القائد الذي لا يخضع للضغط.. محمد بن سلمان نموذجا

هناك قادة تحكمهم سرعة اللحظة، وهناك قادة يصنعون اللحظة بأنفسهم؛ والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية، ينتمي بوضوح إلى الصنف الثاني. فهو قائد يعرف ماذا يريد، ويعرف كذلك أن الوصول إلى الأهداف الكبرى لا يكون دائما بالاندفاع، وإنما بالصبر، وتراكم الأوراق، وحسن إدارة التوازنات، وانتظار اللحظة التي تصبح فيها إرادة الدولة أقوى من إرادة خصومها. وهذه واحدة من أهم السمات التي تميز تجربته السياسية: لا يبدو مستعجلا، لأنه يتصرف كما لو أنه واثق من أن الزمن يعمل لمصلحة مشروعه.
ولعل التجربة السعودية ــ الأمريكية خلال السنوات الأخيرة تقدم مثالا واضحا على ذلك. ففي عام 2022 جاء الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المملكة في زيارة رسمية يومي 15 و16 يوليو، والتقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وانعقدت في جدة قمة الأمن والتنمية بمشاركة قادة دول مجلس التعاون ومصر والأردن والعراق والولايات المتحدة. وبعيدا عن لغة الانتصار والهزيمة التي تحبها السياسة الإعلامية، فإن الدلالة الأعمق كانت أن واشنطن، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع إدارة علاقتها بالرياض بمنطق الأوامر؛ فالمملكة دولة ذات مصالح وحسابات وسيادة، وقيادتها الجديدة لا تتعامل مع التحالفات باعتبارها تبعية، وإنما باعتبارها شراكات متبادلة المصالح.
وهنا تكمن شخصية محمد بن سلمان السياسية: هو لا يرفض الولايات المتحدة، ولا يريد القطيعة معها، ولا يرى في العلاقة معها تناقضا مع استقلال القرار السعودي؛ لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أن تتحول الشراكة إلى وصاية، ولا أن يصبح الاحتياج المتبادل طريقا لفرض الإرادة من طرف واحد. ولذلك فإن علاقته بواشنطن تتغير بتغير المصالح والظروف، بينما يبقى المبدأ ثابتا: السعودية أولا، وأمنها ومصالحها الاستراتيجية فوق الحسابات الآنية. وهذا ما ظهر بصورة أكثر وضوحا في العلاقة مع الرئيس دونالد ترامب، التي اتخذت طابعا استراتيجيا واقتصاديا بالغ القوة.
ففي مايو 2025 استقبلت الرياض الرئيس ترامب في أول جولة خارجية له خلال ولايته الرئاسية الثانية، وشهدت الزيارة توقيع الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية، إلى جانب الإعلان عن اتفاقات اقتصادية ودفاعية ضخمة؛ وأعلنت واشنطن في اليوم الأول التزاما سعوديا باستثمارات تبلغ 600 مليار دولار، فيما وصفت صفقة الدفاع البالغة نحو 142 مليار دولار بأنها الأكبر في تاريخ مبيعات الدفاع الأمريكية. ولم يكن المشهد مجرد احتفال بعلاقة شخصية بين رجلين، وإنما كان تعبيرا عن انتقال العلاقة السعودية ــ الأمريكية إلى صيغة أكثر براغماتية: مصالح ضخمة، وأمن مشترك، واستثمارات، وتكنولوجيا، ودفاع، لكن من دون أن يعني ذلك أن الرياض سلمت مفاتيح قرارها السياسي لأحد.
وهذا تحديدا ما يجعل موقف المملكة من قضية التطبيع مع إسرائيل ذا دلالة سياسية كبيرة. فمهما كانت الضغوط الدولية، ومهما كانت الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في توسيع دائرة اتفاقيات أبراهام، فإن الموقف السعودي ظل مرتبطا بشرط سياسي واضح يتعلق بالقضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. ومن هنا فإن قوة الموقف لا تكمن في رفع الشعارات، وإنما في امتلاك القدرة على قول “لا” عندما تكون “نعم” مكلفة سياسيا واستراتيجيا. فالسياسة في النهاية ليست في عدد الاتفاقيات التي توقعها، وإنما في نوعية الشروط التي تفرضها عندما تجلس إلى طاولة التفاوض.
ومن يراقب طريقة الأمير محمد بن سلمان في إدارة الملفات الإقليمية يدرك أنه لا يحب الحلول المتعجلة. وهذا ينطبق بدرجة كبيرة على الملف اليمني، ذلك الملف الذي استنزف المنطقة لسنوات، وتحول إلى ساحة تتداخل فيها الحسابات اليمنية والإيرانية والدولية. ومن الخطأ قراءة الهدوء السعودي باعتباره تراجعا، أو اعتبار الصبر عجزا؛ فالدول الكبرى لا تخوض كل معاركها بالصوت العالي، وبعض المعارك تدار بالاقتصاد، والسياسة، والدبلوماسية، وإعادة ترتيب موازين القوى، واستنزاف الخصم حتى يصل إلى لحظة يصبح فيها الحل أقل كلفة من استمرار الحرب.
والأمير محمد بن سلمان يدرك، على الأرجح، أن الأزمة اليمنية ليست مجرد مواجهة بين طرفين يمنيين، بل شبكة مصالح إقليمية ودولية معقدة، ولذلك فإن الوصول إلى نهاية مستدامة للحرب يحتاج إلى أكثر من عملية عسكرية خاطفة. المملكة تدعم مسار الدولة اليمنية الشرعية، وفي الوقت نفسه تتحرك ضمن مسارات سياسية ودبلوماسية وأمنية متعددة. أما الرهان على أن الحسم العسكري وحده سيأتي في يوم محدد وينهي كل شيء، فهو تبسيط لملف بالغ التعقيد. لكنني أعتقد أن اللحظة التي ترى فيها القيادة السعودية أن أمن المملكة ومصالحها الاستراتيجية يقتضيان تغيير قواعد اللعبة، فإنها لن تتردد في استخدام ما لديها من أوراق؛ وهذه نقطة يجب أن يدركها كل من يخطئ قراءة الهدوء السعودي على أنه ضعف.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه خصوم المملكة هو سوء تقدير صبر قيادتها. فالصبر عند الدول ليس فراغا سياسيا، بل استراتيجية. وقد تكون الدولة التي لا تتحرك اليوم هي نفسها الدولة التي تتحرك غدا عندما تصبح كلفة التحرك أقل، وفرص النجاح أكبر، والظروف الدولية أكثر ملاءمة. ومن هنا فإنني لا أخشى على المملكة العربية السعودية في ظل قيادة الأمير محمد بن سلمان؛ ليس لأن الطريق أمامها خال من المخاطر، فالعكس هو الصحيح، وإنما لأن القيادة التي تعرف مصالحها، وتقرأ موازين القوى، وتنوع شراكاتها، وتبني اقتصادها، وتعزز قدراتها الدفاعية، وتصر على استقلال قرارها، تكون أكثر قدرة على مواجهة العواصف من قيادة تعيش على ردود الأفعال.
لقد تغيرت السعودية في السنوات الأخيرة، ولم يعد من السهل التعامل معها باعتبارها دولة تنتظر ما تقرره العواصم الكبرى. إنها اليوم لاعب إقليمي ودولي له وزنه الاقتصادي والسياسي والأمني، ومشروعه لا يقوم على انتظار المستقبل، بل على صناعته. ومهما اختلف المرء مع بعض خيارات الرياض أو اتفق معها، فإن إنكار هذه الحقيقة لم يعد تحليلا سياسيا، بل تجاهلا للواقع.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس على شخص الأمير محمد بن سلمان وحده، وإنما على مشروع دولة يريد أن ينقل المملكة من موقع الاستجابة للأحداث إلى موقع التأثير فيها. وقد ينجح هذا المشروع في بعض الملفات أكثر مما ينجح في أخرى، وقد يواجه انتكاسات وتحديات، لكن المؤكد أن صاحبه لا يبدو مستعدا للتنازل عن البوصلة التي وضعها لمستقبل بلاده. إنه يعرف ما يريد، ويتقدم نحوه بهدوء، ويجمع أوراقه، ويبني تحالفاته، ويترك للوقت مهمة كشف من كان يملك النفس الأطول.
ومن هنا أقولها بوضوح: لست خائفا على المملكة العربية السعودية ما دامت في يد قيادة تمتلك هذه الدرجة من الثقة والقدرة على المناورة وحماية المصالح الوطنية. فالمنطقة تعيش مرحلة تاريخية شديدة التعقيد، والمخططات الإقليمية والدولية لن تتوقف، لكن الدولة التي تعرف حجمها، وتعرف قيمة أوراقها، ولا تسمح للضغط أن يتحول إلى ابتزاز، تستطيع أن تواجه أصعب المراحل.
الأمير محمد بن سلمان ليس قائدا يبحث عن انتصار سياسي عابر، ولا رجلا تحكمه ضغوط اللحظة أو حسابات ردود الأفعال؛ إنه قائد ينظر إلى المشهد من موقع استراتيجي أوسع، ويعرف أن القرارات الكبرى لا تقاس بنتائجها الآنية، وإنما بما تتركه من أثر في مستقبل الدولة ومكانتها. ولهذا لم يعد حضوره مقتصرا على الداخل السعودي، بل أصبح جزءا أساسيا من معادلات الأمن والطاقة والاقتصاد والسياسة في الشرق الأوسط والعالم. وما يميز تجربته أنه لا يخوض معاركه من أجل التصفيق، ولا يبدد أوراقه لإثبات موقف عابر، وإنما يبني قوته بهدوء، ويترك للزمن أن يعمل لصالحه؛ لأنه يعرف أن من يملك الصبر، ويحسن إدارة أوراقه، ويعرف متى يتحرك، يستطيع في النهاية أن يفرض شروطه عندما تحين اللحظة المناسبة.
وما نراه اليوم بعيدا، قد يصبح غدا قريبا؛ فالتاريخ لا يصنعه المستعجلون دائما، بل يصنعه في كثير من الأحيان أولئك الذين يعرفون متى يتحركون.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وسدد خطاهما لما فيه خير المملكة وأمنها واستقرارها، وحفظ اليمن وشعبه من ويلات الحرب، وكتب للمنطقة كلها طريقا إلى الأمن والسلام والاستقرار.
محمد سالم المختار الشيخ/ موريتانيا




