حرمة الكنائس من حرمة الإنسان.. والإرهاب عدو الأديان

لم تكن الجريمة الإرهابية التي استهدفت مراسم جنازة داخل كنيسة للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، يوم الجمعة 23 أكتوبر، مجرد اعتداء مسلح أراق الدماء وأزهق الأرواح، بل كانت طعنة في ضمير الإنسانية، وانتهاكا صارخا لحرمة الموت وحق الأحياء في تشييع موتاهم بسلام. فحين يتحول مجلس عزاء إلى ساحة للقتل، وتستهدف جماعة من المشيعين في لحظة حزن وانكسار، نكون أمام سقوط أخلاقي مدو، يكشف إلى أي حد يمكن أن يبلغ التطرف حين يتجرد أصحابه من أبسط معاني الرحمة والإنسانية.

إن استهداف الكنائس جريمة لا تقل بشاعة عن تفجير المساجد والمدارس والأسواق، أو الاعتداء على أي مكان يأوي إليه الناس طلبا للعبادة أو العلم أو الأمان. فالأديان لا تقاس بما يرفعه المتطرفون من شعارات، وإنما بما تحمله من قيم الرحمة والعدل وصيانة النفس البشرية. ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن قتل الأبرياء، أو ترويع المصلين، أو استباحة دماء المشيعين، يمكن أن يكون طريقا إلى الله أو انتصارا لدين. إن الإرهاب، مهما تستر بالدين، يظل عدوانا على الدين نفسه، وخيانة للقيم التي جاءت الرسالات السماوية لترسيخها في حياة البشر.

والإسلام الحنيف، الذي يتعرض أحيانا لمحاولات التشويه بسبب جرائم ترتكب باسمه زورا وبهتانا، يرفض الاعتداء على الأبرياء، ويحرم قتل النفس بغير حق، ويجعل للعهود والذمم والحرمات مكانتها التي لا يجوز التفريط فيها. وقد جسد القادة المسلمون الأوائل هذه المعاني في وصاياهم المتعلقة بالحرب، حين شددوا على عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ، وعدم التعرض للعباد في صوامعهم، وعدم تخريب دور العبادة أو الاعتداء على من لم يشارك في القتال. إنها مبادئ أخلاقية راسخة تؤكد أن الحرب، حتى في أشد ظروفها، لا تمنح الإنسان رخصة للتجرد من إنسانيته، وأن القوة التي لا يضبطها العدل تتحول إلى أداة للظلم والفساد.

ومن هنا، فإن الاعتداء على كنيسة لا يمثل مجرد استهداف لمكان ديني، بل اعتداء على حق الإنسان في ممارسة شعائره، وعلى حق المجتمع في التعايش، وعلى مبدأ المواطنة الذي يجعل أبناء الوطن شركاء في الأرض والمصير، مهما اختلفت معتقداتهم. فالمسيحيون والمسلمون في الأردن، كما في سائر البلدان التي تتعدد فيها الأديان والثقافات، شركاء في الوطن والإنسانية، تجمعهم حقوق المواطنة وواجباتها، وتربطهم مصالح مشتركة وآمال في مستقبل يسوده الأمن والاستقرار. وليس من حق أحد أن يحول الاختلاف الديني إلى ذريعة للقتل، أو أن يجعل دور العبادة أهدافا للعنف والكراهية.

إن أخطر ما يخلفه الإرهاب لا يقتصر على عدد الضحايا وحجم الخسائر، بل يمتد إلى محاولة زرع الخوف بين الناس، وإثارة الشقاق بين أبناء المجتمع الواحد، وضرب الثقة التي تقوم عليها الدول والمجتمعات المتماسكة. ولذلك، فإن مواجهة هذه الجرائم لا تكون بالملاحقة الأمنية وحدها، على أهميتها وضرورتها، بل تقتضي أيضا تجفيف منابع التطرف، ومواجهة خطاب التحريض، وترسيخ ثقافة الاعتدال، وحماية التعدد الديني، وتعزيز قيم المواطنة والعدالة. فالدولة التي تحمي مواطنيها جميعا، وتصون دور عبادتهم دون تمييز، إنما تحمي وحدتها الوطنية وتحصن مجتمعها من محاولات التفكيك والفتنة.

وأمام هذه الفاجعة التي هزت محافظة الكرك، وأسفرت، وفق الحصيلة الواردة في التقارير، عن سقوط سبعة قتلى وإصابة عشرات الأشخاص، لا يسعنا إلا أن نعلن تضامننا الكامل مع الأردن، قيادة وشعبا، ومع أسر الضحايا والمصابين، وأن نستنكر بأشد العبارات هذا الاعتداء الآثم الذي انتهك حرمة الموت، واستهدف أناسا اجتمعوا لتوديع فقيدهم، فإذا بهم يواجهون الرصاص بدلا من لحظات الوداع الأخيرة. ونسأل الله أن يمن على المصابين بالشفاء العاجل، وأن يربط على قلوب ذوي الضحايا وأسرهم، وأن يحفظ الأردن وشعبه من الفتن والشرور، وأن يوفق سلطاته إلى كشف ملابسات هذه الجريمة وتحديد المسؤولين عنها وتقديمهم إلى العدالة لينالوا جزاءهم وفق القانون.

إن دماء الأبرياء ليست ساحة لتصفية الأوهام، ودور العبادة ليست ميادين للحرب، وحرمة الموتى ليست أمرا قابلا للتفاوض. وسيظل الموقف الأخلاقي والديني والوطني واضحا لا لبس فيه: لا إرهاب باسم الإسلام، ولا تبرير لقتل الأبرياء باسم العقيدة، ولا مكان للكراهية في وطن يتسع لجميع أبنائه. فالذين يعتدون على المصلين والمشيعين لا ينتصرون لدين، ولا يخدمون وطنا، بل يسيئون إلى الإنسانية جمعاء. وسيظل التضامن مع الأردن، والوقوف إلى جانب ضحايا هذه الجريمة، والتمسك بالعدل والتعايش، موقفا أخلاقيا وإنسانيا أصيلا، تؤكده قيم الإسلام في العدل والرحمة، وترفض به كل نفس سوية أن يكون اختلاف الدين ذريعة للقتل أو الانتقاص من كرامة الإنسان. فليس من الدين أن تزهق الأرواح باسمه، ولا من الإيمان أن تنتهك الحرمات بشعاراته؛ فالدين الذي يدعو إلى الحق والعدل والرحمة لا يمكن أن يكون ذريعة للقتل، ولا غطاء للإرهاب، ولا مبررا لاستباحة دماء الأبرياء.

محمد سالم المختار الشيخ 🇲🇷

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى