حين أُقبل العلم السعودي.. أتحدث بلغة العقيدة والوفاء

حين أُقبل العلم السعودي ، فإنني لا أُقبل قطعة من القماش، ولا أؤدي حركة عابرة بحثا عن لفت الأنظار؛ بل أعبر عن حب عميق استقر في وجداني، وعن وفاء امتدت جذوره في نفسي منذ الطفولة، وعن اعتزاز بأرض لها في قلبي منزلة لا تشبهها منزلة. إن لهذه القبلة حكاية أكبر من الصورة، ومعنى أعمق من الكلمات، فهي تختصر مشاعر سنوات طويلة، وتختزل صلة وجدانية تجمعني ببلاد الحرمين الشريفين، وتكشف عن محبة لا أحتاج إلى إخفائها، ولا أجد ما يدعوني إلى الاعتذار عنها. إنني أُقبل العلم لأنني أحب هذه البلاد، وأعتز برايتها، وأحمل في قلبي من الوفاء لها ما لا تستطيع الحروف، مهما بلغت جزالتها، أن تستوعبه كاملا.

إنها راية المملكة العربية السعودية، الراية التي تتوسطها شهادة التوحيد: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، أعظم كلمة نؤمن بها، وأشرف شهادة نحيا على معناها، وأجل حقيقة تستقر في قلوب المؤمنين. وهذه الشهادة ليست عندي عبارة تكتب على علم، ولا كلمات ترفع في المناسبات، وإنما هي أصل العقيدة ولب الإيمان، وبها نعرف ربنا، ونؤمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ونرجو النجاة والفوز برضوان الله. ولذلك، فإن تقبيلي هذه الراية يحمل في وجداني معاني الاعتزاز بكلمة التوحيد، ومحبة البلاد التي ترفعها، والوفاء لأرض الحرمين الشريفين التي شرفها الله ببيته الحرام ومسجد نبيه صلى الله عليه وسلم. إنها قبلة على راية أعتز بها، ورسالة تختصر محبة أعيشها، وعهد أجدده مع نفسي بأن أبقى صادقا في إيماني، وفيا لما أحمله من معاني الحب والانتماء.

إن محبة بلاد الحرمين الشريفين ليست عندي مجرد عاطفة وطنية، بل محبة تتصل بمكانة هذه الأرض في عقيدة المسلمين ووجدانهم؛ ففي مكة المكرمة قبلة المسلمين وبيت الله الحرام، وفي المدينة المنورة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهاجره ومثواه، وإلى هذه البقاع المباركة تتجه قلوب المؤمنين قبل وجوههم، وتشد الرحال شوقا إلى الطواف بالبيت العتيق والصلاة في المسجد النبوي الشريف. ومن هنا، فإن الحديث عن المملكة العربية السعودية لا يستحضر في نفسي اسم دولة فحسب، بل يستحضر الحرمين الشريفين، ومشاعر الحج، ونداء التوحيد، وذكريات المسلمين وأشواقهم التي تتوارثها الأجيال. إنها أرض عظيمة المكانة، سامية المنزلة في وجدان المسلمين، ومحبتها عندي متصلة بهذا الشرف العظيم، وبهذه الصلة التي لا تمحوها المسافات، ولا تضعفها السنون، ولا تغيرها تقلبات السياسة.

ولست في هذه المحبة غريبا عن بيئتي، ولا منفصلا عن وجدان أبناء بلادي؛ فنحن الموريتانيين، الشناقطة الذين عرفوا بالعلم الشرعي والرحلة في طلب المعرفة وخدمة القرآن والسنة، نشأنا على تعظيم الحرمين الشريفين، وتشربت نفوسنا محبتهما قبل أن نعرف كثيرا من تفاصيل الحياة وتقلبات السياسة. فمنذ طفولتنا، كان اسم المملكة العربية السعودية حاضرا في مجالسنا وحديث أهلنا، وكانت مكة والمدينة حاضرتين في دعائنا وأشواقنا، وكانت الكعبة المشرفة صورة تسكن مخيلاتنا، وقبلة تتجه إليها وجوهنا كل يوم. لقد كبرنا ونحن نعرف أن لهذه البلاد مكانة استثنائية في قلوب المسلمين، وأن محبتها ليست أمرا عابرا في وجدان الشناقطة، بل صلة تغذيها العقيدة، وتعمقها المعرفة، وتزيدها الأيام رسوخا. ولذلك، فإنني حين أُقبل العلم السعودي، لا أعبر عن شعور ولد اليوم، وإنما أستعيد حكاية حب قديمة، وأجدد عهدا حملته في قلبي منذ الصغر.

وإنني لأفدي بلاد الحرمين الشريفين، وأفدي هذه الراية بالغالي والنفيس، وأحمل لها من المحبة والوفاء ما أعده من أصدق معاني الانتماء. فليس الحب عندي كلمات جميلة تقال حين تكون الأجواء هادئة، ولا عبارات منمقة تكتب حين لا يترتب على الموقف أي ثمن؛ وإنما يظهر صدقه حين تشتد المحن، وتتعرض البلاد التي نحبها للتهديد، ويصبح إعلان الوفاء ضرورة تمليها المروءة وصدق الانتماء. وإن من نشأ على محبة بلاد الحرمين الشريفين لا يستطيع أن يتعامل مع ما يمس أمنها واستقرارها ببرود المتفرج، ولا أن يطوي مشاعره إرضاء لمن لا يروق لهم هذا الحب. إن للمحبة مواقفها، وللوفاء استحقاقاته، وللانتماء لحظاته التي يعرف فيها صدق القلوب من مجرد الشعارات؛ وأنا أريد لمحبتي أن تكون واضحة في كلمتي، صريحة في موقفي، حاضرة في كل تعبير أستطيع به أن أساند هذه البلاد التي أحبها وأعتز بها.

وفي ظل التهديدات والاعتداءات التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية من ميليشيات الحوثي، وما تمثله الميليشيات المسلحة المرتبطة بالمحور الإيراني، ومنها فصائل الحشد الشعبي، من مخاطر وتوترات تمس أمن المنطقة، فإن الوقوف مع المملكة يصبح موقفا تمليه معاني الوفاء والتضامن، وتفرضه ضرورة رفض الاعتداء على أمنها وسيادتها. إننا نرفض أن تكون أرض المملكة أو سماؤها أو منشآتها أو مواطنوها أهدافا لعدوان الميليشيات، ونرفض أن تتحول حياة الآمنين إلى أوراق في صراعات النفوذ والحسابات الإقليمية. ومن حق المملكة أن تحمي أرضها، وتصون أمن شعبها، وتتصدى للتهديدات التي تواجهها، ومن واجبنا أن نعلن تضامننا معها، وأن نرفض العدوان عليها، وأن نواجه حملات التضليل التي تستهدف مكانتها أو تحاول تصوير الاعتداء عليها وكأنه أمر يمكن تبريره أو التغاضي عنه. فحين تتعرض بلاد الحرمين الشريفين للتهديد، فإن الوفاء لا يكون بالصمت، والمحبة لا تكون بإخفاء المواقف، والتضامن لا يكون بكلمات خاوية من معناها؛ بل يكون بموقف واضح لا يلتبس، وصوت صريح لا يتوارى، وولاء للحق لا يتبدل تحت ضغط الحملات والخصومات.

ومن هنا، فإنني أرى أن التعبير عن محبة المملكة والوقوف معها لا ينبغي أن يظل حبيس المشاعر، بل يجب أن يظهر في الكلمة والموقف والعمل المشروع؛ أن نعلن دعمنا لها، وأن نرفع صوتنا رفضا للاعتداء عليها، وأن نذكر بمكانتها في وجدان المسلمين، وأن نقف إلى جانبها في مواجهة ما يستهدف أمنها واستقرارها. وليس تقبيل العلم السعودي إلا صورة من صور هذا التعبير، لكنها صورة تحمل في نفسي معاني كبيرة؛ فهي إعلان محبة، ورمز اعتزاز، ورسالة وفاء، وموقف أريد له أن يكون واضحا لكل من يراه. إنني لا أُقبل هذه الراية لأرضي أحدا، ولا لأكسب إعجاب أحد، وإنما لأنني أريد أن أعبر بصدق عن مشاعر أحملها، وأن أقول إن للمملكة في قلبي مكانة لا أتنكر لها، وإن رايتها تستحق مني كل احترام واعتزاز، وإن محبتي لبلاد الحرمين الشريفين لا تتراجع حين تشتد التحديات، بل يزداد تمسكي بها حين تقتضي الظروف إظهار الوفاء.

ولن أُخفي محبتي للمملكة إرضاء لمن يعادونها، ولن أتردد في إعلان موقفي خوفا من حملات التشويه، ولن أتعامل مع التهديدات التي تواجهها وكأنها شأن لا يعنيني. إنني أؤمن بأن المحبة الصادقة لا تقاس بما نكتبه في أوقات الراحة، بل بما نثبته من مواقف حين يصبح للوفاء معنى عملي وتبعات حقيقية. ومن هذا المنطلق، فإنني أعتز بالمملكة العربية السعودية، وأقدر ما تمثله بلاد الحرمين الشريفين من مكانة دينية وتاريخية، وأدعو الله أن يحفظها من كل سوء، وأن يديم عليها أمنها واستقرارها، وأن يحفظ شعبها وقيادتها، وأن يرد عنها كيد المعتدين. ولا أرى في هذا الاعتزاز ما يحتاج إلى تبرير أو اعتذار؛ فالمحبة الصادقة لا تستمد مشروعيتها من رضا خصوم المحبوب، ولا تحتاج إلى إذن من أحد كي تعلن عن نفسها. إنها شعور أصيل، وموقف واضح، وعهد أحمله في قلبي وأعبر عنه بلساني وصورتي وكل وسيلة مشروعة أملكها.

وستظل المملكة العربية السعودية حاضرة في وجداني، وستبقى بلاد الحرمين الشريفين موضع محبة واعتزاز في قلبي، وستظل راية التوحيد رمزا عزيزا أفتخر بما تحمله من شهادة الإسلام. لن تغير الأيام ما استقر في نفسي منذ الطفولة، ولن تمحو المسافات ما نسجته العقيدة من صلة بين قلبي وهذه الأرض المباركة، ولن تجعلني حملات التشويه أتراجع عن إعلان محبتي أو أخجل من التعبير عنها. أنا الشنقيطي الذي عرف للحرمين الشريفين مكانتهما، ونشأ على محبتهما، وكبر وهو يحمل للمملكة تقديرا ووفاء؛ وأريد لهذه المحبة أن تبقى صادقة في أعماقي، ثابتة في مواقفي، واضحة في كلماتي. وإذا كانت الصورة تستطيع أن تختصر لحظة من العمر، فإنني أريد لهذه الصورة أن تختصر حكاية أطول من اللحظة: حكاية قلب أحب بلاد الحرمين الشريفين، وراية تحمل كلمة التوحيد، ووفاء لا أريد له أن يكون مجرد كلام يقال، بل عهدا يتجدد ما بقي في القلب نبض، وفي الروح إيمان، وفي العمر بقية.

اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، واحفظ بلاد الحرمين الشريفين من كل سوء، وأدم عليها نعمة الأمن والإيمان والاستقرار، واحفظ شعبها وقيادتها، ورد عنها كيد المعتدين، وأبقِ راية التوحيد عالية خفاقة، واجعل هذه البلاد دار عز وخير وسلام. اللهم احفظ مكة المكرمة والمدينة المنورة، وصن مقدسات المسلمين، واجمع كلمة المسلمين على الحق، وأصلح أحوالهم، وادفع عن بلادهم الفتن والحروب، واكتب للمملكة دوام الأمن والرخاء والازدهار. وأسألك يا رب أن تجعل محبتنا قائمة على صدق الإيمان، وأن ترزقنا الوفاء في القول والعمل، والثبات على الحق، وحسن الخاتمة، وأن تجمعنا على ما تحب وترضى.

على هذا الحب نحيا، وبهذا الوفاء نعتز، وتحت راية التوحيد نجدد عهدنا. نحب بلاد الحرمين الشريفين، ونفخر برايتها، ونقف معها في مواجهة من يهدد أمنها، ونرجو أن نلقى الله على صدق الإيمان وحسن العمل. هذه محبتي، وهذا وفائي، وهذه حكايتي مع راية تحمل أعظم كلمة عرفتها القلوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

محمد سالم المختار الشيخ 🇲🇷

محمد سالم المختار الشيخ 🇲🇷

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى