أوهام إخضاع موريتانيا بالطماطم.. حين يتحول التصدير إلى أداة للاستعلاء والإساءة

ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام من إساءات وعبارات بذيئة تصدر عن بعض الأصوات المغربية تجاه موريتانيا، على خلفية قضية “لكويرة”، يكشف عن خطاب مؤسف يحاول توظيف التجارة في معارك الاستعلاء والتشفي، حتى بلغ الأمر ببعضهم حد التفاخر بمنع تصدير الطماطم إلى موريتانيا، وتصوير ارتفاع أسعارها في الأسواق الموريتانية، وفق الأرقام المتداولة، وكأنه انتصار على شعب بأكمله. والمثير للاستغراب أن تتحول سلعة زراعية إلى وسيلة للانتقاص من دولة ذات سيادة، وأن يقدم نشاط تجاري تحكمه المصالح المتبادلة وكأنه منة تستوجب الامتنان والخضوع. فهل بلغ ضيق الأفق ببعض هؤلاء حدا جعلهم يتوهمون أن بيع الطماطم لجارهم يمنحهم حق الترفع عليه، أو أن اضطراب سوق سلعة واحدة يمكن أن يتحول إلى شهادة عجز في حق دولة وشعب؟
إن السخرية من موريتانيا وتصويرها وكأنها مهددة بالجوع بسبب توقف صادرات الطماطم المغربية لا يعكسان فهما حقيقيا لطبيعة الاقتصاد، بقدر ما يكشفان عن تصور قاصر لقدرات الدول وبدائلها التجارية. فموريتانيا ليست دولة مغلقة على نفسها، ولا بلدا محاصرا ينتظر وصول شحنة من الخضروات حتى يطمئن إلى تأمين غذائه؛ إنها دولة ساحلية تطل على المحيط الأطلسي، وتملك موانئ بحرية، وترتبط بعلاقات تجارية مع شركاء متعددين، ولديها إمكانات مالية تتيح لها التعامل مع أسواق مختلفة وتوفير احتياجاتها من مصادر متنوعة. وقد تواجه، شأنها شأن غيرها من الدول، تحديات تتعلق بالأسعار والتموين والإنتاج المحلي، لكن هذه التحديات لا تعني العجز عن إيجاد البدائل، ولا تمنح أحدا حق تصويرها باعتبارها دولة عاجزة عن تدبير شؤونها الغذائية.
والأغرب في هذا الخطاب أن أصحابه يتعاملون مع الطماطم المغربية وكأنها هدية تقدم للموريتانيين، لا سلعة تجارية تباع وتشترى وفق مصالح الطرفين. والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن هؤلاء أن الطماطم التي تدخل الأسواق الموريتانية لا تصل بالمجان، ولا توزع على المواطنين من خزائن الإحسان؛ بل يشتريها المستوردون الموريتانيون بأموالهم، ويدفع المستهلكون ثمنها، ويحقق المصدرون المغاربة من بيعها عائدات تجارية. إنها علاقة بيع وشراء، يستفيد منها البائع والمشتري، ولا يملك أي طرف أن يحولها إلى وثيقة امتياز سياسي أو مبرر للتعالي على الطرف الآخر. ومن أغرب المفارقات أن يشهر بعض الناس في وجه جيرانهم بضاعة يبيعونها لهم، وكأنهم يمنحونهم صدقة، متناسين أن التجارة ليست عملا خيريا، وأن التصدير لا يعد تضحية مجانية، بل نشاطا اقتصاديا يقوم أساسا على تحقيق المصالح والعوائد.
ومن هنا، فإن الاعتقاد بأن وقف تصدير الطماطم المغربية كفيل بإرباك موريتانيا أو دفعها إلى أزمة غذائية يكشف عن استخفاف بقدرة الدولة الموريتانية على تنويع مصادر تموينها، وعن مبالغة في تقدير أهمية مورد تجاري واحد. فالدول التي تحترم مصالحها لا تربط أمنها الغذائي بمصدر وحيد، ولا تجعل احتياجاتها رهينة لسوق بعينها؛ بل تبحث باستمرار عن بدائل أكثر تنوعا، وتعمل على بناء شراكات متعددة، وتعزز قدرتها على مواجهة تقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات. وموريتانيا، بما تملكه من موقع جغرافي ومنافذ بحرية وعلاقات دولية، قادرة على توسيع خياراتها التجارية، سواء تعلق الأمر بالطماطم أو بغيرها من المنتجات الزراعية. أما تحقيق اكتفاء ذاتي أوسع، فهو هدف استراتيجي يتطلب استثمارات في الزراعة والري والتخزين والنقل والتصنيع الغذائي، وليس أمرا مستحيلا يحكم على فرص تحققه من خلال مزايدات مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن التلويح بمنع تصدير سلعة أو الاحتفاء بارتفاع سعرها في بلد مستورد لا يمثل بالضرورة مكسبا استراتيجيا للمصدر؛ فقد يدفع المستورد إلى البحث عن أسواق بديلة، ويمنح منافسين آخرين فرصة لدخول السوق، ويعيد تشكيل العلاقات التجارية على نحو قد لا يخدم مصالح المصدر على المدى البعيد. وإذا كانت هناك اعتبارات تتعلق بحماية السوق المغربية أو تنظيم الصادرات وفق حاجات الاستهلاك الداخلي، فإن ذلك يدخل في نطاق القرارات الاقتصادية التي تملك الدولة حق اتخاذها، ولا ينبغي تحويله إلى مادة للتشفي أو وسيلة للإهانة. وفي المقابل، فإن من حق موريتانيا أن تبحث عن المورد الأنسب، وأن تنوع مصادر وارداتها، وأن تعزز إنتاجها المحلي، وأن تتخذ من أمنها الغذائي أولوية استراتيجية. تلك هي طبيعة العلاقات التجارية بين الدول: مصالح متبادلة، وقرارات سيادية، ومنافسة مشروعة، لا علاقة تبعية يحق فيها لطرف أن يتفاخر باحتياجات الطرف الآخر.
أما ربط هذه الحملة بقضية “لكويرة”، واستغلال الحساسيات السياسية لإطلاق عبارات الإساءة والتطاول على موريتانيا، فينقل المسألة من نطاق الاختلاف في المواقف إلى مستوى آخر لا يخدم العلاقات بين البلدين. فالقضايا المرتبطة بالسيادة والمواقف السياسية لا تحسم بالشتائم، ولا تدار بمنطق الاستفزاز، ولا تمنح أحدا حق الانتقاص من كرامة شعب آخر. ومهما اختلفت التقديرات والمواقف، فإن الدول ذات السيادة تحتكم إلى مصالحها وقنواتها الدبلوماسية، وتترك للقانون والسياسة مجال معالجة الخلافات، بدلا من تحويلها إلى حملات تستهدف الشعوب وتؤجج مشاعر العداء بينها. وموريتانيا ليست مطالبة بإثبات حقها في اتخاذ قراراتها، ولا بتقديم تبريرات لمن يعتقدون أن العلاقات التجارية تمنحهم سلطة معنوية عليها؛ فسيادتها ليست موضع تفاوض، وكرامة شعبها ليست بندا قابلا للمساومة في فاتورة استيراد.
ومن الإنصاف أيضا التأكيد أن هذه الأصوات المسيئة لا تمثل المغرب كله، ولا يجوز اختزال شعب بأكمله في سلوك فئة اختارت البذاءة والاستعلاء وسيلة للتعبير عن مواقفها. فبين الشعبين روابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح، وبينهما مجالات واسعة للتعاون الاقتصادي والتجاري والاجتماعي، وهي روابط لا ينبغي أن تترك رهينة خطاب منفلت على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن هذا التمييز لا يعني التقليل من خطورة الإساءة أو تجاهل آثارها؛ فالتطاول المتكرر، إذا ترك دون استنكار واضح، قد يساهم في تطبيع خطاب عدائي يسيء إلى صورة العلاقات الثنائية ويمنح أصحابه شعورا زائفا بأن الإهانة شكل من أشكال الوطنية. والوطنية الحقيقية لا تقاس بقدرة المرء على إهانة جاره، وإنما بقدرته على خدمة بلده وتعزيز اقتصاده واحترام الآخرين وصيانة مصالحه من دون المساس بكرامتهم.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية تقتضي من القيادة المغربية والجهات المعنية اتخاذ موقف واضح من حملات الإساءة التي تستهدف موريتانيا، والتأكيد أن حسن الجوار ليس شعارا دبلوماسيا للاستهلاك، بل التزام عملي يقتضي احترام الدول والشعوب، ورفض التحريض والإهانة، وصيانة العلاقات الثنائية من محاولات العبث بها. فالمصالح المغربية في موريتانيا، كما المصالح الموريتانية في المغرب، لا تخدم بالتشفي ولا بالتلويح بالسلع التجارية، وإنما تصان بتوسيع التعاون، وتعزيز الثقة، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتبادل التجاري. وإذا كان تصدير الطماطم يحقق للمصدر المغربي عائدا اقتصاديا، فإن الحفاظ على سوق مستقرة وعلاقة ودية مع الجار الموريتاني يمثل بدوره مصلحة تستحق أن تحسب بمنطق الاقتصاد طويل الأمد، لا بمنطق الانفعالات العابرة والمزايدات الرقمية.
إن موريتانيا تمتلك من الإمكانات المالية والموقع الاستراتيجي والمنافذ البحرية والعلاقات التجارية ما يسمح لها بتنويع وارداتها والعمل على تطوير إنتاجها الزراعي، وهي قادرة على تحويل أي اضطراب في مصادر التموين إلى حافز لتوسيع خياراتها وتعزيز أمنها الغذائي. وهذا لا يعني الاستغناء عن التعاون مع المغرب أو التقليل من أهمية المبادلات التجارية بين البلدين؛ بل يعني أن التعاون الحقيقي لا يقوم إلا بين طرفين يحترم كل منهما استقلال الآخر، ويعرف أن المصالح المشتركة لا تمنح أحدهما حق الوصاية على الثاني. فموريتانيا لا تعادي المغرب، ولا تحتاج إلى افتعال خصومة معه، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تتحول احتياجاتها التجارية إلى ذريعة للإهانة، أو أن يصور تعاونها الاقتصادي مع جيرانها وكأنه دليل ضعف أو تبعية.
وفي النهاية، فإن الطماطم لن تصنع مجدا سياسيا، ولن تمنح أحدا مكانة فوق جاره، ولن تختصر تاريخ العلاقات بين دولتين كاملتي السيادة. ومن يعتقد أن ارتفاع أسعارها في موريتانيا انتصار على الموريتانيين، أو أن بيعها لهم يمنحه حق الاستعلاء عليهم، إنما يخلط بين التجارة والكرامة، وبين المصالح الاقتصادية والوصاية السياسية. إن العلاقات بين موريتانيا والمغرب أكبر من الطماطم، وأعمق من حسابات التصدير والاستيراد، وأثمن من أن تتحول إلى ساحة للتشفي والإساءة. أما موريتانيا، فستظل دولة ذات سيادة، تختار شركاءها، وتدير مصالحها، وتعمل على تطوير اقتصادها وفق أولوياتها الوطنية. فالطماطم سلعة تباع وتشترى، أما كرامة الشعوب فلا تباع ولا تشترى، والسيادة الوطنية لا تقاس بما تستورده الدول، بل بقدرتها على حماية مصالحها واتخاذ قراراتها بحرية وندية واحترام متبادل.
محمد سالم المختار الشيخ🇲🇷




