رجال تصنعهم المواقف.. فهد الشليمي نموذجا

ليست البطولة دائما في ميادين القتال، ولا تقاس المواقف الشجاعة بعدد البنادق ولا بحجم الجيوش؛ فثمة رجال يخوضون معاركهم بالكلمة، ويواجهون المشاريع الكبرى بالوعي والحجة والثبات، ويختارون الوقوف في وجه العواصف حين يكون الانحناء أكثر أمانا وأقل كلفة. وفي الخليج العربي شخصيات وازنة سطرت مواقف مشهودة في الدفاع عن أوطانها وأمتها، غير أن من الإنصاف اليوم أن نتوقف عند شخصية كويتية تستحق التقدير، وأن نمنحها حقها من الإنصاف والاعتراف، إنه الدكتور فهد الشليمي، الرجل الذي جعل من كشف المشروع الإيراني وأذرعه المسلحة قضية حاضرة في خطابه ومواقفه.
لقد استطاع الدكتور فهد الشليمي، خلال سنوات من الحضور الإعلامي المكثف، أن يلفت الأنظار إلى مخاطر المشروع الإيراني في المنطقة العربية، وأن يضع أمام الرأي العام حقائق كثيرة تتعلق بطبيعة النفوذ الإيراني وأدواته، وما تمثله الميليشيات المسلحة المرتبطة بطهران من تهديد لسيادة الدول واستقرار المجتمعات وأمن المنطقة. لم يكن حديثه مجرد تحليل سياسي عابر، ولا استعراضا لمعلومات أمنية واستراتيجية، بل كان خطابا تحذيريا متواصلا يحاول أن ينبه الشعوب إلى أن أخطر ما يواجه الدول ليس دائما الجيوش القادمة عبر الحدود، وإنما المشاريع التي تتسلل إلى داخلها، وتبني نفوذها من خلال الولاءات والتنظيمات المسلحة، ثم تتحول مع الوقت إلى سلطة موازية للدولة.
أما قصتي الشخصية مع هذا الرجل، فلها جانب يستحق الذكر. فأنا أعيش في شمال إفريقيا، بعيدا جغرافيا عن منطقة الخليج والمشرق العربي، ولم تكن لدي قبل متابعته معرفة كافية بتفاصيل المشروع الإيراني، ولا بحجم التشابكات السياسية والعسكرية التي صنعها في عدد من الدول العربية، ولا بطبيعة المخاطر التي تمثلها الميليشيات التابعة له على الأمن والسلم الإقليمي والدولي. إلى أن شاهدت الدكتور فهد الشليمي في إحدى القنوات العربية يتحدث عن هذا الملف، فاستوقفني حديثه، وجذبني وضوحه وثباته وطريقته في عرض المعلومات وربط الأحداث ببعضها. ومنذ ذلك اليوم أصبحت أتابعه باهتمام، وأدركت أن وراء ذلك الخطاب معرفة متراكمة بملفات الأمن والاستراتيجية، وإيمانا عميقا بخطورة ما يجري في المنطقة.
ولعل ما يستحق الإعجاب في تجربة الشليمي أنه لم يحصر تحذيراته في بلد دون آخر، بل تناول الامتداد الإيراني في سوريا ولبنان واليمن والعراق، وما ارتبط به من نفوذ سياسي وعسكري وأمني. وكان يدرك أن المسألة ليست خلافا سياسيا عابرا بين عواصم، ولا اختلافا في وجهات النظر يمكن تجاوزه بتصريحات دبلوماسية، وإنما صراع على القرار الوطني، وعلى هوية الدولة ومؤسساتها، وعلى حق الشعوب في أن تحكم نفسها بعيدا عن سطوة السلاح والولاءات الخارجية. ولذلك ظل يكرر تحذيراته، ويواجه محاولات التهوين من الخطر، مؤكدا أن الدول التي تسمح بقيام قوى مسلحة خارج مؤسساتها إنما تفتح أبوابها لفقدان سيادتها تدريجيا.
ولم تكن هذه المواجهة الإعلامية طريقا مفروشا بالورود؛ فالتصدي للمشروع الإيراني ليس مسألة سهلة، خصوصا في بيئة خليجية وإقليمية تتباين فيها المواقف والانتماءات والحسابات السياسية والعقائدية. هناك من يرى الأحداث من زاوية مذهبية، وهناك من تغلب عليه الحسابات الأيديولوجية، وهناك من يختار الصمت تجنبا للخصومات والضغوط. لكن الشليمي واصل طرحه، ولم يجعل حساسية الملف سببا للتراجع عن مناقشته، ولم يتعامل مع التحديات باعتبارها مبررا للتنازل عن قناعاته. وتلك خصلة لا تتوافر في كل من يتصدرون المشهد الإعلامي؛ فليس كل من امتلك المعلومة امتلك شجاعة إعلانها، وليس كل من عرف الخطر امتلك الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها.
وإذا نظرنا إلى التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، فسندرك أن كثيرا من التحذيرات التي كانت تطرح بالأمس باعتبارها سيناريوهات محتملة أصبحت اليوم جزءا من واقع سياسي وعسكري شديد التعقيد. فقد سقط نظام بشار الأسد في سوريا، وتعرض النفوذ الإيراني هناك لضربة استراتيجية كبيرة، وتكبد حزب الله خسائر جسيمة في لبنان، كما تعرضت إيران نفسها لضربات عسكرية غير مسبوقة طالت قياداتها ومراكز قوتها، من بينها مقتل المرشد السابق علي خامنئي في فبراير 2026، وتولي مجتبى خامنئي قيادة النظام من بعده. وفي اليمن لا يزال الحوثيون يمثلون تحديا أمنيا وعسكريا خطيرا، رغم ما واجهته شبكتهم الإقليمية من ضغوط وانتكاسات. إنها تحولات تؤكد أن النفوذ الذي بدا في مرحلة من المراحل وكأنه يتمدد بلا حدود ليس قدرا أبديا، وأن موازين القوى قابلة للتغير مهما بلغت قوة المشاريع وأدواتها.
ومن هنا تبرز قيمة الأصوات التي حذرت مبكرا من هذا المسار، ومن بينها صوت الدكتور فهد الشليمي. فالتحليل الاستراتيجي الحقيقي لا يقاس بقدرته على وصف الأحداث بعد وقوعها، وإنما بقدرته على قراءة مقدماتها والتنبيه إلى مخاطرها قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها. ولا يعني ذلك أن رجلا واحدا صنع هذه التحولات أو أنه كان وحده من قرأها، فالتاريخ تصنعه عوامل كثيرة وتشارك في تغييره إرادات وشعوب ودول، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الشليمي كان من الأصوات الخليجية التي كرست حضورها للتحذير من المشروع الإيراني، وكشف مخاطره، والدفاع عن مفهوم الدولة الوطنية وسيادتها.
إن أمثال هؤلاء الرجال لا ينبغي أن يمروا في الذاكرة مرورا عابرا، ولا أن يختزل حضورهم في مقاطع تلفزيونية أو سجالات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي. فالدكتور فهد الشليمي ليس مجرد محلل سياسي يظهر على الشاشات ليعلق على حدث ثم يغادر، بل هو خبير أمني واستراتيجي، ورئيس مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية، وصاحب خلفية علمية ومهنية في مجالات الأمن والتخطيط الاستراتيجي ومكافحة الإرهاب. وهذه الخلفية تمنح حضوره بعدا يتجاوز مجرد إبداء الرأي، وتفسر جانبا من اهتمامه بملفات الميليشيات والتنظيمات المسلحة ومخاطر اختراق الدول من الداخل.
ومن حق الكويت، قبل غيرها، أن تفخر بأبنائها الذين يحملون قضايا أمنها وأمن أشقائها في الخليج العربي بوعي ومسؤولية وشجاعة. ومن حق دول مجلس التعاون الخليجي أن تكرم الشخصيات التي أسهمت في رفع مستوى الوعي بمخاطر التهديدات الإقليمية، وأن تمنحها ما تستحق من التقدير والاحترام. وأرى أن الدكتور فهد الشليمي يستحق تكريمًا يليق بما قدمه من جهد وحضور ومواقف، وأن يكون موضع احتفاء في الكويت، لا مجاملة لشخصه، وإنما تقديرا لقيمة الكلمة المسؤولة، ولأهمية الوعي الأمني، ولرسالة كل من يجعل مصلحة وطنه وأمته فوق حسابات المجاملة والمكاسب الشخصية.
وأختم بالقول إنني سعيد بأنني تعرفت إلى هذه الشخصية الكويتية من خلال متابعتي الإعلامية، وسعيد أكثر بأن أرى في أمتنا رجالا لا يزالون يمتلكون شجاعة الموقف، وصلابة الرأي، والقدرة على الدفاع عن قضاياهم دون خوف أو تردد. وقد لا أتفق مع الدكتور فهد الشليمي في كل تفصيل أو اجتهاد، فذلك شأن طبيعي في عالم السياسة والتحليل، لكنني أجد نفسي أمام واجب أخلاقي في إنصاف رجل اجتهد في التنبيه إلى خطر رأى أنه يهدد المنطقة، ولم يتخل عن قضيته مع تغير الظروف وتبدل المواقف. والتاريخ، مهما طال الزمن، لا يحفظ أسماء أصحاب المناصب وحدهم، بل يحفظ أيضا أسماء الذين امتلكوا شجاعة التحذير حين كان الخطر يقترب، وامتلكوا شجاعة الكلام حين كان الصمت أسهل. تحية تقدير وإجلال للدكتور فهد الشليمي، وتحية للكويت التي أنجبت رجالا يتركون أثرهم في الوعي قبل أن يتركوا أسماءهم في سجلات التاريخ.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




