مكرمة ملكية بحجم الإنسانية.. لماذا لا تنال استضافة الحجاج على نفقة الملك حقها من الضوء؟

ليست كل المواقف العظيمة مما تقاس قيمته بالأرقام، وليست كل المبادرات الكريمة مما يمكن اختزاله في خبر عابر؛ فثمة أعمال تحمل في جوهرها من المعاني الإنسانية ما يجعل أثرها أكبر من حجمها، ومكانتها أرفع من أن تختصرها عناوين الأخبار. ومن هذا الباب تأتي مكرمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حفظه الله، باستضافة ألف حاج وحاجة من ذوي الشهداء والأسرى والجرحى الفلسطينيين على نفقته الخاصة، لأداء مناسك الحج ضمن برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة والزيارة. إنها مكرمة تتجاوز تيسير رحلة إلى بيت الله الحرام، لتلامس قلوبا أثقلتها المحن، وتمنح أصحابها فرصة للوقوف في أطهر البقاع، حيث تنسكب الدموع، وترفع الأكف، وتلتقي آلام الأرض برجاء السماء.

وتزداد هذه المكرمة عظمة حين نتوقف عند عبارتها الأبرز: على نفقته الخاصة؛ فهنا لا نتحدث عن استضافة عادية، ولا عن إجراء بروتوكولي تؤديه مؤسسة، بل عن تكفل ملكي كريم بنفقات الحج، يحمل دلالة واضحة على استشعار المسؤولية تجاه المسلمين، والحرص على أن ينال المستضافون شرف أداء هذه الفريضة من غير أن تثقل كواهلهم أعباؤها المالية. ولعل أجمل ما في هذا العطاء أنه لا يمنح الحاج تذكرة سفر وإقامة فحسب، بل يفتح أمامه بابا إلى أمنية طال انتظارها، ويجعله ضيفا مكرما في رحاب الحرمين الشريفين، في تجربة إيمانية تبقى في الذاكرة ما بقي العمر.

أما حين يكون المستضافون من ذوي الشهداء والأسرى والجرحى الفلسطينيين، فإن للمكرمة بعدا إنسانيا مضاعفا؛ فهؤلاء ينتمون إلى أسر عرفت الفقد والألم، وذاقت مرارة الغياب، وتحملت من أعباء المحنة ما لا تفي الكلمات بوصفه. واستضافتهم لأداء مناسك الحج ليست مجرد إتاحة فرصة للعبادة، بل هي رسالة وفاء ومواساة، ومعنى من معاني التراحم الذي لا ينبغي أن تنقطع خيوطه بين أبناء الأمة مهما تباعدت بهم المسافات. وفي مكة المكرمة، حيث تتجه القلوب إلى الله، يجد هؤلاء الحجاج فسحة للسكينة، ومجالا للدعاء لأحبتهم وأوطانهم، وشعورا بأن آلامهم ليست غائبة عن وجدان إخوانهم، وأن أبواب الخير لا تزال مفتوحة أمام من أثقلتهم الحياة.

وليست هذه المكرمة حدثا طارئا أو مبادرة وليدة مناسبة عابرة؛ فقد درج خادم الحرمين الشريفين على توجيه استضافة حجاج فلسطينيين من ذوي الشهداء والأسرى والجرحى كل عام، على نفقته الخاصة، ضمن برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة والزيارة. وهنا تتجلى قيمة الاستمرار؛ فالعطاء حين يتحول إلى نهج متواصل يصبح أعمق أثرا وأرسخ دلالة من العطاء الذي تحكمه اللحظة وحدها. إن تكرار هذه الاستضافة عاما بعد عام يعكس اهتماما متجددا بأبناء الشعب الفلسطيني، ويؤكد أن رعاية ضيوف الرحمن ليست شعارا يقال، بل مسؤولية تترجم إلى أعمال ملموسة، وخدمات متكاملة، وحرص على أن يؤدي الحجاج مناسكهم في يسر وطمأنينة، منذ مغادرتهم بلادهم وحتى عودتهم إليها.

وإذا كانت استضافة ألف حاج وحاجة من فلسطين تستحق الوقوف طويلا أمام أبعادها الإنسانية، فإنها تأتي كذلك ضمن برنامج أوسع يستضيف أكثر من ألف حاج وحاجة آخرين من مختلف أنحاء العالم، ومن بينهم مسلمون جدد يحتاجون إلى من يعينهم على تعميق صلتهم بدينهم، وترسيخ تجربتهم الإيمانية، واكتشاف معاني الأخوة الإسلامية في أبهى صورها. إن اجتماع هؤلاء في رحاب مكة المكرمة والمدينة المنورة يختصر مسافات شاسعة، ويجمع شعوبا وثقافات متعددة على قبلة واحدة وشعيرة واحدة، ويمنح المستضافين فرصة لأداء مناسك قد تحول ظروفهم أو إمكاناتهم المادية دون أدائها. ومن هنا تتضح رسالة البرنامج في أبعادها الدينية والإنسانية، وتتجلى قيمة الإنفاق على الحج حين يصبح وسيلة لتيسير العبادة، وإدخال السرور على النفوس، وتعزيز روابط المحبة بين المسلمين.

إن التكفل بنفقات الحج على النفقة الخاصة يحمل معنى يتجاوز قيمته المالية؛ لأن المال قد يفتح الطريق إلى رحلة، لكنه لا يشتري وحده أثرها في القلب. وحين يتحمل الملك نفقات استضافة هؤلاء الحجاج، فإنه يضع إمكاناته في خدمة غاية جليلة، ويجعل من الكرم بابا إلى الأجر، ومن الضيافة وسيلة إلى التراحم، ومن خدمة ضيوف الرحمن ميدانا تتجسد فيه معاني المسؤولية والوفاء. وما أعظم أن يكون الإنسان سببا في بلوغ غيره أمنية دينية طال انتظارها، وأن يهيئ له سبيل الوقوف بعرفات، والطواف بالبيت العتيق، والسعي بين الصفا والمروة، والدعاء في رحاب المشاعر المقدسة! إنها لحظات لا تقدر بثمن، وذكريات لا تمحوها السنون، ودعوات صادقة نرجو أن تكون من أعظم ما يعود به المحسن من عطاء الخير.

وحق لهذه المكرمة أن تحظى بمساحة أوسع من الاهتمام الإعلامي والحديث المنصف؛ فليست قيمة الأعمال الإنسانية في مقدار ما تناله من التغطية، ولكن من حق المبادرات الجليلة أن تعرف الناس بأثرها، وأن تقرأ في سياقها الصحيح، وأن يسلط الضوء على ما تحمله من معان تستحق التقدير. إن استضافة الحجاج على النفقة الخاصة، ولا سيما من أسر الشهداء والأسرى والجرحى، عمل يستحق أن يتناول بما يليق به من إنصاف وعمق، بعيدا عن الاكتفاء بنقل الخبر ثم تجاوزه إلى غيره. فكم من حكاية إنسانية تختبئ خلف رقم، وكم من دمعة امتنان لا تظهر في الصور، وكم من دعوة صادقة يرفعها حاج في جوف الليل لمن يسر له الوصول إلى بيت الله الحرام! ولعل أجمل ما في هذه المبادرات أن أثرها الحقيقي لا ينتهي بانتهاء موسم الحج، بل يظل حاضرا في ذاكرة المستضافين، وفيما يحملونه معهم من امتنان وطمأنينة وأمل.

وفي الختام، نسأل الله العلي القدير أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وأن يمده بالصحة والعافية، ويبارك في عمره وعطائه، ويجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يحفظ سمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، ويديم على المملكة العربية السعودية أمنها وعزها وازدهارها. كما نسأله سبحانه أن يتقبل من الحجاج حجهم، وأن يجبر مصاب أهل فلسطين، ويفرج كربهم، ويرحم شهداءهم، ويفك أسر أسراهم، ويشفي جرحاهم، ويكتب لهم الأمن والفرج والسكينة. إنها لفتة إنسانية عظيمة تستحق أن تروى وتقدر، ومكرمة ملكية تجمع بين شرف خدمة ضيوف الرحمن ونبل الوقوف إلى جانب أصحاب الألم؛ لفتة لا يليق بها أن تمر مرور الخبر العابر، ولا أن تحجب عن الأضواء التي تستحقها، وهي من المكارم التي لا يقدر على حمل أعبائها ومداومة أثرها إلا من سخر الله له القدرة والإمكانات، وجعل خدمة الحرمين الشريفين وضيوفهما في صدارة اهتمامه؛ فجزى الله خادم الحرمين الشريفين خير الجزاء، وأدام عليه نعمة العطاء، وجعل ما يقدمه في ميزان حسناته يوم يلقى الله.

محمد سالم المختار الشيخ 🇲🇷

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى