الحدث ميديا تنشر حصريا أولى مقالات المستشار والكاتب السعودي الكبير فرحان حسن الشمري ضمن سلسلة: كيف نصبح مثلهم ونتفوق عليهم؟
في إطار رسالتها الإعلامية الرامية إلى إثراء المحتوى العربي، وتعزيز ثقافة التطوير المهني والمؤسسي، تقدم الحدث ميديا، اليوم، الحلقة الأولى من سلسلة مقالات نوعية للمستشار والكاتب السعودي الكبير فرحان حسن الشمري، تحت عنوان: “كيف نصبح مثلهم ونتفوق عليهم؟”، وهي سلسلة تمثل مشروعا فكريا وتطويريا طموحا، يستهدف استكشاف سبل النهوض بالصحافة والإعلام العربي، من خلال دراسة التجارب العالمية الناجحة، وتحليل عوامل تميزها، وتشخيص التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية العربية، وصولا إلى طرح حلول عملية قابلة للتطبيق، تسهم في تطوير الأداء، والارتقاء بالمحتوى، وتعزيز القدرة على المنافسة في المشهد الإعلامي الدولي.
وتنطلق السلسلة من فكرة جوهرية مفادها أن التفوق الإعلامي لا يتحقق بمجرد استنساخ تجارب الآخرين أو محاكاة نماذجهم الناجحة، بل يبدأ بفهم الأسس التي صنعت نجاحهم، واستيعاب المعايير المهنية والمؤسسية التي منحتهم القدرة على التأثير والاستمرار وكسب ثقة الجمهور. ومن هنا، تأتي أهمية هذه المقالات في الجمع بين التحليل والتشخيص، وبين الرؤية النظرية والحلول العملية، بما يفتح المجال أمام مقاربة جادة لتطوير الإعلام العربي، وتعزيز قدرته على مواكبة التحولات المتسارعة في صناعة الأخبار والمحتوى.
وتفتتح الحدث ميديا هذه السلسلة بمقال يحمل عنوان “الثقة قبل السبق: كيف تصنع المؤسسات الإعلامية مصداقيتها؟”، وهو عنوان يضع اليد على واحدة من أبرز القضايا التي تواجه الإعلام المعاصر؛ ففي عالم تتدفق فيه الأخبار خلال ثوان، وتتسابق فيه المنصات على جذب الانتباه وتحقيق الانتشار، لم يعد السبق الصحفي وحده معيارا للتميز، بل أصبحت المصداقية والقدرة على التحقق من المعلومات وصون ثقة الجمهور عناصر حاسمة في تحديد مكانة المؤسسة الإعلامية واستدامة تأثيرها.
وفي هذا المقال، يتناول الكاتب تجارب مؤسسات إعلامية عالمية، من بينها وكالتا “رويترز” و”أسوشيتد برس”، مستعرضا بعض المبادئ المهنية التي أسهمت في ترسيخ مكانتهما، قبل الانتقال إلى تشخيص جوانب من التحديات التي تواجه العمل الإعلامي العربي، مع التأكيد على أهمية تطوير الحوكمة التحريرية، وترسيخ سياسات التحقق والتصحيح، وتحويل المصداقية من مجرد شعار إلى منظومة عمل واضحة، يمكن قياس أدائها ومراجعة نتائجها. كما يطرح المقال برنامجا عمليا مقترحا يمتد تسعين يوما، بهدف مساعدة المؤسسات الإعلامية على تعزيز جودة ممارساتها التحريرية، وتطوير آليات مساءلتها، وبناء علاقة أكثر متانة وشفافية مع جمهورها.
وإذ تعتز الحدث ميديا بهذه الإضافة الفكرية والمهنية، فإنها تتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى المستشار والكاتب السعودي الكبير فرحان حسن الشمري، على ثقته بها وتخصيصها حصريا بنشر هذه السلسلة، التي تأمل أن تشكل إسهاما نوعيا في إثراء النقاش حول مستقبل الصحافة والإعلام العربي، وأن تقدم للمهنيين والمؤسسات الإعلامية أفكارا ورؤى عملية تساعدهم على تجاوز التحديات، واستلهام التجارب الناجحة، وصناعة نماذج أكثر كفاءة وتأثيرا.
ومن سؤال الثقة تبدأ الرحلة؛ لأن الإعلام الذي يطمح إلى التفوق لا يكفيه أن يصل إلى الجمهور أولا، بل عليه أن يكون جديرا بثقته. وهذا ما يضعه المقال الأول أمام المؤسسات الإعلامية العربية، من خلال سؤال مهني وأخلاقي يستحق التأمل والمراجعة:
هل نمتلك الشجاعة المهنية لإعلان الخطأ بالوضوح نفسه الذي أعلنا به الخبر؟
وفيما يلي نص المقال الأول:
الثقة قبل السبق: كيف تصنع المؤسسات الإعلامية مصداقيتها؟
سلسلة :كيف نصبح مثلهم ونتفوق عليهم؟” — المقال الأول

في زمن ينتشر فيه الخبر خلال ثوان، لم يعد السؤال: من ينشر أولا؟ بل من يستحق أن يصدقه الجمهور؟
فقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز بجامعة أكسفورد، أن متوسط الثقة في الأخبار بلغ 37% عبر 48 سوقا شملها التقرير، وهي إشارة إلى تحدّ عالمي يتجاوز حدود الإعلام العربي.
ما الذي صنع تقدمهم؟
لم تبن وكالة “رويترز” (Reuters) مكانتها بالسرعة والانتشار وحدهما، بل بمبادئ معلنة تحمي الاستقلال والنزاهة والتحرر من التحيز.
أما وكالة “أسوشيتد برس” (AP)، فتشدد قواعدها المهنية على دقة المعلومات وتصحيح الأخطاء بوضوح، وإظهار التصحيحات للجمهور بدلا من تعديل المعلومات في صمت.
الدرس هنا أن المصداقية ليست صفة نمنحها لأنفسنا، بل نظام عمل يمكن مساءلته وتطويره.
أين تكمن معضلتنا؟
لا يصح تعميم الخلل على المؤسسات العربية، فبينها تجارب جادة وكفاءات متميزة.
لكن المشكلة تظهر في بعض غرف الأخبار عندما تتقدم سرعة النشر والمشاهدات على التحقق، وتغيب السياسات المكتوبة للتصحيح، أو يتداخل القرار التحريري مع الاعتبارات التجارية.
وهنا تكمن جذور المعضلة في الحوكمة وإجراءات العمل، لا في مهارات الصحفي الفردية وحدها.
من التشخيص إلى الحل
أقترح برنامجا تجريبيا مدته 90 يوما داخل المؤسسة الإعلامية، يقوم على أربع خطوات:
1- اعتماد ميثاق تحريري معلن يحدد قواعد التوثيق والاستقلال وتضارب المصالح.
2- إضافة قائمة تحقق إلزامية قبل نشر الأخبار الحساسة، وتحديد مسؤول واضح عن المراجعة.
3- إنشاء سجل تصحيحات ظاهر للقارئ، يبين الخطأ وما تغير وتاريخ التصحيح.
4- مراجعة عينة أسبوعية من المواد المنشورة لاستخلاص أسباب الأخطاء وتطوير الإجراءات.
ويبدأ القياس من اليوم الأول بمؤشرين أساسيين: نسبة المواد المستوفية لمتطلبات التحقق، ومتوسط زمن تصحيح الأخطاء، مع متابعة ثقة الجمهور دوريا.
نحو التفوق الإعلامي العربي
التفوق لا يبدأ بتقليد أسماء المؤسسات الكبرى، بل بتبني قواعد تحاسب الجميع، وتمنح القارئ حق المعرفة. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا:
هل نمتلك الشجاعة المهنية لإعلان الخطأ بالوضوح نفسه الذي أعلنا به الخبر؟




