنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وتدبر آياته والعمل بأحكامه، وأن يهدي به كل من قرأه وأنصف في النظر إليه، وأن يفتح به قلوبا أغلقتها الغفلة، ويبصر به عقولا أضلتها الحيرة، ويجعل القرآن العظيم حجة لنا لا علينا، ونورا في الدنيا، وأنساً في القبر، ورفعة لنا يوم نلقاه.

كتبه الفقير إلى عفو ربه ورحمته:

محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى