المقال الثاني من سلسلة كيف نصبح مثلهم ونتفوق عليهم : حوكمة الإعلام.. حين تصبح الحوكمة ضمانة للمصداقية

حوكمة الإعلام… حين تصبح الحوكمة ضمانة للمصداقية

لا تقاس قوة المؤسسات الإعلامية بعدد الأخبار التي تنشرها ولا بحجم جمهورها وحده بل بقدرتها على اتخاذ القرار التحريري باستقلالية ومسؤولية بعيدا عن الضغوط والمصالح التي قد تؤثر في مصداقيتها.

وفي عالم تتسارع فيه المنافسة الإعلامية أصبحت الحوكمة المؤسسية إحدى الركائز التي تميز المؤسسات الإعلامية الرائدة عن غيرها.

1- التجارب العالمية… ماذا نتعلم منها ؟

تقدم وكالة رويترز Reuters نموذجا مهما من خلال مبادئ الثقة التي تؤكد الاستقلال والنزاهة والتحرر من التحيز. كما تعتمد هيئة الإذاعة البريطانية BBC إرشادات تحريرية تنظم الدقة والإنصاف والاستقلالية والمساءلة.

ولا تعني الاستفادة من هذه التجارب استنساخ نماذجها بل فهم المبادئ التي أسهمت في بناء مؤسسات قادرة على المحافظة على ثقة الجمهور.

2- التحدي في مؤسساتنا الإعلامية

تواجه بعض المؤسسات الإعلامية العربية تحديات تتعلق بتداخل الصلاحيات بين الإدارة والتحرير وغياب السياسات المكتوبة وضعف آليات المساءلة.

وقد يؤدي ذلك إلى قرارات تحريرية غير متسقة أو تأثر المحتوى باعتبارات تجارية وإدارية لا ترتبط بالمصلحة المهنية.

وهنا يظهر سؤال جوهري:

هل نمتلك مؤسسات إعلامية تحكمها الأنظمة أم قرارات تتغير بتغير الأشخاص؟

3- الحل العملي… نحو حوكمة إعلامية فاعلة

يمكن للمؤسسات الإعلامية العربية بناء نموذج حوكمة تدريجي يرتكز على خمس خطوات:

1- اعتماد ميثاق تحريري واضح يحدد القيم والمعايير المهنية

2- الفصل بين المسؤوليات الإدارية والتجارية والقرارات التحريرية

3- وضع سياسة معلنة لإدارة تضارب المصالح والتصحيحات والشكاوي

4- إنشاء آلية مستقلة للمراجعة المهنية وتقييم الالتزام

5- تدريب القيادات والصحفيين على الحوكمة وأخلاقيات القرار الإعلامي

4- خطوة تنفيذية قابلة للتطبيق

أقترح أن تبدأ كل مؤسسة إعلامية بمراجعة سياساتها التحريرية خلال 30 يومًا وتحديد الثغرات التنظيمية ثم اعتماد خطة تطوير بمسؤوليات واضحة وجدول زمني محدد.

5- كيف نقيس النجاح؟

يمكن قياس التقدم من خلال نسبة الالتزام بالسياسات التحريرية وسرعة معالجة الشكاوى والتصحيحات ومستوى ثقة الجمهور واستقلالية القرارات المهنية فالهدف ليس زيادة الإجراءات الإدارية بل بناء منظومة تحمي الصحفي والمؤسسة والجمهور معا.

والسؤال للنقاش:

إن التفوق على المؤسسات الإعلامية العالمية لا يبدأ بتقليد أدواتها بل ببناء مؤسسات تمتلك استقلالية القرار ووضوح المسؤولية وثقافة المساءلة.

هل تبدأ نهضة الإعلام العربي بتطوير الصحفي أم بإصلاح المنظومة المؤسسية التي يعمل داخلها ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى